هل نعرف الكثير من التفاصيل عن حياة المصريين في غزة حين كانت تحت الإدارة المصرية؟ الغوص في كنز الخطابات هذا ربما يعرفنا
في زوايا التاريخ، حتى القريبة منها حواديت إنسانية مخفية وحميمية تمتليء بتفاصيل غير متوقعة مع أنها قد تبدو بالغة العادية والتكرار. منها ما في حصلنا عليه في مدينة، وفتح لنا نافذة واسعة على علاقة مصر بقطاع غزة وقت كان القطاع تحت الإدارة المصرية في الفترة بين 1959-1967. عثرنا على مجموعة خطابات مرسلة إلى مدرس وضابط مصري انتدب للعمل في إحدى مدارس غزة، مدرسة يافا الثانوية (تغيرت أسماء المدارس على المظاريف بمرور السنوات والخطابات). وأما هو فمدرس الفلسفة وقائد الفتوة الملازم أول (تغيرت الرتبة على المظاريف بمرور السنوات) مراد عبدالعاطي مرسي الوتار.
فلسطين ـ الجمهورية العربية المتحدة، كان العنوان على المظروف والرسالة تصل إلى مستقبلها
وقائد الفتوة، أو الفتوة فقط، هو ضابط مسؤول عن مادة التربية العسكرية، وكانت ضمن مقررات التعليم في مدارس الأولاد الثانوية في مصر، ومن ثم غزة آنذاك، ويعاونه عدد من ضباط الصف. وهو عادة ضابط من الجيش ينتدب للعمل في المدرسة، وأحيانًا مدرس تربية عسكرية مدني تلقى تدريبات في القوات المسلحة، وربما يفسر هذا أن مراد كان مدرسًا للفلسفة وفتوة في الوقت نفسه.
تبدو الخطابات ونحن نقرأها اليوم كأنها مكالمات تليفونية من فرط التفاصيل الخفيفة واليومية والكبرى، وهي مرسلة من أفراد عائلته، الأب والأخوة والأخوات مرسي وفتحي
وسميحة وعديلة وإحسان وسيد ومحفوظ عبد العاطي مرسي، التي يخبرنا العنوان أنهم أبناء عائلة تسكن العقار رقم 4 شارع الصبان، متفرع من شارع العباسية، ميدان الجيش. الجمهورية العربية المتحدة. ووسط أصوات كل أفراد العائلة وبعض الجيران لا نسمع صوت مراد، فلا يوجد بين الخطابات خطاب واحد منه، توجد فقط خطابات من زوجته هدى.
ولأن غزة خاضعة للحكم العسكري المصري، ومثلما هو الحال مع المناطق العسكرية، باعتبار الخطابات المرسلة إليها بريدًا عسكريًّا وجزءًا من المراسلات الرسمية توجد بروتوكولات تتيح نقله دون الخضوع لإجراءات البريد العادية،
لم يكن على المظاريف طوابع بريد؛ بل أحيانًا كتب على بعض المظاريف: فلسطين، الجمهورية العربية المتحدة، أو غزة، هكذا فقط!
ماذا بين مصر والقطاع؟
بين 1948 و1967، باستثناء شهور العدوان الثلاثي من أكتوبر 1956 وحتى مارس 1957، خضع قطاع غزة، بتكليف من الجامعة العربية، للحكم المصري، بعد هدنة عقدت بين العرب وإسرائيل، وانتهت لتقسيم فلسطين إداريًّا إلى ثلاثة أقسام، القسم الذي أقيمت عليه دولة إسرائيل (21000 كم)، والقسم الثاني وهو الضفة الغربية (5878 كم)، والقسم الثالث وهو قطاع غزة البالغة مساحته (336 كم).
نصَّت الهدنة أن "يحتفظ المصريون بالسيطرة على الممر الساحلي الممتد من قرية رفح على الحدود المصرية الفلسطينية، على نقطة تبعد ثمانية أميال إلى الشمال من غزة". وفعلاً دخلت القوات المصرية إلى قطاع غزة في 15 مايو 1948، واتخذت بعض الإجراءات السياسية بحل التنظيمات السياسية في غزة وتسليم أسلحتها، في ظل حملة اعتقالات وتخوين واسعة. وكانت النتيجة المبدئية أن خلقت حالة من الريبة بين الأهالي والإدارة المصرية.
كان في القطاع عصبة التحرر الوطني الفلسطينية ذات التوجه الشيوعي وظلت على اتصال باللجنة المركزية في الخارج، بالإضافة إلى جمعية
الإخوان المسلمين التي تأسست في عام 1946، كأحد شُعب الإخوان المسلمين في فلسطين، وتبعت برامج جماعة الإخوان المسلمين في مصر. وفي 19490 أغلقت السلطات المصرية الجمعية في غزة، لكنها استمرت في العمل تحت اسم جمعية التوحيد. أما الهيئة العربية العليا، الكيان السياسي الرسمي المُمثل للفلسطينيين التي تشكلت بقرار جامعة الدول العربية عام 1946 وتولى رئاستها أمين الحسيني فقد حاولت التمسك بكيان مستقل للمناطق التي لم يصل إليها الاحتلال، فطرحت فكرة إنشاء حكومة فلسطينية باسم "حكومة عموم فلسطين" لكنها لم تلق تأييد الحكومات العربية، وتجاهل مجلس الجامعة
العربية دعوتها لحضور دورته الحادية عشرة وعقدت في أكتوبر 1949، بعد رفض مصر رغم اعترافها بالحكومة منحها حق ممارسة مهامها في القطاع.
لم يحاول الحكم المصري التدخل كثيرًا في البناء الاجتماعي والعائلي في القطاع الذي كانت له ملامح خاصة، فتعامل مع القطاع عبر برجوازية إقطاعية تقليدية لعبت دورًا مهمًا في السيطرة على الجماهير.
بعد ثورة يوليو، وتحديدًا في 1953، حاولت مصر دمج القطاع بالدولة المصرية، لأسباب اجتماعية واقتصادية. فأدارت القطاع مدنيًّا برجال عسكريين، وأجرت تعديلات على المصالح الحكومية التقليدية، مثل الصحة والتعليم