ماذا يحدث حين يصبح الشاعر خطرًا على الدولة؟ وماذا يخفي نص نجيب سرور غير المنشور عن ليلة اختطافه؟ وهل كانت الرواية غير المنشورة سيرة ذاتية أم صرخة أخيرة ضد القمع؟
ما زال نجيب سرور يثير الانتباه. قصته ناقصة يكملها كل جيل على طريقته. ربما لو ظل حيًّا حتى اليوم لأصبح "الرمز الكلاسيكي" لملايين الغاضبين قبل حتى أن يطلعوا مجرد اطلاع على أعماله الأدبية. كلاسيكية من نوع يحول الانفلات إلى رد فعل طبيعي، كما يحدث يوميًّا على منصات السوشيال ميديا التي كان لها أن تصبح مكانًا أليفًا له. النقصان الذي أقصده هو سر استمرار نجيب سرور. أديب تجاوز الحدود التي عمل تحتها الجميع. هذا التجاوز ظل في عصر سيادة الثقافة المطبوعة والمسموعة مغامرة يتطلع عليها الغاضبون في لحظاتهم الأولى،
وكما لم يهتم سرور بالجماليات المتوازنة بل بالأثر فإنهم يبحثون عن طاقة دفعت أديبًا في ظل عصر الانسجام الجماعي المفروض بقوة السلطة، أن يصرخ تلك الصرخة التي أعطت للشتيمة سياقًا وشكلاً أدبيًا. رقص نجيب سرور عندما كان طالبًا بكلية الحقوق، احتفالاً بقبوله في جدول الممثلين عندما أعلنته نقابة السينمائيين في دار القضاء العالي (١٩٥٩). خبر نُشر في الصحف مع صورة له وما يزال محتفظًا بشارب أفندية الطبقة الوسطى (أحمد مظهر وصلاح ذو الفقار نموذجًا) في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. وحلم التمثيل والاعتراف
المؤسسي به كان على حد علمي آخر محاولاته الجادة في فتح طرق مسدودة، واعتراف لم يحصل عليه في حياته قدر حصوله عليه بعد الموت. كان نجيب سرور التعبير العاري عن "الانسداد التاريخي" الذي كانت الستينيات بدايته، وما حدث له كان المستقبل الذي خاض أدباء المرحلة مغامراتهم هروبًا منه أو تحايلاً عليه. لم يكن "جنونه" مجرد "مرض يخصه وحده" بل استجابة شخصية لحزمة القهر والقمع والطرق المسدودة بحواجز السلطة، دون مظلة سياسية أو فكرية أو مجتمعية تحميه. أقرب لدونكيشوتية لكاتب قادم من خارج العاصمة يريد
مكانًا تحت الأضواء.. واجه نجيب سرور حزمة السلطة الفعلية بمستوياتها الظاهرة وغير المرئية مفردًا، بلا تنظيم سياسي، ولا شلة داعمة ولا هندسة أدبية صارمة. كتابته كانت بلا قوالب ولا حبكة. سيل من الغضب أقرب إلى الهذيان أحيانًا. محوره القهر الذي يجسد فيه بنية قديمة تقهر الجميع في قهر شخص وحد. يتوحد الأديب عند نجيب سرور مع كل المقهورين ليبقى هو راية الضحايا أحيانًا والتجسيد الحي لوطن المقهورين دائمًا. لم يكن نجيب سرور كاتبًا "غير محظوظ"، ولا موهبة أسيء فهمها فقط، بل كان كاتبًا اختار موقعًا لا يسمح بالنجاة.
نجيب سرور ممثلاً في مسرحية "صلاح الدين" بعدما رقص احتفالا بقبوله في جدول الممثلين
ولهذا، فقراءة أدبه اليوم لا تكون بوصفه صفحة من تاريخ الأدب، بل باعتباره اختبارًا مستمرًا لعلاقتنا بالكتابة، وبالسلطة، وبفكرة "الحدود" نفسها.
1
في روسيا (١٩٥٨) قرر نجيب سرور خوض المغامرة حيث أراد أن يصبح بطلاً، شتم نظام عبد الناصر علانية فحُرم من منحة (الإخراج المسرحي)، لكنه رفض العودة فسحبت منه الجنسية وعاش ببطاقة روسية مخصصة للمعارضين السياسيين وهو الذي لم يمارس السياسة من قبل… أصبح زعيمًا؛ لمجموعة اسمها الطلبة الديمقراطيين،
حتى شعر بالورطة وأصيب بالخوف، وبأنه مطارد من عناصر صهيونية، فغادر موسكو إلى بودابست وعمل في القسم العربي بالإذاعة… هناك أيضًا شعر بمطاردة العناصر نفسها؛ أحس بالرعب، وأكلته الغربة وقرر تسليم نفسه للسفارة المصرية لتعيده إلى القاهرة (تحكى أساطير عن تلك الرحلة بداية من أنه قابل عبد القادر حاتم وزير الإعلام وطلب وساطته إلى أن عاد في طائرة عسكرية، وأنه قبَّل أرض المطار في اللحظة التي هبط فيها من على سلم الطائرة) ربما كان رومانسيًّا، ومتحمسًا بدرجة زائدة، وفوضويًّا… لكنه لم يكن مسيسًا بل عاطفيًّا إلى درجة التهور.
