من القاهرة إلى غزة بدون طابع بوستة

جوابات الأستاذ مراد مدرس الفلسفة والفتوة

من القاهرة إلى غزة بدون طابع بوستة

  • أسبوعي
  • ملفات
  • كتابة

هل نعرف الكثير من التفاصيل عن حياة المصريين في غزة حين كانت تحت الإدارة المصرية؟ الغوص في كنز الخطابات هذا ربما يعرفنا

في زوايا التاريخ، حتى القريبة منها حواديت إنسانية مخفية وحميمية تمتليء بتفاصيل غير متوقعة مع أنها قد تبدو بالغة العادية والتكرار. منها ما في حصلنا عليه في مدينة، وفتح لنا نافذة واسعة على علاقة مصر بقطاع غزة وقت كان القطاع تحت الإدارة المصرية في الفترة بين 1959-1967. عثرنا على مجموعة خطابات مرسلة إلى مدرس وضابط مصري انتدب للعمل في إحدى مدارس غزة، مدرسة يافا الثانوية (تغيرت أسماء المدارس على المظاريف بمرور السنوات والخطابات). وأما هو فمدرس الفلسفة وقائد الفتوة الملازم أول (تغيرت الرتبة على المظاريف بمرور السنوات) مراد عبدالعاطي مرسي الوتار.

فلسطين ـ الجمهورية العربية المتحدة، كان العنوان على المظروف والرسالة تصل إلى مستقبلها

فلسطين ـ الجمهورية العربية المتحدة، كان العنوان على المظروف والرسالة تصل إلى مستقبلها

وقائد الفتوة، أو الفتوة فقط، هو ضابط مسؤول عن مادة التربية العسكرية، وكانت ضمن مقررات التعليم في مدارس الأولاد الثانوية في مصر، ومن ثم غزة آنذاك، ويعاونه عدد من ضباط الصف. وهو عادة ضابط من الجيش ينتدب للعمل في المدرسة، وأحيانًا مدرس تربية عسكرية مدني تلقى تدريبات في القوات المسلحة، وربما يفسر هذا أن مراد كان مدرسًا للفلسفة وفتوة في الوقت نفسه.
تبدو الخطابات ونحن نقرأها اليوم كأنها مكالمات تليفونية من فرط التفاصيل الخفيفة واليومية والكبرى، وهي مرسلة من أفراد عائلته، الأب والأخوة والأخوات مرسي وفتحي

وسميحة وعديلة وإحسان وسيد ومحفوظ عبد العاطي مرسي، التي يخبرنا العنوان أنهم أبناء عائلة تسكن العقار رقم 4 شارع الصبان، متفرع من شارع العباسية، ميدان الجيش. الجمهورية العربية المتحدة. ووسط أصوات كل أفراد العائلة وبعض الجيران لا نسمع صوت مراد، فلا يوجد بين الخطابات خطاب واحد منه، توجد فقط خطابات من زوجته هدى.
ولأن غزة خاضعة للحكم العسكري المصري، ومثلما هو الحال مع المناطق العسكرية، باعتبار الخطابات المرسلة إليها بريدًا عسكريًّا وجزءًا من المراسلات الرسمية توجد بروتوكولات تتيح نقله دون الخضوع لإجراءات البريد العادية،

لم يكن على المظاريف طوابع بريد؛ بل أحيانًا كتب على بعض المظاريف: فلسطين، الجمهورية العربية المتحدة، أو غزة، هكذا فقط!
ماذا بين مصر والقطاع؟
بين 1948 و1967، باستثناء شهور العدوان الثلاثي من أكتوبر 1956 وحتى مارس 1957، خضع قطاع غزة، بتكليف من الجامعة العربية، للحكم المصري، بعد هدنة عقدت بين العرب وإسرائيل، وانتهت لتقسيم فلسطين إداريًّا إلى ثلاثة أقسام، القسم الذي أقيمت عليه دولة إسرائيل (21000 كم)، والقسم الثاني وهو الضفة الغربية (5878 كم)، والقسم الثالث وهو قطاع غزة البالغة مساحته (336 كم).

