تحكي فيروز لنازك باسيلا التفاصيل الصغيرة فتصنع صورة مختبئة خلف المسارح والأضواء والقصائد. تكشف عما وراء الذكريات، وتعيد رسم ملامح زمن لبناني كامل.. فهل لصوت الضيعة أن يتحول إلى مرآة لمدينة وعصر كامل؟
قبل البدء يجب إنعاش الذاكرة بمراجعة بعض التواريخ المهمة، لمعرفة سياق الحكاية.. في ٢٦ سبتمبر١٩٧٢ أصيب عاصي الرحباني بانفجار في الدماغ، وفي ١٠ ديسمبر ١٩٧٢، أي بعد أقل من ثلاثة أشهر، بدأ عاصي يسترد عافيته بعد عملية دقيقة أجريت له، ويعود مرة أخرى إلى العمل والتلحين بمعجزة ربانية وإرادة بشرية..
في ٢٧ فبراير ١٩٧٣ بدأت عروض مسرحية المحطة على مسرح البيكاديللي في بيروت، واستمرت حتى ١٦ يونيو ١٩٧٣.. في ١٩ يوليو ١٩٧٣ بدأ الإعلان والتجهيز للعرض الغنائي "قصيدة حب" في بعلبك.
ما بين الإجازة من عروض المحطة وقبل البدء في قصيدة حب، أجرت نازك باسيلا [الكاتبة اللبنانية ومؤلفة كتاب "بديعة مصابني.. مذكرات صانعة الاستعراض"] حوارًا مطولاً مع فيروز في بيتها، نشرته مجلة "الأسبوع العربي"، على أربع حلقات، تحديدًا في يوليو ١٩٧٣ تحت عنوان: "مذكرات/ذكريات فيروز" وفيه روت بنفسها لنازك باسيلا قصة حياتها منذ الطفولة، أو بالأحرى نتفًا كثيرة وغزيرة وعميقة عن طفولتها وشبابها وأسرتها التي نشأت فيها قبل الشهرة والزواج من عاصي الرحباني. تكلمت فيروز كثيرًا وبأريحية وعفوية ربما بفعل الأعباء التي أثقلتها في تلك الفترة بعد مرض عاصي.
على مدار السنوات استعيدت أجزاء مما قالته فيروز في تلك الحلقات خلال مقالات أخرى، وتسللت شذرات من تلك الذكريات إلى الإنترنت.. ولأن الحلقات الأربع التي نشرتها نازك كانت مشتتة الفقرات، لأنها كانت تحكي عفو خاطرها، أعدت ترتيب كلامها في الحلقات وفقًا لتطور الخط الزمني ووحدة الموضوع، لتأتي في سياق واحد متصل ومرتب، كما اختصرت الكثير من صياغات نازك باسيلا الشاعرية للتركيز على كلام فيروز... ولنبدأ الآن.
بعض الربيع توقف في بيتها، عرس أزهار وألوان.. المدفأة الكبيرة التي تتوسط صالة الاستقبال لا تطل منها ألسنة النار بل قوارير من الرياحين صغيرة..
الوسادات غزيرة منتشرة فوق كل المقاعد.. والدمى التي حرمت منها في صغرها تتكئ على الوسادات وتفترش المقاعد، أما الستائر فبيضاء.. وجه فيروز كوجه الطبيعة يضيق بالتصنع يرتاح للبساطة، يحب أن يترك كما خلقه ربه. يبدو وهو عارٍ من المساحيق لطيفًا، مؤنسًا وقريبًا. يناديها عاصي باسمها الحقيقي؛ نُهاد.. وتناديها الخادمة ست نُهاد، فيستغرب الزائر أن لا تكون فيروز فيروزًا دائمًا، بل نُهاد لزوجها وخادمتها وصديقاتها.
تدخل باسمة تتسربل بعباءة من الجوخ الزهري. شعرها الطويل يمرح فوق كتفيها.. هي أحلى من صورها، عيناها العسليتان زارهما الألم فتوطن
لم تكن نهاد حداد وهي تلاعب القطط وتغني في مطبخ البيت تدري أنها ستصبح صوتًا لا تنال منه تجاعيد الزمن
في أعماقهما.. تكرج ضحكتها صادقة صافية شفافة، لكنها قبل أفولها بقليل تبدو وكأنها في غير ديارها.. روى العديدون حياة فيروز، كل على هواه مما جعلها تقول -وهي سريعة البديهة، حلوة النكتة سلسة الكلمة- إنه صار عليها أن تغير قصة حياتها لكثرة ما تصرفوا بها..
من هي فيروز؟
"طفلة.. أم لأربعة أولاد نسيت أن تكبر".
ثم تعيد السؤال، وتجيب "فيروز الطفلة؟ كانت بنت معتَّرة.. ما عرفت في طفولتي اللعب، وما احتضنت دمية".
والدتها ليزا بستاني من بلدة دبّية في الشوف، ووالدها وديع حداد كان عاملاً
في مطابع صحيفة لوجور.. هي كبرى أخوتها چوزيف وهدى وآمال.. ولدت في منزل صغير من منازل بيروت العتيقة في زقاق البلاط بالذات، وقد اختصر هذا المنزل على صغره عالم طفولتها وصباها الأول. أحاط السور بعدد من المنازل الصغيرة. التصق الواحد منها بالآخر بشكل دائري يدعى الحوش. أحاط بالحوش سور فصل بيوته عن سائر البيوت الأخرى وعن الطريق العام.. تكوَّن المنزل من غرفة واحدة ومطبخ. أرض الغرفة لم تعرف البلاط الملون، غطتها طبقة من الأسمنت الباهت الذي اختفى تحت الحصير.. النوافذ كبيرة مربعة يفصل بين من يقف وراءها ومن في الخارج قضبان الحديد.