المهم أنه عندما عاد إلى القاهرة بدأت رحلته مع النجومية في التأليف والإخراج المسرحي بل والتمثيل أيضًا. أصبح ملء السمع والبصر، لكن فوبيا المؤامرة لم تتركه. كان يعيش مأساة عائلية. ساشا والولدين شهدي وفريد ممنوعون من الخروج من الاتحاد السوڤيتي… وهو ممنوع من الدخول إليهم وهو هنا لم يتحمل الوحدة فدخل في تجربة أخرى -زواج من زميلته في المسرح والأكاديمية-التجربة حطمته، فقد كان كتلة لهب متحركة، وكانت هي تصعد بطريقتها، خانته مع زملاء المهنة (مخرجون وممثلون) ومع وزراء مهمين ونجوم في الأدب والفن والصحافة.
قادته التجربة إلى حافة الجنون فقرر كتابتها شعرًا... وقرر المهمون مطاردته… اختطفوه من الشارع واقتادوه إلى مستشفى المجانين بالعباسية. قادته التجربة إلى حافة الجنون فقرر كتابتها شعرًا... وقرر المهمون مطاردته… اختطفوه من الشارع واقتادوه إلى مستشفى المجانين بالعباسية. بالمصادفة عرفه طبيب يعمل بالمستشفى بعد ستة أشهر… عثر عليه يرتدي ملابس مهلهلة وبلا ملابس داخلية، وطلب منه سيجارة… تعرف عليه وأرشد الأصدقاء الذين أصابهم اليأس من معرفة طريقه. خرج نجيب سرور أكثر سخطًا... وقرأ "أمياته" في
كل مكان، فأصبحت بين يوم وليلة أشهر قصائد هجاء ١٩٦٧ حتى وصلت إلى الرئيس عبد الناصر، وبعد ذلك أصبحت أشهر أعماله.
2
يظل نجيب سرور أشهر حكاية في تاريخ علاقة السلطة بالأدب. بل أكثر الأدباء الذين تصلح حياتهم مشروعات أفلام وروايات ومسرحيات يتحولون فيها إلى أبطال، ربما أكثر ثراءً من أبطال كتبوا عنهم. هذه الإثارة لم تتوقف برحيله في غيبوبة سكر على سرير في المستشفى العام بدمنهور (أكتوبر ١٩٨٧) في أثناء زيارة عائلية لشقيقه. وقتها لم يكن اقترب حتى من الخمسين (٤٦ عامًا)..
شهدي (على يسار الصورة) مع نجيب وساشا وشقيقة الأصغر فريد
وكان وحيدًا كالعادة وتطارده هستيريا عنوانها "هموت موتة مش طبيعية". كان نجيب ينتظر مؤامرة كونية (الموساد والمباحث والأجهزة الحساسة في السلطة) تخطط للتخلص منه، لكنه مات مثل الشخصيات العادية، وهذه مفارقة لم يكن يتوقعها وهو من خاض مغامرات تقترب من الجنون الذي دفع ثمنه كل من اقترب من شخصيته النارية التي تستمتع بتدمير ذاتها.. كأنه يقدم نفسه قربانًا في سبيل قيم عليا وأحلام كبرى. آخر هؤلاء كان: شهدي.
شهدي هو الابن الأكبر لنجيب سرور من زوجته الروسية ساشا كورساكوفا، قابلته حين حكمت عليه محكمة
ابتدائية في القاهرة عام ٢٠٠٢، بالحبس لمدة عام وتغريمه ٢٠٠ جنيه في القضية رقم ١٤٢١ بتهمة "نشر مواد مخلة بالآداب على الشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت)". هذه المواد هي ديوان كامل لنجيب سرور مشهور تحت اسم الـ "... أميات" ويتضمن قصائد هجاء سياسي تصل إلى حد استخدام ألفاظ وشتائم لوصف شخصيات معروفة في مجالات الفن والصحافة والأدب، وأوصاف للسلطة والنظام السياسي تتهمه بالعمالة لإسرائيل والتفريط في حقوق مصر وبيعها في سوق النخاسة. يستخدم سرور لغة تصل في جرأتها أحيانًا إلى حد البذاءة...
ولا تعترف بالرقابة السياسية والأخلاقية التي يتعامل بها الكتاب ليصفوا ما يريدون وفق قانون اجتماعي يلف ويدور على الأوصاف ليقولوا الحقيقة بصيغ مهذبة.
في الـ"... أميات" نسي التهذيب وربط بين مأساته الشخصية وبين نظرته إلى الأحوال العامة في البلد ليرى أن الجامع المشترك لما يحدث حوله هو الدعارة. دعارة سياسية باعت البلد. ودعارة في الوسط الفني (زوجته المقصودة ممثلة غير والدة شهدي) تصعد بمومسات إلى مصاف النجوم، هذا هو محور القصائد التي كان نجيب يقولها في الجلسات وعلى المقاهي بين عامي ١٩٦٨ و١٩٧٢
ثم جمعها مريدوه ومحبو هذا النوع من النقد الفاضح.. في شرائط كاسيت ومخطوطة ظلت سرية حتى نشرت على شبكة الإنترنت في سياق أسماها: شعر الصدمة.