لم يكن على المظاريف طوابع بريد؛ وأحيانًا يكتب المرسل: فلسطين، الجمهورية العربية المتحدة

نصَّت الهدنة أن "يحتفظ المصريون بالسيطرة على الممر الساحلي الممتد من قرية رفح على الحدود المصرية الفلسطينية، على نقطة تبعد ثمانية أميال إلى الشمال من غزة". وفعلاً دخلت القوات المصرية إلى قطاع غزة في 15 مايو 1948، واتخذت بعض الإجراءات السياسية بحل التنظيمات السياسية في غزة وتسليم أسلحتها، في ظل حملة اعتقالات وتخوين واسعة. وكانت النتيجة المبدئية أن خلقت حالة من الريبة بين الأهالي والإدارة المصرية.
كان في القطاع عصبة التحرر الوطني الفلسطينية ذات التوجه الشيوعي وظلت على اتصال باللجنة المركزية في الخارج، بالإضافة إلى جمعية

الإخوان المسلمين التي تأسست في عام 1946، كأحد شُعب الإخوان المسلمين في فلسطين، وتبعت برامج جماعة الإخوان المسلمين في مصر. وفي 19490 أغلقت السلطات المصرية الجمعية في غزة، لكنها استمرت في العمل تحت اسم جمعية التوحيد. أما الهيئة العربية العليا، الكيان السياسي الرسمي المُمثل للفلسطينيين التي تشكلت بقرار جامعة الدول العربية عام 1946 وتولى رئاستها أمين الحسيني فقد حاولت التمسك بكيان مستقل للمناطق التي لم يصل إليها الاحتلال، فطرحت فكرة إنشاء حكومة فلسطينية باسم "حكومة عموم فلسطين" لكنها لم تلق تأييد الحكومات العربية، وتجاهل مجلس الجامعة

العربية دعوتها لحضور دورته الحادية عشرة وعقدت في أكتوبر 1949، بعد رفض مصر رغم اعترافها بالحكومة منحها حق ممارسة مهامها في القطاع.
لم يحاول الحكم المصري التدخل كثيرًا في البناء الاجتماعي والعائلي في القطاع الذي كانت له ملامح خاصة، فتعامل مع القطاع عبر برجوازية إقطاعية تقليدية لعبت دورًا مهمًا في السيطرة على الجماهير.
بعد ثورة يوليو، وتحديدًا في 1953، حاولت مصر دمج القطاع بالدولة المصرية، لأسباب اجتماعية واقتصادية. فأدارت القطاع مدنيًّا برجال عسكريين، وأجرت تعديلات على المصالح الحكومية التقليدية، مثل الصحة والتعليم

الخطابات ونحن نقرأها اليوم تبدو كأنها مكالمات تليفونية من فرط التفاصيل الخفيفة واليومية والكبرى

والمحاكم الشرعية والمدنية والزراعة، في ظل حال من التردي الاقتصادي التي أعقبت النكبة، وامتدت السيطرة المصرية إلى التمثيل السياسي الذي تعزز بزيارة جمال عبد الناصر للقطاع في عام 1959، عقب انتفاضة الغزاويين ضد مشروع وكالة غوث اللاجئين لتوطينهم في غربي سيناء، بعد غارة إسرائيلية خلفت قتلى من المدنيين والعسكريين.
وفيما يخص قطاع التعليم المتردي، مثل بقية القطاعات، أشرفت وزارة المعارف المصرية، مثلما كانت تسمى، على المدارس سواء تلك التي الخاصة باللاجئين الذين نزحوا إلى غزة، أو بسكان غزة الأصليين، التي أنشأت منظمات دولية مثل الصليب الأحمر

بعضها، فضاعفت أعدادها، وأرسلت المعلمين المصريين للعمل فيها ودفعت رواتبهم. وهكذا كانت رحلة هذه الخطابات من وإلى هناك.
أخيرًا وليس بيننا آخر: أحبار دافئة
بخط دقيق، بقلم حبر أسود، يرسل ابن العم هاشم عبد العاطي، القاطن بدرب حسين، ميدان الجيش، إلى ابن عمه مراد في 25 أكتوبر 1960 خطابًا يخبره فيه، بعد [فروض التحيه والاحترام]. وهي من بين ديباجات كتابية وكلامية سائدة في تلك الفترة، سنرصدها على مدار الخطابات، أنه يريد منه أن يراسله على عنوان منزله، وأنه خلال هذا الشهر كان يطمئن على صحته من منزل الوالد [كم كنا زعلانين لفراقك عن القاهرة

