إلى جدتي في دمشق

إلى جدتي في دمشق

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

رسالة طويلة من ليلاس حتاحت في مدينتها البعيدة إلى جدتها في مدينة بعيدة كذلك.. دمشق حيث ذكريات لانهائية وزهور ومخاوف أن تموت الجدة وتموت المدينة

المدن التي على وشك الاختفاء ما الذي يجعل مدينة ما “مدينتي“؟!
تولد المدن فتية، واعدة.. وتعيش طويلاً، طويلاً جدًا، تعيش لآلاف السنين، ثم تموت. ليس هناك مدن لا تموت؛ فلماذا تموت المدن؟ يغرقها فيضان أو يهدمها زلزال أو يأكلها بركان.. أو، وهو ما يحدث غالبًا نقتلها نحن؛ عندما تأتي عليها الحرب.. أو توحش سلطة تزكل مدينتها ، فتصير أنقاضًا؛ خرائب مخيفة تتجول فيها الأشباح والشياطين والذكريات. يشبهون المدينة في شبابها بامرأة جميلة يخطب الجميع ودها، يتقاطرون إليها، سكان المدينة يتعاملون بالوعي المتوارث على أنها كذلك، وهي–

–المدينة– تحب ذلك، وتفخر به، حتى تصبح عجوزًا، شوارعها تجاعيد ومبانيها أمراض متوطنة.. وسكانها قدماء.. يشبهونها، لكنهم مع ذلك لا يحبون التخلي عنها، فذكرياتها ذكرياتهم، وتفاصيلها تخصهم، وأحلامها باستعادة الماضي تتلخص في مصمصات شفاه أسيانة.. تقضي المدن وسكانها سنواتها الأخيرة في اجترار الذكريات عن أيام الجمال والازدهار.. حين يغادر الشخص مدينته، مضطرًا أو بإرادته الكاملة، ينظر إلى الخلف، يحاول أن يحتفظ في ذاكرته بأكبر قدر ممكن من الصور؛ يزور الأماكن التي يتوقع أن يفتقدها، مقاهيه المفضلة، شوارعه القديمة، بيوت

ليس هناك مدن لا تموت؛ فلماذا تموت المدن؟

الأصدقاء والعائلة، وخط مسيره المعتاد لسنوات طويلة. ثم يذهب وهو يأمل أن يعود، حتى لو ليدفن في مكانه، لكنه ربما لا يعود، وتظل العودة تطارده، في أحلامه، وفي حديثه، وفي كتابته، وفي استعاراته لكل ما يجيء من هناك؛ فهذه الشجرة تشبه تلك التي هناك، وهذه الأكلة لها رائحة تشبه تلك التي كانت هناك، وهذا الشخص يشبه حبي الأول هناك، وهذه الهزيمة طبق الأصل عن تلك التي كانت هناك.. إلخ.. إلخ. ليس من السهل إذًا أن يشهد الشخص مدينته وهي تختفي؛ إذا اختفت مدينتي سأواجه الحياة بظهر عارٍ.
إذا اختفت مدينتي

ستأكلني الشياطين والأشباح.. لا يمكن لمدينة أخرى أن تصبح مدينتي..
لماذا لا يمكن لمدينة أخرى أن تصبح مدينتي.. ما الذي يجعل من مدينة بالذات “مدينتي“؟
ها نحن في ”مدينة” نسمع أصوات المنفيين إلى مدن آمنة، بينما مدينتهم على وشك الإختفاء، الأصوات تقاوم بما تمتلكه من ذكريات، عاطفة، نوستالجيا، وعي مشوش، وأرواح معلقة، تلك المقاومة المؤلمة، حيث حب المدينة لا يخلو من قسوة. ذكريات، عاطفة، نوستالجيا، وعي مشوش، وأرواح معلقة، تلك المقاومة المؤلمة، حيث حب المدينة لا يخلو من قسوة. 

رسالة إلى الصبوحة…
لا تموتي قبل أن أقص عليك حكاية قبل النوم أخاف عليك من الموت لذا أكتب إليكِ، ولأكون صادقة أكثر، أخاف أن تموتي قبل أن تصلك رسالتي لم أبح سابقًا بأني كنت جبانة ولا أزال، أتجاهلك ولا قدرة لي على الاتصال وسماع صوتك المتهدج المخنوق بالدموع التي تسارع إلى خنقني، ربما الكتابة أسهل بعيدًا عن المواجهة، لكنك لا تقرئين، سيقرأ العالم ولن تقرئي، سيعرفون كم أشتاق إليك ولن تعرفي، أنا التي وعدتك يوما بكتابة قصتك المليئة بالأحداث الدرامية ولم أفعل، فهي من كثرة الأحزان ستشبه فيلمًا هنديًّا لن يصدق العالم أحداثه 

اعذريني إن كان موتك طبيعيًا ستضيع فرصتنا في النشر..

وكمية المصادفات فيه. سامحيني، في زمن الحرب لم يعد لقصصنا الإنسانية مكان، قصص موتنا مغرية أكثر للنشر، ربما إن متِ بقذيفة او رصاصة قناص سنحظى بفرصة أخرى لاستعراض حياتك التي ستكون محط اهتمام، لكن اعذريني فإن كان موتك طبيعيًا ستضيع فرصتنا في النشر. جدتي.. للمرة الأولى في حياتي تخونني الكلمات وأنا أكتب، يبدو أني أهرب من الكتابة أيضًا… رأسي فارغة، صندوق أجوف، فقط كلمة.. اشتقت لك. صبوحة… هكذا كانوا ينادونك، باسم أكثر مطربات الشرق الأوسط شهرة بجمالها وحبها للحياة، لديكما نفس الاسم تقريبًا لكنك لم 

تكوني يومًا شغوفة بالحياة مثلها.
لم تكوني كجدات الحكايات التي كنا نشاهدها في التلفزيون أو نسمع عنها، تجلس على طرف السرير وتقرأ قصصها من كتاب ملون، كنت تستلقين جانبي وتحكي لي قصصك وقصص العائلة من أبناء الخالات والعمّات وصولاً إلى قصص الزواج والطلاق والحفلات والمشكلات، هي حكاياتك التي شاركتني إياها وكأننا نتشارك الأسرار، عن جدي الذي تزوجك وأنت في الثالثة عشر من عمرك تحت ضغط من العائلة، كنت طفلة تريدين متابعة الدراسة لكن عمك أعادك وأنت في الطريق إلى المدرسة، كنت يومها في الثامنة حين قال لك “ليس لدينا بنات

اقرأ أيضاً

نجيب سرور  وصل مبكرًا للمنطقة الخطر

نجيب سرور  وصل مبكرًا للمنطقة الخطر

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

رسالة من المغنية إلى زعيمة النسوية

رسالة من المغنية إلى زعيمة النسوية