تهمة شهدي كانت نشر القصائد غير المهذبة. وهي تهمة غير صحيحة أنكرها هو نفسه، كما لا يمكن إثباتها على الإطلاق، فملكية المواقع على الإنترنت كانت حتى هذا الوقت غير مسجلة بشكل شخصي كما لا تخضع للقوانين المحلية سواء في أمريكا أو مصر. وهذا ببساطة ما جعل الإنترنت ينتشر باعتباره فضاءً مفتوحًا لحرية تبادل المعلومات والأفكار بداية من مناهضة
العولمة والفساد السياسي وديكتاتورية الحكام التقليديين مرورًا بفضائح النازيين الجدد في إسرائيل وحتى صور وأفلام البورنو ومواقع الدعارة عبر أصوات وصور متحركة على شاشة الكمبيوتر.
هذه إذن ثقافة وأخلاق فتحت أبواب عصر جديد. كان من الطبيعي أن يجد نجيب سرور مكانًا له في مفتتح هذا العصر كما كان من الطبيعي أيضًا أن تكون "محاكمته" هي أولى خطوات إعادة الجميع إلى وضع "التهذيب". وهذا يفسر لماذا تخاف السلطة من قصائد انتشرت في زمن آخر وهاجمت سلطة أخرى. ولماذا ترى أن الوسائل
القديمة لمطاردة حرية التعبير تصلح لمطاردة الحرية المفتوحة في زمن مختلف. الميزة الوحيدة لما فعلته مباحث الآداب التي تكفلت بملف نجيب سرور؛ أنها أعادت النص المنبوذ إلى دائرة الاهتمام، بل وأعادت صاحبه إلى الضوء الذي بدا أنه انسحب عنه قليلاً.
3
لعنة نجيب ظلت تطارد شهدي منذ كان طفلاً يحمل اسم عائلة أمه الروسية (ألكسندر نجيبوفيتش كورساكوفا) وعندما قررت الزوجة المحبة المخلصة أن تسافر وراء زوجها بدأ الشاب رحلة لمدة عامين لكي يصبح: شهدي محمد
نجيب محمد هجرس (سرور)... وهو الذي عرف القاهرة للمرة الأولى في حالة من محالات جنون أبيه، إذ كان يحمله على كتفه ويلف شوارع القاهرة يصرخ ويطلب من الناس أن يساعدوه.
أحب شهدي قصائد الـ".. أميات"؛ لأنها تتضمن وصية أبيه له. وواجه عقوبة الحبس، ومعه واجهنا المتاهة التي تجعل كل حكاية ناقصة.
وعي السلطة في تثبيت الرقابة داخل العقول قبل أن تكون في مؤسسات تلغيها أحيانًا وتشرسها أحيانًا أخرى. وفي هذه المتاهة أثر للممنوع وسحر لا يمكن مقاومته يجعل من القراءة أقرب إلى تجميع الشظايا.
4
في اللقاء مع شهدي فاجأني بنص رواية لم تنشر، عثرت عليها ساشا في أوراق نجيب بعد موته... وقرأناه بعدما اتفقنا مع شهدي وقتها أن ننشر الرواية التي تحكي قصة الخطف والاعتقال في العباسية، وربما كان ذلك الرد الأقوى على كل ما حدث. يمكن اعتبار هذه الرواية اكتشافًا مثيرًا لأكثر من سبب؛ الأول أنه لم يكن معروفًا أن نجيب سرور كتب الرواية قط. واقتصر المعروف عنه على المسرحيات (الشعرية والنثرية) والمجموعات الشعرية والمقالات النقدية والقطع الهزلية الساخرة. والثاني أن الرواية تحكي
بالتفاصيل عن تجربة اختطاف شاعر بالقوة واعتقاله في مستشفى الأمراض المستوطنة، وهي أقرب إلى حكاية نجيب سرور الحقيقية عندما اختطف من الشارع واعتقل في مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية ستة أشهر كاملة اختفى فيها وراء الشمس لا يعرف أحد عنه شيئًا.