عبد الناصر في غزة 1959.. ابتسامات ظاهرية وريبة خفية

عبد الناصر في غزة 1959.. ابتسامات ظاهرية وريبة خفية

وبعدكم عنا]، ويعتذر عن تقصيره في مراسلته [عدم فضيان زي ما أنت عارف والعارف لا يُعرَّف.. ربنا ما يحرمنا من بعض].
بعد سلام الأولاد الصغار، يدعو الله أن يرزقه بمولود صغير [يا قادر يا كريم] ثم يختم بجملة يكررها كل الأخوة في خطاباتهم إلى أخيهم [وأخيرًا وليس بيننا آخر] يتمنى له أسعد الأوقات.
في أول خطابات الأب لدينا، 15 أكتوبر 1960، أرسل الأستاذ عبد العاطي إلى ولده مظروفًا طُبع عليه التالي: [الحاج سيد هاشم الوتار تاجر أمعاء الخراف، ميدان زين العابدين، درب الفضل، السيدة، (السيدة زينب)].

وعلى ورقة مقطوعة من كراسة، وبالحبر الأسود يستهل خطابه [حضرة المحترم الابن البار. دام] ثم يخبره، مُستبعدًا المدة، بمضي عدة أيام لم يصله أي خطاب من طرفه [وها هو الخطاب الخامس الذي أكتبه لك، لعل باقي الخطابات قد وصلوا بسلامة الله.. لقد اشتقت إلى وطنك على ما أظن.. إن شاء الله ربنا يخلص المدة على خير وترجع لنا غانمًا مظفرًا].
وهو ما قد يشير هنا أنهم يشعرون أن وجود مراد في غزة ليس فقط مهمة عملية مهنية، بل وطنية.
أما الحاج سيد هاشم الوتار؛ تاجر أمعاء الخراف نفسه، المطبوع اسمه على المظاريف، فأرسل في أول أكتوبر 1962

خطابًا صدَّره هكذا: [إلى حضرة السيد المحترم الأستاذ مراد. دام]، وبعد تمني الاطمئنان عليه، يخبره أنه تسلَّم رسالته الغالية ويشكره على السؤال، ويطمئنه أن ذراعه قد شفي نوعًا ما، وصارت بصحة جيدة، وأن [الست حرمهم] أم هاشم تهديهم السلام، و[الأنجال] جميعًا يهدونكم السلام [كبيرًا وصغيرًا].
على ورقة صغيرة مقتطعة من مفكرة، خطاب مرسل من السويس في 27 ديسمبر 1960، كُتب على مظروفه الصغير: الأستاذ الفاضل مراد عبد العاطي مرسي (بلا ذكر الرتبة العسكرية)، قائد الفتوة بالمدرسة. والراسلة: [من طرف والدتك الحاجة عديلة] التي سنعرف من الخطابات

لم يحاول الحكم المصري التدخل كثيرًا في البناء الاجتماعي والعائلي في قطاع غزة

أنها عمته وحماته في الوقت نفسه، تُعلِمه بأنه من يوم ما وصل خطابه لم يصلها أي خطاب [لعل المانع يكون خيرًا] وأن امتناعه وزوجته عن إرسال خطابات يجعلها في حيرة [وتفكير كبير، فكفى أني مريضة، فلا تشغلوا تفكيري كثيرًا من طرفكم]، وترجوه أن يراسلاها كي تطمئن. وفي نبرة تهكمية لاذعة لا يخلو منها لسان الحموات [وقد يجوز أنكم لا تودون إرسال الخطابات إليَ أنت والست حرمك وإلا أنتم لا تعرفون الكتابة. إذا كان أعطوا واحد كاتب يكتب لكم الخطابات بقرشين صاغ]! وتختم خطابها بإعلامه أن جميع أهل السويس يهدونهما السلام وكذا جميع أهل القاهرة.

