قبل أن تبتلعه الظلال أدرك نجم الأهلي محمد عباس إنه أصبح في خطر عندما عادت القاهرة إلى استقرارها بعد ليلة كاملة من غضب جنود الأمن المركزي، كيف انتهت رحلة الهروب؟
قبل أن تقرأ
يكتب خالد أحمد يوسف عن محمد عباس لاعب الأهلي، الذي لمع فجأة واختفى تدريجيًّا.. ارتفع إلى القمة بضربة قدم أحرز منها هدفًا في المشاركة الأولى له مع الفريق الأول بالنادي الأهلي أمام فريق ساوثهامبتون بطل الكأس الإنجليزي.. كان الفتى الأسمر صاحب الـ ١٨ عامًا مفاجأة هيديكوتي؛ المدرب المجري صانع المعجزات مع الأهلي، ولم يخذله؛ فأحرز هدفًا رائعًا في المرمى الإنجليزي.. مصادفة فتحت له طريقًا مباشرًا إلى قلوب الجماهير التي هتفت باسمه منذ اللقاء الأول، وجعلته مع نجم النجوم محمود الخطيب، ثنائيًّا
مرعبًا لأي خط دفاع في فرق المسابقات الرسمية في ١٩٧٩-١٩٨٠-١٩٨١.. واستمرت عطايا المصادفة حتى ١٩٨٣، حين بدأ الأفول التدريجي لنجم محمد عباس بعدما غادر الأهلى ولعب في فرق أخرى لم يجد فيها "ما تربى عليه"، كما قال واصفًا فترات الارتباك. وذلك قبل أن يختفي نهائيًّا تحت ركام حكايات خرافية عن المخدرات والسجن.. ولم يعاود محمد عباس الظهور إلا منذ سنوات قليلة عندما أخذ يحكي عن حياته بين مصادفة جعلته القناص الذي لا يتوقف عن التهديف، وبين الاختفاء الغامض الذي يكشف لنا تفاصيل كثيرة عما يحدث بعيدًا عن الأضواء.
*.* * * * *
كيف تتأمل الحياة لحظة الخطر؟
كان الانطباع الأول بالنسبة لمحمد عباس عن ذاك الغروب أنه الأجمل منذ سنوات عديدة، مع أنه كان قريبًا من إفراغ ما في بطنه قبل ربع ساعة فقط، بعد أن رفضت معدته استقبال أي طعام على مدار اليومين السابقين.كان الأفق ورديًّا، كما يليق غالبًّا بمنتصف الصيف وليس بأواخر فبراير.سماء صافية لا يعكرها سوى عمود الدخان القادم من أقصى الشرق، تحديدًا من شيراتون المطار؛ الرياح الشديدة جعلته يلتقي مع رواسب عمود الدخان القادمة من الجنوب، من نزلة السمان.عدا ذلك كان المنظر يُدخِل إلى
نفسه سكينة خاصمته على مدار العام الماضي، خصامًا لم تقطعه سوى حفنة "تذاكر الجنة" التي تعرف عليها بشكل متقطع، وجعلت من أمور حياته محتملة نسبيًّا، خصوصًا قبل ستة أشهر فقط عندما خالجته مشاعر متضاربة بين الذنب الشديد، والنشوة لأنه ما يزال مؤثرًا رغم وجوده خارج الصورة تمامًا، لكنها كانت المرة الأولى التي استوعب أنه يمكن أن يتأمل حياته كلها من خلال شاشة التليفزيون، تحديدًا بعدما أصبح خارج الكادر، وإدراك أن وجوده المكثف داخل الكادر قبل خمس سنوات ربما كان العائق الأول لفشله في رؤية الأمور كما هي.
محمد عباس ومحمود الخطيب ثنائي الهجوم المخيف الذي ولد في مباراة ساوثهامبتون. الصورة من أحد جروبات الأهلي على فيسبوك
هل يفتح المكان الآمن أبوابه؟
السكينة المنبعثة من الغروب أكدت له أن وجوده في هذه البقعة من هضبة المقطم كان قرارًا موفقًا، رغم المخاطر العديدة، ورغم الفوضى، فسيبقى مطاردًا أو مطلوبًا. الأمر لا يتعلق فقط بجمال المنظر، بل بأنه لم يكن يرغب في ترك تلك البقعة الاستراتيچية، خاصة بعد الانتشار المكثف للدبابات في نقاط مختلفة، وهو منظر لم يعتده منذ تسع سنوات كاملة، عندما كانت لديه خطط لتمضية اليوم كله في ساحة العباسية..
تذكر وقتها تعليق أحد العابرين من (الصحبة) أن هذا البلد يتعرض لصدمةحقيقية كل تسع سنوات.
لم يكن عباس يرغب في ترك موقعه لأنه كان ينتظر آملاً موعد فتح ملهى "ڤرچينيا" لأبوابه، مع أنه احتمال ضئيل في ظل الأوضاع التي انفجرت خلال الاثنتي عشرة ساعة الأخيرة، لكنه المكان الوحيد الذي يمكنه أن يظل آمنًا، أيًّا كانت الأجواء خارجه، كان يأمل في الاختباء وأخذ قسط من الراحة حتى الصباح التالي. ومع أن شعور السكينة بدأ يتسرب إليه تدريجيًّا، فإن فكرة البقاء ثابتًا في موقعه كانت مصدر قلق له في ظل احتمال إغلاق ڤرچينيا، وبدا هذا جليًّا في محاولة أظافره لا إراديًّا خدش القشرة الرمادية للسيارة الفيات ١٢٦ التي كان يتكئ عليها.