كان هذا في عام ١٩٦٨؛ عز أزمته الشخصية مع زوجته الممثلة التي حكى لكل الناس أنه ضبطها تخونه مع "طوب الأرض" بداية من وزير مهم وقتها وحتى روائي شهير كتب عنه نجيب سرور كتابًا نقديًّا كاملاً.. كانت علاقة مدمرة يمكن أن نرى تأثيرها في نصوص
الـ ".. أميات" فالزوجة حاضرة بشكل مكثف، بل إنه في الهوامش يذكر "يجب أن يُذكر في حياتي أو بعد موتي خاصة بعد تشنيع الجرائد والمجلات، أنه قد تزوج صاحب الـ... أميات من ممثلة وفيه فرق بين ممثلة ومومسلة- بعد أن مُنعت زوجته الروسية وابنه من دخول مصر ثم اتضح أن الممثلة ابنة شقيق
رئيس القلم المخصوص (أيام الملكية) ومدير عام الجوازات والجنسية فيما بعد... ولا تنسى دورها السري كدسيسة للمخابرات بعلم عمها رئيس المخابرات وقلم مكافحة الشيوعية". الرواية إذن وثيقة إضافية عن حياة نجيب سرور، لكنها أقل اضطرابًا من الـ".. الأميات"
المشحونة بالهجاء الصريح والبذاءة المباشرة. ومع ذلك ستكشف قراءتها عن هواجس كانت تطارده بداية من المباحث، وحتى الموساد، إذ كان يتخيل أن كل من حوله إما مخبرون يتلصصون عليه أو عناصر سرية "يهودية" تشترك في المؤامرة على حياته. وهي هواجس رافقته طويلاً منذ رحلته إلى موسكو في الخمسينيات ثم بودابست في أوائل الستينيات واستمرت حتى غيبوبة السكر الأخيرة التي أنهت حياته. السبب الثالث أن الرواية مكتوبة بأسلوب أقرب للسيرة الذاتية.. بطلها اسمه نبيل منصور وهو اسم قريب من إيقاع اسم نجيب سرور، بل إنه يحمل دلالة روائية
تجعله أقرب للصورة التي يتخيلها عن نفسه: فارس نبيل يحلم بالانتصار على مؤامرة كونية مدبرة ضده. وهذا ربما سر عنونة الرواية بالعنوان النرجسي "فارس آخر زمن" وهو عنوان المجموعة الشعرية التي كتبها قبل رحيله في ١٩٧٨. هل يعنى هذا أن الرواية مكتوبة في الزمن نفسه تقريبًا؟
لا أحد يعرف، خصوصًا أنها لم تكتمل كما يبدو من النهاية المفاجئة، وليست هناك إشارة إلى تاريخ الكتابة في نص يشغل ٤٣ صفحة فلوسكاب مُسطرة.
تبدأ الرواية بمشهد عملية الاختطاف: "عند مدخل شبرا أحاطت به أربع سيارات سوداء.. كان في التاكسي.. وكان
في طريقه إلى الإسكندرية.. اقتحم ثلاثة رجال طوال القامة التاكسي، جلس أحدهم بجوار السائق وجلس أثنان من الخلف، أحدهما على يمينه والآخر على يساره ودون كلمة تحرك التاكسي. وكان السائق يعرف الطريق -بحكم العادة- وبعد دقائق وجد نفسه في أحد أقسام البوليس، جذبته الأيدي الثقيلة إلى خارج التاكسي، ثم عادت فدفعته إلى مدخل القسم، ثم إلى سلم، ارتقى السلم ومشى في طرقة صغيرة ودخل.. فوجد نفسه أمام مكتبين يجلس على كل منهما أحد الضباط الشبان.. أجلسوه على أريكة بين الضابطين وأغلقوا الحاجز الخشبي الذي يفصل بين
المكتبين ومدخل الغرفة الضيقة.. فجأة رن جرس التليفون.. رفع الضابط الذي على يمينه السماعة.. (أيوه يا فندم..
أيوه.. مفهوم) والتفت إليه، ثم وضع السماعة.. فهم هو أن المكالمة خاصة به.. هكذا بسرعة؟! أنهم لا يضيعون الوقت حين تدعو الضرورة إلى الاستعجال.. ويبدو إنهم في عجلة من أمرهم هذه المرة.. كان يعرف مصيره جيدًا.. ولذلك قرر بينه وبين نفسه ألا يترك العالم دون فضيحة.. لم تمض دقائق حتى امتلأت الغرفة الضيقة بعشرات من النسوة والرجال والصبيان من كل المهن.. من أين جاءوا بهذه الكثرة؟! وفي هذه المدة القصيرة؟!".
إنها البارانويا (الإحساس بالاضطهاد).. البطل (والمؤلف طبعًا) يشعر أنه ضحية مؤامرة كبيرة.. شبكة تلتف من حوله
وتطارده.. تحكم حلقاتها عليه في سيناريو جاهز للتنفيذ.. ها هو خياله يلح عليه بالهواجس والتخيلات المخيفة "أصبحت الغرفة والطرقة وسلم القسم أشبه بخلية نحل.. وكانت الضوضاء أشبه بضوضاء السوق.. توجس شرًا.. فمن الجائز أن كل هذا مدبر للتغطية على صراخه فيما لو بدأوا جولة التعذيب الأولى.. أن البخت الأسود سيخلف ميعاده هذه المرة ولهذا جاء كل هؤلاء الناس من كل الأصناف والأعمار.. ليكونوا شهود الإثبات على
على جريمة توشك أن تتم!". لم نعرف حتى الآن ما تهمة الشاعر نبيل منصور، لكننا نفهم من السياق أنه معتقل سياسي، وخطر على السلطة التي يتصور أنها ستتخلص منه بطريقتها المحفوظة ".. نهض الضابط على يمينه وجذبه بشدة فأوقفه ثم جذبه مرة أخرى ودفعه أمامه بقسوة إلى خارج الحاجز الخشبي.. فتلقفه العسكري من ياقة قميصه وضيق على رقبته الخناق وسحبه إلى الطرقة الخارجية.. كانت الطرقة تنتهي إلى بلكونة صغيرة تطل على ساحة خارج القسم رآها من التاكسي مزدحمة بالمارة والباعة والسيارات.. ولاحظ محل أحذية صغيرًا
متواضعًا على يمين الداخل إلى القسم.. ودون تفكير ترك قميصه في يد العسكري ووقف في البلكونة يصرخ.. كان صوته جهوريًّا:
- نبيل منصور الشاعر يتشنق ليه؟!