وفي الملحوظة، وهي جملة كان المصريون عادة يستدركون بها ذكر ما غفلوا عن ذكره في متن أي خطاب، تخبره بأن كوثر ابنة عبد المنعم أفندي (لم نعرف صلتها بهم) قد تصل عندهم (في غزة) يوم 8 يناير 61.
وردت عبارة "قائد الفتوة بالمدرسة" على معظم المظاريف، ومنها واحد لا يحمل توقيع المرسِل، والخطاب مرسل من الإسكندرية في يوم 5 أكتوبر دون ذكر العام، بتوقيع [الأخ المخلص فتحي عبد العاطي]، يحكي فيه حدوتة طويلة لا نعرف لا أصلها ولا فصلها [الله يُمهل ولا يهمل، وقبل الدراسة بيومين زارني أباظة في منزلي ولكني لم أعمل بأصله وأتنكر له، فإذا به يعتذر لي ويكرر اعتذاره

لأنه قد أساء إليَ.. فقلت له إن الموضوع انتهى وأصبحت علاقتي به علاقة عمل، أي صباح الخير صباح الخير، والواحد يعرف صاحبه ويلزم...] وبخلاصة الحكمة يستطرد [بذلك تجدني في وحدتي أرى بعيني وأسمع بأذني نهاية كل ظالم.. ولا أتكلم حتى أصبح مرتاح البال]. ويختم بتمني السعادة وكامل الصحة في [أراضي جنة فلسطين].
وفي خطاب آخر من السويس مرسل من أم سمية إلى [حضرة السيدة الوالدة الحاجة أم مرسي (والدة مراد التي كانت تزوره في غزة)، تطلب منها بعد التحية والسلامات والأشواق أن تحضر [بُن، أحسن البُن بتاعك الموجود طرفنا أخذناه لما عرفنا أنك ذهبت إلى

يبدو من الخطابات أن عائلة الأستاذ مراد  تعاملت على أنه في مهمة وطنية

بلد البُن]. يتكرر طلب البُن والشاي في الخطابات كثيرًا حتى نكاد نصدق أن غزة بلد البُن! وإن [وجدت قماشة شتوي لون غامق كويس يناسبني ويكون الثمن مناسب أرجوكي أن تحضري لي فستان حسب ذوقك… واسمعي عاوزاكي والنبي تسألي لي عندك على ستائر (دنتلة)، من المرسوم فيهم… بتوع زمان إن وجدتي أخبريني في خطاب].
لأن البطاطين تنفع للمستقبل
بعنوان (بشرى سعيدة) وبقلم أحمر، بتاريخ 17 فبراير 1961 أرسل الأب عبد العاطي، وهو صاحب العدد الأكبر من الخطابات، إلى مراد خطابًا، هو الثاني

بعد عودته إلى [بلدته قطاع غزة]، يعلمه بآخر المستجدات، ويبشره بأن أخته سميحة رزقت بمولود (ذكر) [في هذا اليوم بالذات في الساعة 4:00 مساءً قبل المغرب بساعة ونصف] وأنه يكتب إليه هذه البشرى كي يكون على علم و[يعمل الواجب] ويرسل لشقيقته مهنئًا. وعلى ورقة مقتطعة من كراسة، بقلم رصاص، وبخط يبدو كتب على عجل، وأرسل في يوم 2 مارس 1961، وكان شهر رمضان، من السيد عبد العاطي إلى شقيقه مراد، وبعد الأشواق والتحيات المرسلة إليه وإلى حرمه، يخبره أن [حامل الخطاب الأستاذ إبراهيم الجندي وصل] لكنه زعلان منه لأنه

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

بدأ الاحتفال بعيد الأم في مارس 1956 فلماذا احتفلوا به  في أبريل؟

[دق الباب ولم يدخل لكي يتفاهموا ويجلسوا سويًا، وقد حضر في الساعة 5:00 من مساء اليوم، وأظن كان على أذان المغرب أقل من ساعة، وقد غُلُبنا فيه على إنه يدخل الشقة فلم يرض، أرجوك يا أخي أن تعاتبه على هذه الحركة عشان بابا زعلان جدًا].
كانت عيبة كبيرة أن يزور أحد بيتًا مصريًّا في حصة غداء ويحجم عن مشاركة أهل البيت طعامهم، فما بالك بإفطار رمضان!
على ورقة مقتطعة من كراسة رياضيات ذات مربعات صغيرة أرسل من القاهرة في 2 أبريل 1961 خطاب الأخ المخلص محفوظ عبد العاطي، وفيه يقدم فروض التحية والاحترام والسؤال

