هل توجد محاولات سابقة على قاسم أمين لتحرير المرأة؟ البابا كيرلس الرابع، بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية، أحد هؤلاء المحررين الرواد الذي يؤكد التاريخ دورهم، فمن هو؟
"الحق والحرية روح الوجود" بهذا الإقرار في أغنية التتر افتتح التليفزيون المصري في ٢٠٠٢ مسلسل محرر المرأة "قاسم أمين"، الذي بذل الكثير من الجهود في سبيل تقدم المرأة المصرية وتمدنها والدفاع عن حقوقها. وعبر صورة رومانسية رسمتها المخرجة إنعام محمد علي باختيار كمال أبو رية لتجسيد قاسم أمين ليضفي شاعرية على السردية الأسطورية التي استدعيت بعد مرور قرن من الرسوخ في الأذهان. لكن هذا لا يمنع أن نسأل السؤال المهم: هل بدأ قاسم أمين من الصفر؟ لماذا اختزلت رحلة تحرير المرأة في صدور الكتاب؟
"محرر المرأة" لقب كبير يصف عملية طويلة ومعقدة لدفع المرأة نحو الخروج من مأزق العبودية، وقد حدد قاسم أمين نفسه،حال المرأة المصرية في العهد الذي صدر فيه الكتاب ، ووصفها بأنها حال عبودية، وأبرز ثلاث مشكلات تعاني منها هي التعليم والحجاب والفصل بين النساء والرجال.
مال التاريخ إلى ترسيخ صورة قاسم أمين كأول من نادى بتحرير المرأة المصرية وتعليمها وتمدينها لكي تتقدم الأمة المصرية، لكن التاريخ أيضًا يقول أن هناك محاولات سابقة، اختزلتها الرواية الرسمية لتبدو كأن الحركة ولدت فجأة
ولم تكن تراكماً طويلاً ساهم فيها شخصيات من بينهم مصري صميم من قلب الصعيد الأعلى؛ هو كيرلس الرابع بطريرك الكنيسة القبطية، الذي ولد ١٨١٦، قبل قاسم أمين بنحو أربعين عامًا.
لكن من هو كيرلس الرابع؟! هو داود بن توماس بن بشوت بن داود، المولود في الصوامعة الشرقية بجرجا. ومع أن توماس والد داود كان مزارعًا أميًّا فلم يرد لابنه داود أن يكون مثله، لذا أرسله إلى كُتّاب القرية ليتعلم اللغة العربية والقبطية ومبادئ الحساب وكسور الفدادين الزراعية. قُدر لداود أن يصبح
صبيًّا مختلفًا نبيهًا شجاعًا، فقد اختلط بالعربان المجاورين لقريته (وهو غير معتاد عند الأقباط) وتعلم منهم كيفية التأقلم مع الصحراء وركوب الخيل والهِجن (السريع من الجمال) وكان يسابقهم ويرافقهم في سفاري في صحراء مصر الشرقية. لم يكن داود مجرد قبطي عادى مثل البقية؛ يزرع أو يعمل بالمهن الصغيرة أو حتى ينخرط في الجهاز الإداري للدولة عبر وظائف المساحة والمباشرة والكتابة والوظائف المالية الأخرى التي احتكرها القبط في ذلك الوقت، وكان مختلفًا حتى إن جرجس فيلوثاؤس عوض ذكر سبباً غريباً عن
قاسم أمين صاحب لقب "محرر المرأة" لكن ماذا عن التجارب السابقة؟
عن رهبنته وهو حكاية بدأت عندما "خرج هائمًا على وجهه إلى دير أنطونيوس في الجبل الشرقي بمجرد أن قبضت امرأة على يده!".
