التسجيلات التي نشرتها قناة ”ناصر تي في“ لن تجيب على أية أسئلة، بل ستفتح كل ما حاولنا إخماده طويلاً، التسريب الوحيد الذي يبوح لنا به صوت عبد الناصر هو أنه يستحق نظرة مختلفة تمامًا من أجل حل اللغز.
حاليًا عبد الناصر أحد أسباب خروجي من الاكتئاب، كمادة أساسية لعدة مشاريع درامية ووثوقية عن حقبته، أريد إهدائها جميعًا إلى والدي الراحل، قبل أن أغادر شخصيًّا. ناصر بلا قصد جعل والدي بمثابة شقيق؛ أنا طفل تربى في الثمانينيات على مجلة مغامرات سندباد ومغامرات تان تان الاستعمارية في مفارقة صارخة، والقصص المصورة التي كانت تحكي حكاية الثورة الجزائرية. أول أطلس التهمته كان نسخة 68، من مطابع "الجمهورية العربية المتحدة" متضمن فيها "تيران وصنافير". دارس لفريق الترسانة من موسم 63 حتى 66 ولو لم أكن أشجعه. جامع لكل أخبار إسماعيل الشافعي
نظرات طفولية وخمس مصائر لمصر ما بعد 1970.
لاعب التنس المصري العالمي الذي كان مشهورًا وله جمهور عريض في السبعينيات حتى بعد اعتزاله في منتصف الثمانينيات بعقد كامل، لم أكن أعلم شيئًا عن السيجا والأتاري والنينتندو [ألعاب ڤيديو يابانية شاعت التسعينيات]، لكني كنت أعلم محتوى كل حلقة من حلقات صواريخ ومطبات على الهوا وساعة لقلبك. فشلت في إكمال أي ألبوم لـ"بم بم" على مدار عقد كامل، لكني كنت أجمع تسجيلات مسرحيات البرنامج الثاني في الإذاعة التي أخرجها وقام ببطولتها كرم مطاوع. ومسلسلات التليفزيون "الون تيك one take" التي لا تتوقف فيها الكاميرا.
لم أكن جامعًا نهمًا لمجلة الشباب، لكني كنت ألتهم أعداد صباح الخير من منتصف الخمسينيات حتى آخر أيام عام 70، أبطالي المهلمون كانوا بأسماء جمال كامل، الليثي، حجازي، اللباد. لقد اختطف والدي جزءًا كبيرًا من نشأتي كرهينة لحالة نوستالچيا لم تتوقف.
سُميت على اسم خالد محي الدين، وخالد ابن الزعيم كما قيل لي، وهو ما جعل أيامي عصيبة خلال الثمانينيات، لكن منى وهدى وعبد الحكيم كانوا جزءًا من إنسيكلوبيديا الحياة اليومية، بل هي أقرب لـ soap opera أو مسلسل تركي فنزويلي لا ينتهي، يمر من خلاله أيضًا أشرف مروان، سامي شرف، علي صبري، محمد فايق،
زفاف منى عبد الناصر كبلاتوه لصورة منتصف الستينات الحالمة، وكوابيس السبعينات اللاحقة
محمد أحمد، السيدة تحية. لهذا السبب أنا لا أحسد القائمين على أرشيف قناة ناصر تي ڤي على قناة اليوتيوب، أنا أحقد عليهم فقط، حقد صبي على عمال محل الآيس كريم في الحي. الفارق الوحيد أن عمال المحل يسهمون في إصدار أهم مادة سمعية بصرية خلال عام 2025 إلى جانب حلقات هادية غالب من تليفزيون الواقع، ولنفس الأسباب التي تجعل من تسجيلات ناصر بالغة الأهمية.
أكبر خدعة قام بها عبد الحكيم عبد الناصر أنه أعطى للجميع انطباعًا أن ما يُنشر على القناة هي تسريبات، مع أنها مجرد تسجيلات لم يسبق نشرها، أو حتى إدراك وجودها من الأصل،
وأكبر خدعة يقوم بها الرأي العام المصري على عبد الحكيم أنه يكترث من الأساس، مفضلاً الخروج باستنتاجات نهائية تحسم مباريات الشطرنج الفكري التي يخوضها في ذهنه مع خصومه، ولا بد أن تنتهي بفوز فريقه. حالة من الإصرار لتفادي حالة التوثيق لتيار فكري ونفسي وعاطفي كامل خلال فترة الحشد لمجتمع اشتراكي في كل تفاصيله، وهو أقرب لروايات الخيال العلمي من منظار اليوم، حالة التوثيق التي غابت طويلاً للمزاج العام بعد الهزيمة، خصوصًا في الجلسات العامة مع المبتعثين في 1970 قبل الوفاة ببضعة أشهر، كلمات لشخص يحاول رفع معنويات من حوله في الوقت الذي
يحاول فيه تجاوز هزائمه الشخصية، وخاصة فيما يتعلق بالشخصيات والمعارك التي خسرها من بعد يونيو 67. لم تحظ هذه التسجيلات بأي اهتمام مع أن توقيت نزولها تزامن مع "تسريبات" حقيقية من واقع الدبلوماسية المصرية في القرن الجديد. فتح نافذتين متجاورتين من تسجيلات الحقبتين كفيل بقراءة مشاهدة كانت عصية على الفهم فيما يتعلق بمفهوم ممارسة السياسة في هذا البلد الحائر.
إنه نفس البلد المهووس بناصر بعد 55 عامًا، مهووس بتخليده أو طرحه أرضًا، مهووس بسماعه دون الإنصات إليه، الإخفاق في الإنصات حتى 200 ثانية هى زمن أهم تسجيل