عن الصحة، (كان سؤال: إزي الصحة ساريًا على ألسنة المصريين حتى وقت قريب، حتى اختفى لصالح جمل تبدو مترجمة مثل: إيه الأخبار، وعامل إيه.. وغيرها).
وفيما يشبه موضوعات التعبير المدرسية يخبره أنه كان يحب أن يكون معهم يوم عيد الأم [وهو يوم مقدس، ولا بد أن نقدم لأمنا الشكر على ما قدمت لنا من خدمات وأتعاب طول الأيام ونحن صغار، والله يقدرنا على إرجاع تعبها، إنه السميع العليم].
بعد أقل من أسبوعين يرسل الأستاذ عبد العاطي في 16 أبريل 1961 إلى ولده يهديه تحياته وأشواقه، ويخبره أن الأستاذ حسن حضر إليه ومعه قطعه

القماش الخاصة بأخواته البنات، [وتجدني متشكر جدًا] ويخبره أن الجميع عندهم بخير، وست الحبايب (وهي الصيغة التي حرص الجميع على استخدامها للإشارة إلى الأم)، [تهدي إليك أغنية ناظج (نازك) كل دقه في قلبي بتسلم عليك، وذلك في أثناء سماعها من برنامج ما يطلبه المستمعين، وتطلب من الله أن يحبب فيك الناس. وتطلب منك أثناء نزول أحد أصدقائك من قطاع غزة أن ترسل معه كيلو بُن وآخر شاي، ولك الشكر، ولا تنسى البطاطين، مهما كانت الحرارة شديدة لأنها تنفع للمستقبل].
حاليًا، مع فتور علاقة الناس بالإذاعة، لم يعد شائعًا أن يهدى أحد أحدًا أغنية

قد يجوز أنكم لا تودون إرسال الخطابات إليَ أنت والست حرمك وإلا أنتم لا تعرفون الكتابة!

في الراديو، لكن لا يزال المصريون حتى الآن -الأمهات غالبًا- يعتقدون أن للبطاطين تنفع للمستقبل، وهي من أول من يحرصون على شرائه عند السفر إلى الخليج.
يوم الأحد 17 سبتمبر 1961 كتب الأستاذ عبد العاطي إلى ولده يحيطه علمًا بأنه اشترى ساعة صفراء من زميله السيد مدبولي، وأنها تحتاج إلى أستيك أصفر [حجم أقل من إسورة ساعتك في العرض، وأصفر على أخضر أو أخضر على أبيض، وإذا كنت اشتريت الساعة أرسلها مع حنانيا، ولا تنسى الراديو المطلوب..].
وبعد فقرة المطالب الثابتة في كل الخطابات تقريبًا [الرجاء تبليغ سلامي

إلى كريمتي هدى ألف مرة لأنه لا يكفيها مرة واحدة، وهذا بعد عتابها لي بأني لم أرسل لها سلام].
كريمتي مفردة كان المصريون يستخدمونها للإشارة إلى الابنة، ودائمًا ما وردت على كروت دعوات الزفاف للإشارة إلى العروس حتى وقت قريب، وربما حتى الآن في الأقاليم، والمناطق الشعبية في القاهرة حين يريدون إغفال ذكر اسم العروس (ندعوكم لحضور حفل زفاف مصطفى ابن الحاج فلان على كريمة الحاج فلان).
على ورقة فولسكاب كبيرة، في خطاب مرسل يوم الأحد 12 أكتوبر 61 يُعلم الأستاذ عبد العاطي ولده بمستجدات يومية وتفاصيل دقيقة قد تبدو فائضة

عن الحاجة، لكنها تشي بسهولة إرسال الخطابات وتلقيها من غزة.
بعد التحية [اليوم حوالي الساعة 4:00 مساءً حضر طرفنا شقيق زميلك الأستاذ جمال الرفاعي، ومعه كيلو زيت لستك أم أحمد… وكان معه خطاب لعمتك فتوجهت على الفور إلى الهرم فلما استلمت الخطاب عمتك طلبت مني قراءته فقرأته لها، ولما وجدت فيه أن هدى تطلب منها أن تحضر لها بطة محمرة يوم حضورها إلى مصر فعرفت أنه يوجد بطتين في الجنينة منتظرين يوم حضورها إلى مصر، وطلبت من عمتك الروب الصوف الأحمر لإرساله إلى غزة، في أقرب فرصة حيث إنه الرحلة تأجلت لأجل غير مسمى