لم تكن تلك المرأة تعلم أن هذا الذي قبضت على يده هو من سيقبض لاحقًا على يد المرأة المصرية ليحررها من براثن الجهل. وليس لدي تفسير مؤكد عما دفع ذاك الشاب ذا الثانية والعشرين للهروب من العالم ومن تلك المرأة نحو الرهبنة والدير، فهي بالتأكيد قصة مختلفة، تشبه قصة يوسف الصديق الذي بهروبه من امرأة فوطيفار، حسب الرواية التوراتية،
أصبح عزيز مصر والثانى فيها بعد الملك، مما يتشابه مع قصة بطلنا الذي بهروبه من تلك المرأة صار عزيز القبط في مصر وبطريركهم. قد تكون القصة مختلقة، أو رواية أسطورية لتعزيز قداسته، خصوصًا أنها سجلت بعد وفاته بـخمسين عامًا، لكن المؤكد أن داود الصوامعي التحق برهبان دير أنطونيوس، وساقه حظه المختلف ليتولى رئاسة الدير بعد عامين فقط من رهبنته في الرابعة والعشرين من عمره، وهذا من العجائب، إذ كان داود من أصغر رؤساء الأديرة في مجمل تاريخ الرهبنة المصرية. وبعد عامين من رهبنته
أيقونة للبابا كيرلس الرابع..من موقع الأنبا تكلا. تصوير مايكل غالي.
اتفق رهبان الدير، سواء صغاره أو شيوخه، على ترشيحه ليكون رئيسًا على جماعتهم والمتصرف في شؤونهم وأوقافهم.
من دير أنطونيوس بجبال البحر الأحمر بدأ شغف داود الصوامعي الجديد ألا وهو التعليم، فانكب على المخطوطات بشغف. وحين انتخب لرئاسة الدير ونزل إلى مقره بقرية بوش في بني سويف، دفعه شغفه هذا لتأسيس أول مدرسة صغيرة ببوش لتعليم شباب القرية اللغتين العربية والقبطية، ومعارف أخرى تساعدهم على نزع فتيل الجهل من أرض الصعيد.
كانت مدرسة بوش الأولية هي نواة مشروعاته التعليمية التي أراد بها أن ينهض بالأمة المصرية. ولم يكتف داود بتأسيس المدرسة بل زودها بمكتبة للاطلاع تخدم أهل القرية ممن يريدون أن يتعلموا القراءة وينهلون من المعرفة. وبعد عام ١٨٤١ كان داود الشاب الثلاثيني على موعد مع قدر مختلف آخر؛ إذ كلفه البطريرك القبطي المسن في ذلك الوقت بطرس الجاولي، بمهمة سفارة صعبة إلى الحبشة لكي يصلح ما بين الملك ومطران الحبشة القبطي، ويعالج بعض المسائل اللاهوتية والإدارية هناك، وفي أثناء رحلته تلك
كان غريبًا أن يوصي بطرس الجاولي بكرسي البطريركة للشاب كيرلس في وجود الشيوخ
توفي بطرس الجاولي في عام ١٨٥٣ موصيًا بالخلافة البطريركية لداود إن رجع من الحبشة، وهنا انقسم الأقباط إلى حزبين متصارعين، حزب يريد سيامة ذلك الشاب واضعين آمالهم به لإصلاح حال الكنيسة والأمة، وآخرون أرادوا انتخاب مطران مسن للمنصب، واحتدت الفتنة بينهم حتى وصل الأمر إلى عباس باشا حلمي والي مصر وخديوها آنذاك، وتوسط مطران الأرمن الأرثوذكس في مصر بينهم، لكنهم بعد فترة من الأخذ والرد اتفقوا على رسامة داود مطرانًا عامًا على الكنيسة لفترة اختبار.
وبالفعل دخل داود عهدًا جديدًا فارتقى للبطريركية في ١٨٥٤، بعد أن ألف إليه قلوب المتخاصمين وجمع الأمة حوله، ليبدأ مشوار ترقية حال الكنيسة القبطية. ومثلما كان أول عمله في رئاسة دير أنطونيوس هو تأسيس مدرسة بوش؛ افتتح مهام بطريركيته، قبل حتى أن يرسم بطريركًا، بتأسيس أولى المدارس القبطية/المصرية الأهلية قاطبة، وهي المدرسة البطريركية الكبرى في الأزبكية بالقاهرة عام ١٩٥٣.