نبيل منصور.. راح يكرر هذه العبارة كالاسطوانة وبأعلى ما وهبته الطبيعة من صوت.. وقف المارة أمام القسم وازدحمت الساحة كما لو كانت مظاهرة.. كان يقف في البلكونة بحيث يمكنه أن يرى ما وراءه داخل القسم وما أمامه في الساحة.. وقف الضابطان والعساكر والناس في الطرقة ينظرون إليه ولا يتحركون.. فهن أنهم يخشون الاقتراب منه فربما قذف بنفسه من
البلكونة إلى الساحة.. وهو ما زال يكرر نفس العبارة.. فتحت نافذة فوق رأسه وناداه صوت:
- تعال يا نبيل.. اطلع أنا عايزك.
قال أحد العساكر:
- سيادة المأمور عايزك.
صرخ نبيل:
- عايزني في إيه المأمور؟ علشان يبقى الشنق دكاكيني؟ لا.. خلوها كده على البهلي.. على عينك يا شايف.. نبيل منصور الشاعر يتشنق ليه؟!"
وتتعدد السيناريوهات التي توقع أن يموت بها في فاجعة.. وهي سيناريوهات تكشف عن إحساس متضخم بالأهمية.. وبأنه يحب الحياة.. كما تفضح إحساسًا
قويًّا باضطهاد بدا لبطل الرواية (ولنجيب سرور أيضًا..) اضطهادًا قدريًّا. في غرفة الحجز لا يتخلص نبيل منصور من هواجسه، ويرسم بالتفصيل ما يحدث غالبًا مع المعتقل السياسي، يشعر أنه مراقب في كل مكان وليس داخل قسم الشرطة فقط.. يشعر أيضًا أن كل الناس مجرد مخبرين "أنهم مجرد ممثلين.. ولكنهم لا يجيدون التمثيل، لذلك لم يكن ينخدع فيهم.. متسولين كانوا أو ماسحي أحذية أو جرحى أو مرضى أو تجار مخدرات أو خضراوات، فهم هنا للتعرف عليه لا للتعارف به، وكثيرًا ما التقى ببعض جرسونات في المقاهي والبنسيونات والخمارات
وبائعي السميط وموزعي كبريت وباغة وحجر الولاعة (رونسون) وأمواس حلاقة وجوارب وغير ذلك.. هم إذن يمارسون مهنًا أخرى تمامًا أبعد ما تكون عن مهنهم الظاهرة.. واللي يعيش ياما يشوف.. واللي يخش أقسام البوليس يشوف أكثر". هكذا سأله زملاء الحجز عن تهمته فأجاب بسرعة: تجارة المخدرات!
في لحظات الحبس يستعيد الشاعر المخطوف تفاصيل عن علاقته بأبيه الذي كان هاربًا من القرية بعد أن دس له أحدهم تحت عقب الباب رسالة صغيرة يخبره فيها أن الباشا قرر قتله كما قتل آخرين من قبل (يتحدث هنا
عن أيام الإقطاع في قريته قبل الثورة). لكن المهم في هذا الجانب العائلي من الرواية الاعتراف الذي تسرب بالتدريج عن علاقة البطل (وربما المؤلف) بالأب.. بدأ المشهد بلحظة الوداع قبل سفر نبيل منصور إلى موسكو.. والأب يحكي للمرة المئة حكايته مع الفنان الكبير الذي رفض إخراج مسرحيته لأنه مؤلف مغمور مع النصيحة المعتادة "لو كنت استمريت أكتب شعر ومسرحيات لحد دلوقتي كانت أمك زمانها خدامة في بيت الباشا وكنت أنت زمانك لسه بتنقي دودة القطن ولا من عمال التراحيل..".
في الرواية نعرف "كان الأب قد ترك
التدريس الإلزامى والتحق بمدرسة الصيارفة ثم أصبح يملك ثلاثة عشر فدانًا.. ظل هذا جرحًا غائرًا في قلب الابن يستحي أن يواجه به نفسه أو يواجه به أباه.. كيف تأتى لك يا أبتي أن تملك تلك الفدادين؟!
إنه لا يستطيع أن يتخيل أن أباه أيضًا كان يبتز الفلاحين.. فأبوه بالنسبة إليه معبود يعلو على المآخذ الأخلاقية ولا يمكن أن يكون هو والباشا شيئًا واحدًا! ويظل على شكه بين يمكن ولا يمكن حتى عاد ذات مرة إلى قريته وجلس مع الفلاحين ليشرح لهم كيف يستردون أرضهم من اللصوص.. ويومها "ضحك أحد الفلاحين وصفعه بالواقع المر:
- يا ريتك يا نبيل أفندي تقول الكلام ده لأبوك!
- كلام إيه؟
- يعني تقول له يرجع الأرض لأصحابها.. يمكن يتنازل عن التلاتاشر فدان!