يتكرر طلب البُن والشاي في الخطابات كثيرًا حتى نكاد نصدق أن غزة كانت بلد البُن

لحضور الوفد الأفريقي الآسيوي في غزة وانشغال بيت الشباب…]
ثم كالعادة يختتم طالبًا منه عند وصول هذا الخطاب أن يرد مفصلاً عن أحواله لأنه مشغول جدًا عليه، وفيما يشبه الاعتذار [إذا كنت قد أرسلت لك كلام شديد في الخطابات آسف وعفا الله عما سلف يا ولدي، فأنا لا أعلم عنكم شيء… الرجاء الرد بسرعة، وأي خدمة بجميع أنواعها، اطلب تجد].
في عموم الخطابات تبدو لغة الأب الأستاذ عبد العاطي دافئة، تحمل قدرًا ملحوظًا من الحنان والاهتمام والقلق على أحوال الابن المغترب في مكان قريب حتى ولو أن في إمكانه مراسلته يوميًّا تقريبًا، وهو غالبًا ما تشترك فيه

لغة الخطابات المرسلة من الأخوة والأخوات جميعًا، ومن الأم بالتأكيد، على قلتها.
العقد الألماظ الكريستال
من غزة إلى القاهرة هذه المرة، وفي 10 أكتوبر 1961 ترسل هدى زوجة النقيب مراد خطابًا إلى شقيقتها (الكبرى غالبًا) أبلة خدوجة. وبعد السلام والقبلات والتحيات وتمنيات بأسعد الأوقات تسأل عن حالهم و[عن حال تيزا أم حسنين لعلها كويسة. عزيزتي: كنت أود الكتابة إليكم لكن الظروف لم تتح لي لذلك، أرجو المعذرة، منذ يومين اشتريت لحضرتك العقد الألماظ الكريستال، بس أرجو يحوز رضائك، والله أنا لفيت عدة أيام وعدة دكاكين..

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

لا يرسلون إلا الأخبار السارة

كلهم عايزين أشتري منهم الطقم على بعض، وأخيرًا وجدنا عقد لوحده لكنه ممتاز، وكويس واشتريناه بـ 150 قرش، وقد علمت أخيرًا أن خالي عبد العاطي سوف يحضر غزة يوم 16 هذا الشهر فسوف أعطيه لخالي وتاخديه منه بالقاهرة، وأي خدمة].
هكذا عرفنا إن هدى بنت عمة مراد. ثم يجيء رد أبلة خدوجة على هدى من القاهرة إلى غزة بعد نحو شهر في 11 نوفمبر 1961 بخطاب تبدأه بـ[عزيزتي السيدة هدى هانم]. وبعد السلام والأشواق تخبرها أنها تلقت جوابها الرقيق وقرأته كثيرًا، وتشكرها على ردها وأن العقد ذوقه جميل جدًا، وتذكِّرها بشراء الحلق الذي يشبهه،

وتعرفها بأن [أبلة سكينة حضرت أول يوم في شهر نوفمبر وهي تشكرك على سؤالك عنها وتهديك سلامها، وبتقول لك إذا كنت تجدي بقية طقم العقد ويمكنك شرائه فاشتريه ولك عظيم الشكر].
وفي الملحوظة تنبهها بأن يكون جوانتي سلوى [مقاسه أكبر من مقاسك لأن يديها أكبر، ولأجل أن ألبسه أنا أيضًا].
بتاريخ 16 أكتوبر 1961 حمل خطاب قصير مرسل من الأخت الحبيبة عايدة (لا نعرف صلتها بهم) إلى السيدة الفاضلة والأخت الحبيبة هدى كل المحبة، هكذا بلا طلبات أو هدايا، فقط لتخبرها بأنها تلقت خطابها، وسرَّها جدًا (كانت مفردة السرور والمسرة شائعة

