هاني شكر الله: الخروج من المخزن

وعرفنا منه طريق الهروب من قبو التسعينيات

هاني شكر الله: الخروج من المخزن

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

عاش هاني شكر الله ولم يعرف حجم تأثيره في أجيال اختلفوا معه، وعارضوا أفكاره، لكنه كان يفتح الطريق أمام الخروج من الصيغة الضيقة للمثقف والسياسي.

في مطلع الألفية، وقت أن كان يخنقنا الملل والركود المباركي، كنت منخرطًا مع مجموعة من الزملاء في جامعتي القاهرة وعين شمس، وعدد من رفاق أكبر سنًا، في محاولة مبتورة لإحياء أحد المنظمات الشيوعية الرائدة التي كان لها حظ من صياغة وجهة وخطاب ما عرف بالحركة الشيوعية المصرية الثالثة منذ سبعينيات القرن الماضي. كانت الكتابات المؤسسة اللامعة للمنظمة قد تقادمت، ولم تعد تكفي كوثائق مؤسسة لمنظمة تنشط في عالم جديد ومختلف جذريًّا، وكان المتاح من رؤى جماعة الاشتراكيين الثوريين -التي عملنا مع كوادرها معًا في الجامعة- 

غير مقنع لنا في هذه المرحلة لأسباب يطول شرحها. كنا نبحث في كل الاتجاهات تقريبًا عن رؤى جديدة مكتوبة بالعربية يمكن أن تساعدنا على بلورة خط سياسي جديد، في زمن كان من يملك فيه كمبيوتر متصل بالإنترنت يعد صيدًا ثمينًا. وقع أحد الزملاء على دراسة طويلة بعنوان "تحلل الاستبداد الشعبوي في مصر: من البونابرتية إلى الأوليجاركية" (نُشرت هذه الدراسة في العام التالي في كتاب بعنوان "العولمة والتحولات المجتمعية في الوطن العربي" تحرير عبد الباسط عبد المعطي بعنوان آخر فيما أظن).

بلور هاني شكر الله أن التجربة الناصرية في النمو الرأسمالي، التي كانت مرحلة انتقالية، تحللت تمامًا بعد بونابرتية قصيرة تحت زعامة عبد الناصر الشعبوية الجارفة

كانت الدراسة ممهورة بتوقيع هاني شكر الله وتاريخ ١٩٩٩. وكان هذا النص من عينة النصوص التي تقرأها فتصرخ "وجدتها". عرفت حينها أن هاني نفسه أحد روَّاد المنظمة التي نحاول إحياءها، وإن لم يكن جزءًا من محاولتنا اليائسة، أو هذا ما قيل لي على الأقل. وعرفت كذلك أن الرجل هو رئيس التحرير المؤقت للأهرام ويكلي.
تعبِّر تلك الدراسة بشكل صافي عن الأفكار المحورية لإسهامات هاني التالية الغزيرة في التراث الماركسي المصري المعاصر، وأدعي أن كل ما كتبه لاحقًا هو تطوير وتفصيل وتنقيح لأفكاره الواردة فيها.

في الدراسة بلور هاني أطروحتين؛ الأولى، أن التجربة الناصرية في النمو الرأسمالي -التي كانت مرحلة انتقالية رفعت فيها فئات وشرائح من البرجوازية الصغيرة والمهنيين تحت قيادة صفوة عسكرية لواء الرسملة والتحديث بعد فشل كبار ملاك الأراضي ونظامهم البرلماني- تحللت تمامًا بعد بونابرتية قصيرة تحت زعامة عبد الناصر الشعبوية الجارفة. إلا أن ما خلفها لم يكن "تعددية مقيدة"، وهو وصف كان معتمدًا في الأدبيات الغربية آنذاك لنظام مبارك، ولا سلطوية جديدة، وهو مفهوم عمومي لدرجة أنه لا يشرح شيئًا تقريبًا، ولا يحيط بخصوصية الأوضاع المصرية.

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

لم يقبل هاني شكر الله بقيود الطمأنينة في كل المؤسسات فاختار أن يفتح مسارًا للضوء في جدارها

استدعى هاني مفهومًا قديمًا بعض الشيء غير متداول بكثرة في التراث الماركسي؛ وهو مفهوم الأوليجاركية (والمعنى الحرفي هو حكم القلة عبر الهيمنة على سلطات الدولة الثلاث). إلا أن خصوصية الوضع المصري كانت تكمن في أن الشرائح والفئات الرأسمالية التي تشكلت منذ بداية الثمانينيات كانت قد أعادت السيطرة على جهاز الدولة بالكامل بشكل مباشر وشخصي "من خلف المجال السياسي ورغما عنه" وفقًا لتعبيره. وفقًا لهاني فعمليات خصخصة القطاع العام والسياسات المالية والنقدية الجديدة، بخلاف تفكيك الهياكل التعبوية للنظام الناصري من

اتحاد اشتراكي واتحادات مهنية وعمالية، لم تكن مؤشرًا لتحول منقوص باتجاه مزدوج الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية الناجزة بقدر ما كانت طريقًا ملكيًّا لخصخصة الدولة نفسها وإخضاعها بشكل مباشر لحكم الأوليجاركية الرأسمالية. أما الأطروحة الثانية المركزية في هذه الدراسة، فهي أن نمط الحكم الأوليجاركي يحدد نمط معارضته. من ناحية فالتضييق الأمني والتخلي عن أي مهمات تحديثية من أي نوع بخلاف مراكمة الثروة ونهب أصول الدولة، سمح للإخوان بإعادة موضعة أنفسهم في منطقة مريحة بعيدة عن نزعة السبعينيات الجذرية/ الخلاصية

اقرأ أيضاً

هاني شكر الله: صانع الفجوات

هاني شكر الله: صانع الفجوات

محمود مرسي خجول وديكتاتور ودون كيشوت

محمود مرسي خجول وديكتاتور ودون كيشوت

صلاح جاهين أو فن إدارة التناقضات 

صلاح جاهين أو فن إدارة التناقضات 

طـه حسين الذي رأى السينما قبل الجميع

طـه حسين الذي رأى السينما قبل الجميع

المسموح والممنوع في بيت ليبرالي

المسموح والممنوع في بيت ليبرالي

إعلان الثورة من سينما ديانا

إعلان الثورة من سينما ديانا