كيرلس الرابع والتعليم
لم يكن كيرلس الرابع (داود الصوامعي سابقًا) مجرد مُنَظِر لمدى أهمية التعليم
لنهضة الأمة، بل مصلح حقيقي ونهضوي مصري صعيدى بامتياز، وذلك بتأسيسه ٦ مدارس في عهده؛ بداية من مدرسة بوش الأولية مرورًا بمدرسة الأقباط الكبرى في ١٨٥٣، وألحق بها مدرسة أولية للبنات ١٨٥٤، ومدرسة الأقباط بحارة السقايين في ١٨٥٣ ومعها مدرسة حارة السقايين للبنات بالدور العلوي بكنيسة الملاك غبريال، ثم مدرسة المنصورة القبطية.
كان كيرلس مولعًا بالتعلم، فعندما أسس مدرسة بوش تعلم بها أسس النحو والصرف في اللغة العربية بغرض إتقانها، وظل شغفه وإيمانه بأهمية المعرفة
لرفع حال الأمة وتقدمها يزداد؛ لذا حين أسس مدرسة الأقباط البطريركية الكبرى بعدئذ كان يحضر الدروس بنفسه مع الطلاب. ويذكر المؤرخ يعقوب نخلة روفيلة (١٨٩٨) "وكثيرًا ما كان يطيل الإقامة في المكتب مصغيًا لما يلقيه الأستاذ على الطلبة، ثم يقول مخاطبًا التلامذة قبل خروجه: قد استفدت معكم اليوم فائدة لم أكن أعرفها قبلاً".
كان كيرلس فخورًا ومبهورًا بشدة بعمل يديه ومدى نجاح طلابه؛ واعتاد أن يولم الولائم في امتحانات الطلاب فرحًا بنتائجهم، ويذكر ميخائيل بك شاروبيم المؤرخ والقانوني المصري ١٨٩٨
"وكان إذا سمع من أحد التلامذة كلمة وأعجبه وضعها أو استكبرها على قائلها لصغره وعدم بلوغه حد النقد، فرح به فرحًا عظيمًا واستعادها مرارًا وأخبر بها كل من يراه فى يومه، فيقول: سمعت اليوم فلان بن فلان يقول كيت وكيت فسرني جدًا إدراکه وتحقق لي نجاحه". ولكيرلس كل الحق في فرحه هذا فقد كان حال القبط، بل الأمة المصرية كلها، غير سار على الإطلاق، حتى إن إبراهيم خليل الطبيب اللبناني الذي درس الطب في مصر على يد كلوت بك كتب في كتابه " مصباح الساري ونزهة القاري" (١٨٥٥) يصف حال المصريين في الفترة
التي عاش بها في القاهرة؛ قبل ارتقاء كيرلس السدة البطريركية "وأغلب الرجال لا يعرفون القراءة والكتابة ومن كان يعرف شيئًا من ذلك فلا يعرفه حق المعرفة إلا قليل منهم"، أما عن الأقباط "وأما طايفة الأقباط فهم يشتغلون بعلم الحساب دون غيره من العلوم وهم في غاية الجهل والغباوة لا يرغبون العلوم ولا يحسنون الكتابة ويعتقدون بالمحال والخرافات"، لكن إبراهيم لم تفته أخبار المدارس الجديدة الخاصة بالطوائف المسيحية في مصر، فاستحسن ذلك مقارنة بحال مسيحيي لبنان.
مع ذلك لم تكن الطريق معبدة لكيرلس، فقد كان يواجه موجة قوية من النقد والمقاومة من الأقباط بسبب خوفهم وجهلهم، مما حدا بالعرفان أن يقودوا ثورة ضده ويوغروا صدور الأهالي نحو مدارسه، عبر نشر الشائعات حول هدفه من تعليم أولادهم، فكانوا يذهبون للأهالي قائلين إن صاحبكم كيرلس سيرسل أطفالهم للجهادية والتجنيد ويأخذهم من أهاليهم، وكان التجنيد سئ السمعة ومكروهًا عند المصريين فخاف الأهالى بالفعل، ووصل صدى شغب العرفان لكيرلس فاحتوى تلك الثورة بذكاء كما احتوى الثورة
ضد انتخابه قبلاً. لقد تفهم بحكمة أن العرفان يقودون ذلك التمرد خوفًا على مصدر رزقهم فالمثل يقول "عض قلبي ولا تعض رغيفي"، لذا اجتمع بهم وتفاهم معهم، بل وأفسح لهم مجال الاشتراك في مدرسته، وأوكل لهم التعليم الابتدائي وصرف لهم جوامك (مرتبات).