في ذلك الوقت، لكن استخدامها تراجع كثيرًا). وتهديها في لغة مزدحمة بمحسنات بديعية واستعارات قرآنية [سلامًا كالشمس وضحاها والقمر إذا تلاها وأشواقًا إلى ربك منتهاها] وتطلب منها إبلاغ سلامها إلى [السيد مراد] وإلى كل من بطرفهم من أنجال، وأن الجميع يسلمون عليها كثيرًا وحتى الجيران!
عودةً إلى هدايا غزة التي لا علاقة لها بسوق غزة في الزاوية الحمراء، وأنشأه التجار الفلسطينيون في الأربعينيات. في يوم الجمعة 3 نوفمبر 1961 أرسل الأخ السيد عبد العاطي إلى مراد جوابًا يشكره فيه على البلوڤر الذي أرسله [متشكرين يا أستاذ مراد، وربنا ما يحرمناش منك. أما الست الوالدة

كانت عيبة كبيرة أن يزور أحد بيتًا مصريًّا في حصة غداء ويحجم عن مشاركة أهل البيت طعامهم، فما بالك بإفطار رمضان

العزيزة فترسل إليك سلاماتها وأشواقها وإلى الست حرمكم العزيزة، وتقول لك إنها تريد البالطو الأسود التي قالت لك عنه، لأنها في شدة الاحتياج إليه، لأن الشتاء قد أتى وكل عام وأنت بخير..].
ثم يعرج على [النقود التابعة لمكافأة تصحيح الإعدادية فلم تأتي إلى الآن… كل يوم أذهب إلى المدرسة وأقربها امبارح، ويكون رد الأستاذ حمدي السكرتير لم تأت إلى الآن].
تصرف وزارة التربية والتعليم مكافأة الامتحانات حتى الآن للمدرسين لقاء مراقبة وتصحيح وإعداد أوراق الامتحانات في نهاية العام الدراسي، وتختلف قيمتها من مرحلة تعليمية إلى أخرى.

يسترسل السيد [وسألت عن الأستاذ علم الدين، وقالوا لي إنه نقل في الرياسة بجاردن سيتي (حيث المقر الرسمي لهيئة الفتوة بأحد القصور القديمة).
سيتكرر كذلك ذكر مكافأة تصحيح امتحانات الإعدادية في خطاب الأستاذ عبد العاطي الذي أرسل في يوم 11 نوفمبر 1961 يعلمه فيه بأن شقيقه سيد قد توجه إلى السيد عبد الرحمن وعرف منه أنها لم تصرف إلى الآن.. وفي الخطاب نفسه يتكرر طلب [البالطو الأسمر ويكون بمعرفة هدى، ويكون سايب، وتطلب شراب… يا ولدي عرفني إن كان الجو لطيف عندكم في نصف ديسمبر لأن الوالدة تريد التوجه إلى غزة.

وفي الملحوظة، بلغة رسمية كتبت الأخت عديلة عبد العاطي (المسماة على اسم عمتها) إلى شقيقها [متشكرة يا أستاذ مراد على الأستيك، ونعم الأخ الصادق.. سلامي إلى أختي السيدة هدى].
على ورقة مقتطعة من كراسة مدرسة، بتاريخ 20 ديسمبر 1961 يبدو الاهتمام والانتباه لكل المناسبات والأعياد؛ إذ يهنئ مرسي أخاه بعيد زواجه الثالث (في 1959) [أعاده الله عليكم أعوامًا متتالية، في بحبوحة من السعادة والهناء، وأملي أن يصل خطابي هذا قبل موعد طفي الشموع الثلاث، كي أشارك في إطفائها معكم]. وبعد الاطمئنان على صحته، والسؤال عن صحة

لا يزال المصريون حتى الآن -الأمهات غالبًا- يعتقدون أن البطاطين تنفع للمستقبل

[الست حرمه] مكررًا ديباجة [غاية المراد من رب العباد]، ويخبره أنه يوم السبت الجاري الموافق 16 الشهر كانت الجلسة الأخيرة في قضية المنزل، حيث حكمت المحكمة بإخلاء الشقة للأخت الحاجة زينب]. لكننا لا نعرف أكثر عن تفاصيل القضية، ولا عن هوية الحاجة زينب.
ما أشبه الليلة بالبارحة
في خطاب بتاريخ 4 مارس 1961 على ورقة فولسكاب، يحوي معلومات عائلية من مرسي عبد العاطي إلى أخيه، يعلمه بأن [عزيز خطابه وصلهم من مدة] وأن سبب عدم الرد عليه في حينه أنهم كانوا منتظرين أن تضع أختهم سميحة ولدها، حيث إنها كانت على وشك

