ماذا يحدث حين يصبح الشاعر خطرًا على الدولة؟ وماذا يخفي نص نجيب سرور غير المنشور عن ليلة اختطافه؟ وهل كانت الرواية غير المنشورة سيرة ذاتية أم صرخة أخيرة ضد القمع؟
ما زال نجيب سرور يثير الانتباه. قصته ناقصة يكملها كل جيل على طريقته. ربما لو ظل حيًّا حتى اليوم لأصبح "الرمز الكلاسيكي" لملايين الغاضبين قبل حتى أن يطلعوا مجرد اطلاع على أعماله الأدبية. كلاسيكية من نوع يحول الانفلات إلى رد فعل طبيعي، كما يحدث يوميًّا على منصات السوشيال ميديا التي كان لها أن تصبح مكانًا أليفًا له. النقصان الذي أقصده هو سر استمرار نجيب سرور. أديب تجاوز الحدود التي عمل تحتها الجميع. هذا التجاوز ظل في عصر سيادة الثقافة المطبوعة والمسموعة مغامرة يتطلع عليها الغاضبون في لحظاتهم الأولى،
وكما لم يهتم سرور بالجماليات المتوازنة بل بالأثر فإنهم يبحثون عن طاقة دفعت أديبًا في ظل عصر الانسجام الجماعي المفروض بقوة السلطة، أن يصرخ تلك الصرخة التي أعطت للشتيمة سياقًا وشكلاً أدبيًا. رقص نجيب سرور عندما كان طالبًا بكلية الحقوق، احتفالاً بقبوله في جدول الممثلين عندما أعلنته نقابة السينمائيين في دار القضاء العالي (١٩٥٩). خبر نُشر في الصحف مع صورة له وما يزال محتفظًا بشارب أفندية الطبقة الوسطى (أحمد مظهر وصلاح ذو الفقار نموذجًا) في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. وحلم التمثيل والاعتراف
المؤسسي به كان على حد علمي آخر محاولاته الجادة في فتح طرق مسدودة، واعتراف لم يحصل عليه في حياته قدر حصوله عليه بعد الموت. كان نجيب سرور التعبير العاري عن "الانسداد التاريخي" الذي كانت الستينيات بدايته، وما حدث له كان المستقبل الذي خاض أدباء المرحلة مغامراتهم هروبًا منه أو تحايلاً عليه. لم يكن "جنونه" مجرد "مرض يخصه وحده" بل استجابة شخصية لحزمة القهر والقمع والطرق المسدودة بحواجز السلطة، دون مظلة سياسية أو فكرية أو مجتمعية تحميه. أقرب لدونكيشوتية لكاتب قادم من خارج العاصمة يريد
مكانًا تحت الأضواء.. واجه نجيب سرور حزمة السلطة الفعلية بمستوياتها الظاهرة وغير المرئية مفردًا، بلا تنظيم سياسي، ولا شلة داعمة ولا هندسة أدبية صارمة. كتابته كانت بلا قوالب ولا حبكة. سيل من الغضب أقرب إلى الهذيان أحيانًا. محوره القهر الذي يجسد فيه بنية قديمة تقهر الجميع في قهر شخص وحد. يتوحد الأديب عند نجيب سرور مع كل المقهورين ليبقى هو راية الضحايا أحيانًا والتجسيد الحي لوطن المقهورين دائمًا. لم يكن نجيب سرور كاتبًا "غير محظوظ"، ولا موهبة أسيء فهمها فقط، بل كان كاتبًا اختار موقعًا لا يسمح بالنجاة.
نجيب سرور ممثلاً في مسرحية "صلاح الدين" بعدما رقص احتفالا بقبوله في جدول الممثلين
ولهذا، فقراءة أدبه اليوم لا تكون بوصفه صفحة من تاريخ الأدب، بل باعتباره اختبارًا مستمرًا لعلاقتنا بالكتابة، وبالسلطة، وبفكرة "الحدود" نفسها.
1
في روسيا (١٩٥٨) قرر نجيب سرور خوض المغامرة حيث أراد أن يصبح بطلاً، شتم نظام عبد الناصر علانية فحُرم من منحة (الإخراج المسرحي)، لكنه رفض العودة فسحبت منه الجنسية وعاش ببطاقة روسية مخصصة للمعارضين السياسيين وهو الذي لم يمارس السياسة من قبل… أصبح زعيمًا؛ لمجموعة اسمها الطلبة الديمقراطيين،
حتى شعر بالورطة وأصيب بالخوف، وبأنه مطارد من عناصر صهيونية، فغادر موسكو إلى بودابست وعمل في القسم العربي بالإذاعة… هناك أيضًا شعر بمطاردة العناصر نفسها؛ أحس بالرعب، وأكلته الغربة وقرر تسليم نفسه للسفارة المصرية لتعيده إلى القاهرة (تحكى أساطير عن تلك الرحلة بداية من أنه قابل عبد القادر حاتم وزير الإعلام وطلب وساطته إلى أن عاد في طائرة عسكرية، وأنه قبَّل أرض المطار في اللحظة التي هبط فيها من على سلم الطائرة) ربما كان رومانسيًّا، ومتحمسًا بدرجة زائدة، وفوضويًّا… لكنه لم يكن مسيسًا بل عاطفيًّا إلى درجة التهور.