لعلنا نرى كيف تتجلى عبقرية فلسفته التعليمية النهضوية، لكن لم يكن ذلك كل ما في جعبته، فهو ليس أول من أنشأ المدارس الأهلية في مصر فحسب، بل أول من جعل التعليم إلزاميًّا، وأول من طبَّق مجانية التعليم بالفعل قبل أن ينادي بها طه حسين، وحتى قبل
دستور ١٩٢٣، فكان يلزم الأقباط بإرسال أولادهم للمدرسة، وجعل المدارس لا تقبل الأقباط فقط بل كل المصريين والأجانب (من خريجي المدرسة القبطية الكبرى محمود عبد الرازق باشا، وإسماعيل زهدي بك، وميخائيل بك شاروبيم، ونخلة روفيلة، وإسكندر جروه السوري ابن ناظر المدرسة، والخواجا حبيب كركور الأرمني) ولم يتلق أي أموال من أهالي التلاميذ، بل تكفل بكل شيء، وصرف مرتبات سخية للمعلمين والكتب والأدوات للتلاميذ لمتابعة الدرس، ونسق جدول المواد العلمية الذي أراد تضمينه في مدارسه،
وجعل الأساس تعلم اللغات العربية والقبطية والفرنساوية والإيطالية، وعلوم الحساب والجغرافيا، وبعث لطلب ثالث مطبعة في مصر قاطبة، وهي المطبعة البطريركية لم يسبقها في مصر سوى مطبعة الحملة الفرنسية والمطبعة الأميرية، ليطبع الكتب الدينية والتعليمية اللازمة، كما طلب من الخديو إلحاق ثلاثة شبان أقباط بالمطبعة الأميرية ليتعلموا صنعة الطباعة. وحرص على تطوير منظومته التعليمية واتباع أحدث الوسائل الغربية، فعندما كان يزوره أي زائر أجنبي يصحبه للمدرسة ويطلب منه
تزويده بالملاحظات لتحسين حالها، لذلك وصلت أخباره إلى المستشرقين الأوروبيين والمرسلين الذين شهدوا له في مؤلفاته مثل مونتيجو فولر Montague Fowler الذي ذكر في كتابه "المسيحيين المصريين.. الماضي والحاضر والمستقبل" Christian Egypt, Past, Present, and Future "وعند عودته من الحبشة، كرس نفسه لتعمير وإصلاح الكنيسة الوطنية، وأقام المدرسة المزدهرة التي في حرم البطريركية".
كيرلس الرابع والمرأة
علاقة كيرلس بالمرأة من أغرب العلاقات وأكثرها تعقيدًا، لقد ترهب هربًا منها
ومن طغيانها الأنثوي، وكان يتحاشى الاجتماع بها. يحكي جرجس فيلوثاؤس "قيل إنه دخل يومًا إلى منزل كبير من القبط وهو المعلم تادرس شلبي الكبير مدعوًا لحضور إكليل (الاحتفال المسيحي بعقد الزواج) فبمجرد أن رأى النساء وعليهن حليهن وملابسهن الوهاجة عزم على الانصراف حالاً ولم يقبل البقاء حتى أبعدوا عنه كل النساء، قائلاً: هل مجرد تنصيبي بطركًا يمنع عني صفة الرجولية؟!