وانفجر الجميع بالضحك. أبي؟ نبيل أفندي؟". بدأ نبيل منصور يشعر بالاضطراب ويكشف عن التناقض العنيف الذي تربى عليه، ها هو يحدث نفسه "هل المشكلة الآن في تلك الفدادين الثلاثة عشر التي يملكها أبي أن الستة آلاف فدان التي يملكها الباشا؟! ترى هل سيغير من واقعكم في شيء أن يتنازل أبي -دون خلق الله- عن أرض اكتسبها بعرق جبينه؟!".
ثم تنتابه صراحة عنيفة ويرد على نفسه "انظر ها أنت بدأت تدافع عن أبيك.. ما زلت ملوثًا من الداخل.. أنت ترى فرقًا لا يرونه بين أبيك والباشا.. ما الفرق بين اللص الصغير واللص الكبير؟! انظر كيف انهارت ثقافتك أمام صفعة من فلاح طالما تصوروه جاهلاً متبلدًا جلفًا عديم الإحساس؟! ثم انظر كيف تراجع تصورك للعدالة أمام محبتك غير المحدودة لأبيك؟! كل يغني على ليلاه.. كل يفكر بطريقته وهؤلاء يفكرون بغريزة البقاء.. غريزة الحياة.. غريزة الصراع.. ولهم خبرة طويلة بالكلمات الحلوة، وبالأفندية المتعلمين من أمثالك.. طظ في الكتب.. طظ في كلية
الحقوق.. أنت ملوث.. أنت أقذر من أن تحمل الراية في موكب هذه الجموع الحسيرة!!". يبدو أن المؤلف هنا يشعر بلذة جلد الذات كأنه يريد أن يطهر نفسه بهذه الشتيمة الذاتية ليخرج من طابور العملاء الخونة، واللصوص.
إنها طريقة مسجلة باسمه يقابلها شعوره بالخوف والفوبيا.. كما يتضح من فقرات كثيرة في الرواية يتخيل فيها أن زملاء غرفة الحجز يتكلمون لغة عربية غريبة.. في نهايتها لكنة يرجح أنها عبرية. العملاء السريون للموساد والصهيونية ينتشرون في كل مكان وزمان ويطاردونه.. ويخططون لقتله في السر.. يخاف من الأكل والشرب في
القسم؛ لأنه يتوقع دس السم، وينظر حوله ليكتشف أن الجميع متورطون في المؤامرة التي تدبر ضده. تروي الفقرات التالية تفاصيل المؤامرة من وجهة نظره، وهي تفاصيل ما حدث لنجيب سرور في الواقع مع استبدال مستشفى إمبابة للأمراض المتوطنة بمستشفى الأمراض النفسية في العباسية، لتبقى المشاهد التالية وثيقة لما حدث له في ١٩٦٨.. "الموسى! ولذلك ظن أن الرجل يسهل له مهمة الانتحار قبل أن يأخذوه إلى حيث لا يعرف الذباب الأزرق له أثرًا.. ولكنه فهم فيما بعد أن الرجل كان يناوله الموسى لكي يحلق لحيته! كيف له أن يتوقع خيرًا من هذه الفيران التي
تتحدث بصوت عبري... التي تثير رعبه!
- متشكر.
- خد احلق دقنك! الموس حامي!
- حامي بارد ما تفرقش
- طب خد احلق!
- قلت لك مش عايز أحلق
- يا راجل خد!
ملعون هو الإلحاح.. وملعونة هي الرتابة. في لحظات كهذه ولسبب تافه كهذا، ينجح فأر في أن يجعلنا نود لو أن السماء انطبقت على الأرض.. لو أن الصواعق أمطرت البشرية.. لو أن البحر غمر القارات.. لو أن النجوم تهاوت..
لو أن الإنسانية انقرضت.. لو أن الأرض أخرجت أثقالها.. لو أن الفأر كف عن
الإلحاح:- خد احلق!
- واحد شايل دقنه وأنت تعبان ليه؟
كم قتلت هذه الفيران من أمثالك.. بخناقات مفتعلة ومدبرة.. في غرف الحبس أو الزنزانات؟! كم شاركت في تعذيب أمثالك بأقصى مما يفعل الزبانية المختفون وراء المكاتب والمناصب، كم تخلى الزبانية الكبار عن مهامهم الدموية لأمثال هؤلاء من الزبانية الصغار مطمئنين إلى أن الأخيرين أقدر على فنون تعذيب الزبائن أو النزلاء أو الضيوف.. وخصوصًا "الأفندية" المشتغلين بالسياسة! كم من الأبرياء كانت تهون عليهم فنون التعذيب إلا أن يمارسها معهم هؤلاء
الفيران ممن يحسبون على الفئات الشعبية الكادحة.. وهؤلاء كم عذبوا من أبناء الفئات الشعبية الكادحة؟! تلك هي الخدعة.. الفخ.. الواقع المعكوس! وأنت تفهم هذه اللعبة.. ولذلك لا يخدعك مظهرهم ولا أحاديثهم المدروسة ولا أقنعتهم الشعبية المرسومة بدقة والمكشوفة في وقت واحد! غرفة القسم مجرد مسرح.. مسرح صغير.. تمامًا كمسرح الجيب.. وأنت خبير في التجريبية وخبير في التأليف والإخراج والتمثيل والديكور والملابس والمكياج والإكسسوار والمؤثرات الصوتية.. والموسيقى التصويرية: - افتحوا الباب ياولاد الـ..