شاعت مثل تلك القصص عن كيرلس المُعذب بآلام الشهوة (حسب التعبير الفلسفي المسيحي الأرثوذكسي
والفكر الرهباني المستيكي). لقد كان كيرلس رجلاً ضخم الجسم قوي البنية حاد النظر والذكاء، وينقل جرجس أنه يومًا ما تعذب كيرلس من الشهوة فنزل لمكان المراحيض في البطريركية لينظفها، وهو سلوك رهباني معروف ومعتاد لقمع ذات الإنسان وأفكاره عبر إشغال جسده وارهاقه بالأعمال البدنية الوضيعة أو الشاقة!
لكن جرجس يورد قصة أخرى توضح لنا رؤية كيرلس للمرأة وحقوقها، فحين حُكِّم في قضية ميراث زوجة إسكاروس أفندي (صاحب كفر إسكاروس بطنطا) وابنة باسيليوس بك وحفيدة المعلم غالي
كبير الكتاب القبط أيام محمد علي باشا وسئل عن مدى حظها في الميراث، هل تأخذ نصيبًا كاملاً أم نصف نصيب أخوتها من الذكور، فأجاب على الفور: إذا عملت المرأة عملاً حسنًا كالرجل فهل يجازيها الله بأقل مما يجازي الرجل؟ فأجابه الحاضرون لا، حاشا أن الله يكون ظالمًا. فأكمل إذا كان في السمائيات التي لا تفنى تأخذ مثل الرجل فكيف إذن في الأرضيات الفانيات.
ويعلق جرجس على ذلك "إلا أنهم لم يرتضوا بغير حكم هذا المصلح لأنهم يعرفون شدة ميله إلى احترام حقوق
المرأة وإنصافها والعمل على ترقية شؤونها حتى لا تتدهور في وهدة اليأس". وتتفق المؤرخة القبطية إيريس حبيب المصري مع جرجس "ولم تتناول عنايته بالفتاة أمر تعليمها فحسب، بل امتدت لإنصافها بإعطائها حقها في الميراث أسوة بأخيها". وأكد القمص فيلوثاؤس بغدادي (١٨٨٧) أن كيرلس ميالاً بشدة لتعليم البنات، في أقدم إشارة إلى مدارس البنات التي أسسها، في ملحقه الذي وضعه لكتاب "الخطط التوفيقية" لمؤلفه علي باشا مبارك في تتمة "تاريخ البطاركة" بالجزء السادس، إذ ذكر في ترجمته لسيرة كيرلس
أنه نظم مكتبين للبنات.
وأكد ذلك أيضًا چورچي زيدان "والمشهور أن البطريرك كيرلس المذكور أول مَن نبَّه إلى تعليم الفتاة القبطية، وسار الأقباط على خطواته، وأخذوا بأسباب الرقي". ويضيف إلياس الأيوبي "على أن الذي امتاز به الأقباط دون المسلمين، هو أنهم، قبل إقدام الأميرة تشسما آفت خانم على تأسيس مدرسة السيوفية، أنشأوا مدرستين للبنات: إحداهما في حارة السقايين؛ وكان فيها ٤٥ بنتًا قبطية يتعلمن اللغة العربية والأشغال اليدوية على أيدي معلمات سوريات، وقد وقعن من قلب دور بك،
حين زيارته لهن موقع الاستحسان، بعيونهن النبيهات، وهيأتهن الظاهر عليها الاهتمام الكلي بالدروس؛ والأخرى بجانب الأزبكية؛ وكان فيها ٨٠ بنتًا في سنة ١٨٦٧ يتعلمن ما يتعلمه بنات مدرسة حارة السقايين".
ذكرت إديث بتشر (١٨٩٧) في كتابها "تاريخ الأمة القبطيةوكنيستها" اهتمام كيرلس اللافت لتعليم المرأة في ظل إهمال المجتمع لتعليمها وتثقيفها. وتورد أنه لاحظ رداءة الحال فأسس مدرستين لتعليم البنات، وفي الاحتفال بمرور قرن على وفاة كيرلس الرابع ألقت إيريس المصري كلمة عن اهتمامه
إديت بتشر في كتابها "تاريخ الأمة القبطية وكنيستها" ١٨٩٧ أشارت لدور كيرلس الرابع في تعليم المرأة
وريادته في مضمار تعليم المرأة تحت عنوان "البابا كيرلس الرابع وعنايته بالنهوض بالفتاة المصرية".