فتح الباب الغليظ فجأة.. ثم صوت خشن زاعق:
- نبيل منصور!
- أيوه!
- تعال قوم!
قام وخرج وراء العسكري.. لاحظ أنهم لم يستجوبوه.. إذن لم يكلفون أنفسهم حتى أعباء تسجيل اسمه في دفتر الوارد.. يعني مهدر الدم! جذبه ثم بسخونة شديدة.. ثم ببرودة الملاريا.. ورأى نفسه محشوش الوسط يتوكأ على عكازين.. مشي بخياله في شوارع القاهرة.. طاف بأنديتها ومقاهيها.. قابل أصدقاءه من الكتاب والفنانين والأدباء..
انظروا إلَي جيدًا.. هذا ما أنتم مرشحون
له جميعًا.. بالدور.. الصف بعد الآخر.. حين يأتي الوقت! حين تحاصركم فجأة ومن حيث لا تدرون العربات السوداء والرجال الطول القامة الثقال الأيدي.. فحذار.. حذار يا أعزائي أن يأتي الوقت.. أوقفوا الزمن.. أفيقوا.. أفيقوا قبل فوات الأوان! قبل أن تجروا جرا كالذبائح إلى مستشفى الأمراض المستوطنة! إن لم تكن في الفن في الأدب.. في الثقافة في الفكر في الفلسفات جدوى أن تجنبنا هذا المصير.. مستشفى الأمراض المستوطنة.. فلا جدوى لشيء على الإطلاق.. ولا معنى لأي شيء.. إلا أن يكون التكرار الأسطواني اللحوح الممل.. وإلا أن يكون العبث.. واللامعقول..
والجنون والصراخ المذبوح وراء جدران الصمت!
لم يتحرك السائق -العسكري- من مكانه أمام عجلة القيادة.. وهو خلف السائق وحيد في السيارة الجيب.. والشارع العريض المقفل هادىء.. وصامت.. وفارغ أين ذهب العساكر الثلاثة الذين كانوا يجلسون معه؟! ولماذا لا تتحرك السيارة؟ ولماذا لا يتحرك السائق؟ وكم مضى من الوقت؟ هل يتيحون له فرصة الهرب؟ إنهم على كل حال من أبناء هذا الشعب.. ويعلمون بأمر الأمراض المستوطنة.. وبحكم العمل اليومي يعرفون ما هو مبيت لك! ترى لهذا تمتلىء مصر بالمشوهين وذوي
العاهات.. هنا إذن إحدى الورش التي تصنع فيها العاهات! إنهم جميعا من مشوهي الحرب.. أية حرب؟ وكم حرب؟! ومنذ متى؟! إنها حرب ميكروبية صامتة لم تضع أوزارها منذ بناء الهرم وربما قبل ذلك بزمن طويل.. زمن نسيته أو أُنسيته.. فليس من المرغوب فيه أن نتذكر التاريخ.. ولا أن تكون لنا ذاكرة.. كل شيء يعمل على إفقادنا القدرة على التذكر.. وبالتالي على التفكير.. وبالتالي علَي الحذر.. قد يهبط القدر فجأة.. فتجد نفسك هنا.. على عتبة مستشفى الأمراض المستوطنة، كانوا منذ لحظات يتحدثون بغمغمة عبرية في ذيول الكلمات مصرية اللهجة..
والسائق أمام عجلة القيادة لا ينطق! والوقت يمر.. وخطوة واحدة قد تفصل بين مصير ومصير أو قد تحدث معجزة! ماذا لو انتهز الفرصة المتاحة عن عمد أو غير عمد وقفز من السيارة وراح يجري ويصرخ في الشوارع؟! ولكن إلى أين؟ وكيف المفر؟! التفت السائق إليه ثم ترك عجلة القيادة ودار حول السيارة وجاءه من الخلف:- انزل يا أفندي!
هل ضاعت الفرصة؟! هل مل العسكري الانتظار؟ أم أنهم أوقفوا السيارة عمدًا أمام المستشفى ليتأكدوا من أن أحدًا لا يلاحظ شيئًا ومن باب الاستيثاق من أن الجريمة كاملة "وتمام التمام"! أم أنهم تركوه في السيارة تلك المدة
الطويلة مجرد "طعم" للإيقاع بمن يخيل إليهم إنه وراء نبيل أو بمن قد يتعاطف معه من أبناء المنطقة التي اعتادت -فيما يبدو- على هذا المشهد الجنائزي الصامت كل صباح وكل مساء بين القسم والمستشفى؟! أم تعمدوا أن يتركوا له الفرصة ليهرب وهم من ورائه، ليعرفوا إلى أين يلجأ وإلى من؟! ما زال هو الطعم الصغير الذي تصاد به الحيتان! وهبط من السيارة ببطء.. كأنما يحمل على كتفيه جبالاً من اليأس.. أخذه السائق من يده ودخل به إلى المستشفى عاودته قشعريرة الرعب. أجلسه السائق على أريكة بيضاء عند باب آخر داخلي.. نظر حوله..