وامتدت آثار فكر كيرلس التقدمية لتلاميذ مدرسته، فيذكر الصحفي توفيق حبيب في كتابه "أبو جلدة وآخرون" عن مرقص باشا حنا؛ وهو ابن كاهن قبطي خريج مدرسة كيرلس الرابع "ولم يَنِ عن الدعوة إلى تعليم البنات وتثقيف ألبابهن. فكان القبطي الوحيد من الأعيان وأهل الرأي الذي وافق على دعوة الدكتور مرقس صادق لإعطاء البنت حق الولد في الميراث. وله مرافعة بديعة ومذكرة أنيقة في قضية
الآنسة أسما منصور، وقد تطوع للدفاع عنها في مطالبتها بدخول البنات في امتحان الكفاءة. ثم قام بالدعوة إلى إنشاء كلية البنات القبطية في خطبة ألقاها في احتفال توزيع الدبلومات بكلية البنات الأمريكية، وأُلِّفت لجنة لإنشاء الكلية فاشترك فيها وبذل كل جهد في مساعدتها بماله ونفوذه ولسانه".
إجمالًا آمن كيرلس بحقوق المرأة ومساواتها للرجل وربى تلامذته على ذلك، ومد يده لدعم حقوقها عبر إنصافها في قضايا الميراث وفض النزاعات الزوجية، وأنشأ لها المدارس لتتعلم
تقول الحكايات أن الخديو سعيد لم يتحمل أنشطة البابا كيرلس فدس له السم في الدواء
وتزدهر فيزدهر بها المجتمع. وعلى الرغم من ابتعاده عنها بسبب طريقه الذي اختاره وهو طريق الرهبنة إلا أنه وبحق محرر المرأة، وأول من رمى حجر في بركة جهل المرأة الراكدة، ودفع ثمن نبوغه وتقدميته؛ إذ اغتاظ منه سعيد باشا حاكم مصر بسبب نفوذه في الحبشة وسعيه لوحدة الكنائس المسيحية، التى صورها له المغرضون على أنها طلب حماية من الإمبراطور الروسي، فأرسل في طلبه ودس له السم في القهوة، لكنه لم يشربها لفهمه التركية وسماعه الأمر بقتله، فخرج من القصر إلى البطريركية وأصابته الحمى
والاكتئاب، فما كان من الخديو إلا أن تحايل وأرسل طبيبًا من عنده ليعالجه فدس السم له في الدواء.
وبالفعل اغتال سعيد كيرلس وهو لم يكمل بعد عامه الخامس والأربعين، وذهبت معه آمال الأمة بالتقدم عبر أولادها المصريين لزمن طويل، ولما تولى ديمتريوس السدة البطريركية بعد اغتيال كيرلس وذهب للسلام على سعيد قال له "لا تفعل مثل سلفك، كل ما يلزمك قل لي عليه، وأنا مستعد لتأديته لك". ويتفق جرجس فيلوثاوس والقمص فيلوثاوس بغدادي ويعقوب نخلة وإديث بتشر وفولر والليدي إمرست
وميخائيل بك شاروبيم على أن كيرلس قد مات مسمومًا على يد سعيد، وأنه توفي من جراء ذلك.
مع هذه النهاية القاسية لأبي الإصلاح القبطي ومحرر المرأة المصرية ربما نستطيع أن نفهم أسباب دفن السردية الحقيقية لرحلة محرر المرأة المصرية وتعلمها ونهضة التعليم في مصر الحديثة، فقد كان كيرلس مثالاً للقبطي الثورى المختلف المحرر، وهي صورة لا يرضى عنها الأقباط ولا يُسر بها المسلمون، فالسردية الحقيقية صادمة، فلم يكن متعلمًا في باريس، بل هو صعيدي يجالس العربان
ويهرب من لقاء المرأة. لكن رغم كل هذا الاختزال تبقى حقائق التاريخ أقوى، فقط لمن يبحث عنها.