رأى وجوها يرتسم عليها خليط من القلق، والخوف، والهزال، والتشجيع.. كان منظر السائق بملابسه البوليسية مع الأفندي في المستشفى لافتًا للأنظار! لم تمض دقائق حتى عاد السائق يقول:
- قوم! وأخذه بيده وعاد به مرة أخرى إلى السيارة الجيب ثم دار حولها وجلس في مكانه من عجلة القيادة.. صامتًا.. بلا حراك.. تاركًا إياه في الخلف. ها هو العسكري يتيح لك فرصة الهرب مرة أخرى.. ومرة أخرى.. إلى أين؟ أولاد الحلال كثيرون؟ هذا كلام نظري!
لا بد أن تحدث المعجزة.. والمعجزات في حياتك كثيرة الحدوث حتى تكاد تؤمن بأنك ورثت "البركة" عن أمك التي
تنحدر من سلالة أولياء الله! هل ستلجأ إلى الله بعد تلال الكتب التي قرأتها بحثا عنه دون جدوى؟! رأى جيشًا من النساء والرجال والأطفال يحيط بالسيارة الواقفة أمام المستشفى.. والعين محدقة به.. اكتشف أنه يبكي.. شعر بالخجل! تذكر حديثًا قديمًا بينه وبين أمه، كان يستذكر دروس التوجيهية وجلست
أمامه تأكل رغيفًا بقطعة من الجبن القديمة، وكانت أمه نباتية لا تقوى على مرأى الذبح والدم واللحم، ولذلك كانت تعد لهم صنوف الطعام من باب الواجب ثم تنفرد بالرغيف وقطعة الجبن القديمة: - فيه ربنا يا أمه؟
- فيه طبعًا.. هيه دي فيها شك؟!
- هو فين؟
-في كل مكان!
- يعني إيه!
- ما أعرفش.. إنما أعرف أن فيه ربنا.. وأنه واحد أحد.. ومالوش شريك!
- يا أمه دي كلها تخاريف!
- بكرة يغلبك!
- هوه مين؟!
- ربنا! لم تكن تفك الحرف.. وماتت قبل أن يتحقق أملها في تعلم القراءة والكتابة.. كانت شهور الحمل الأخيرة يوم جاءت بأحد النجارين فصنع لها سبورة واشترت الطباشير وبدأ نبيل يعلمها الألف باء.. كم كانت فرحتها يوم نجحت في أن تعرف الفرق بين
الألف والمئذنة.. ثم.. ثم ماتت في ولادة عسيرة! اندفع بالغريزة فقفز من السيارة ودخل إلى محل صغير بجوار مدخل المستشفى يبيع الزيت والسكر والجاز والأرز.. بدأ يصرخ بأعلى صوته: - نبيل منصور الشاعر.. جايبينه المستشفى ليه؟ علشان يحقنوه؟ راح يكرر الصراخ في سعار محموم!
ولم تنشر حتى الآن...
هنا انتهى الملخص الذي أعلنت به عن وجود الرواية منذ أكثر من ٢٥ سنة، وطالبت بنشرها، احترامًا للحرية، بعيدًا عن تقييمها الأدبي. النقاد قرأوا نجيب سرور دومًا من زاوية "السيرة" و"الجنون" أكثر من النص، فاختُزلت
ربما العنوان لفتة نرجسية يشير بها نجيب سرور إلى نفسه
قيمته الأدبية في قصته الشخصية، وظل مشروعه الشعري والمسرحي غير مكتمل القراءة لليوم. تحليل أدب نجيب سرور لا يبدأ من الشكل وحده، ولا من السيرة وحدها، بل من توتر دائم بين الموهبة والواقع. أدبه مشروع صدامي: مع اللغة، والسلطة، والذات، واحتجاج أخير حين تسقط اللغة المهذبة وتتهالك أقنعة التواطؤ. نصوصه المتأخرة خصوصًا تتحرك على حافة بين الشعر والهذيان، وهي نتاج تفاعل مع شروط القبول والتوافق. أي أنه فشل في صنع هندسة صارمة للكتابة والحياة تمثل خط حمايته الأخير. وكان طموحه أكبر من قدرته على التماهي مع شروط
الوجود تحت الضوء أو في حدود المسافة الآمنة. العالم في تركيبته مصدر دائم للتهديد. والشك تحول من شعور عابر إلى بنية تفكير. والاضطهاد الذي يعاني منه الجميع لم يكن تجربة بل قدرًا يشارك فيه (بالخيانة) حتى المضطهدين. تبقى قراءة نجيب سرور (ومنها روايته غير المنشورة) ضرورية، لا بوصفه شاعرًا اختطف لمستشفى الأمراض العقلية، بل بوصفه كاتبًا وصل مبكرًا إلى منطقة لا زلنا نقترب منها ببطء: منطقة يصبح فيها الخوف شكلاً من أشكال المعرفة، والجنون نتيجة منطقية لرفض التواطؤ مع القمع.