الوضع [ومكثنا منتظرين إلى اليوم الثاني من الشهر المبارك (رمضان) أعاده الله عليكم وعلينا أعوامًا متتالية باليمن والبركات إلى أن يشاء الله، وأخرج السيد عماد، إلى عالم الدنيا في الساعة 3:00 بعد ظهر الجمعة 17 فبراير 1961، في نفس تاريخ يوم عقد قراننا 17/2/1957… عزيزي الأستاذ مراد لقد أخبرني الأخوة والوالدة العزيزة بأنك تريد تسمية هذا المولود على اسمك الكريم فهذا الاسم مكتوب في قلوبنا، ولا يمكن أن ينساه أحد لأنه لأعز عزيز لدينا، ألا وهو أنت بارك الله لنا فيك وحفظك لنا ذخرًا ولا يمكن لأي مخلوق أن يحتل مكانتك في قلوبنا مهما كان شأنه فهذا الاسم محروس عليك وحدك

لم يطبق نظام الفتوة بمدارس البنات، مراد هنا في كنترول مراقبة الامتحانات مؤقتًا

لم يطبق نظام الفتوة بمدارس البنات، مراد هنا في كنترول مراقبة الامتحانات مؤقتًا

لا منافس فيه].
في رمضان من السنة التالية، وفي خطاب مكتوب على ورقة مستطيلة قصيرة كأنها اقتطعت من مفكرة، بتاريخ 13 فبراير 1962 تصدرتها جملة [رمضان كريم وكل عام وأنت بخير]، كتب الأستاذ عبد العاطي إلى ولده بخط واضح بقلم حبر، يعلمه فيه أنه تسلَّم في ذاك اليوم جوابه الأول بعد مغادرته القاهرة لغزة بعشرين يومًا، وفي نبرة عاتبة ساخرة [أشكرك جدًا على السؤال علينا بعد مدة 20 يومًا وبعدما أرسلنا لك خطابين]!
ثم يخبره أنه كان ينبغي عليه إرسال الشاي والبُن، ويرجوه عدم تأخير الخطابات لأنهم مشغولون عليه جدًا

في هذه الأيام الحرجة، وما أشبه الليلة بالبارحة [لأننا كل يوم نسمع بأن إسرائيل تريد الاستيلاء على غزة، وأظن هذا كفاية وأنت تعلم قلب الوالدين].
ثم يعود لنبرته الساخرة [أما من جهة أن خطابي لم يصل، فأنا أعرف أن الخطاب وصل، ويمكن كتابته مش على كيفك، لأني طلبت منك أن ترسل خطابًا لإحسان، والسلام].
لا ندري ما بين الأخوين إحسان ومراد قد يجعله ينزعج من طلب الوالد إرسال خطاب إليه، كل ما نعرفه أن إحسان كان متهمًا في قضية ما، وحكم له بالبراءة فيها حسبما أخبرته هدى زوجته وباركت له في خطاب وقعته بـ [أم حمادة] كانت تطلب منه فيه أن

يشتري لها فستان [في منتهى الجمال] أصغر مقاس، وفي الملحوظة خفيفة الظل [بخصوص الفستان الوزن 66 وسابقًا كان 68].
يرد خبر براءة إحسان في خطاب آخر أرسله أحد الأخوة استعصى توقيعه على التفسير؛ ربما فتحي أو مرسي، بتاريخ 5 يونيو 1962، يعلمه فيه بأن جلسة إحسان كانت في 3 يونيو 1962، وأنه ذهب هو [والوالد الكريم، والحمد لله حكم بالبراءة وطبعًا هذا يرجع لدعاء الوالدين جعلهم الله ذخرًا لنا].
في الثلاثاء 13 يناير 1962، أرسلت هدى لمراد خطابًا استهلته بتهنئته برمضان، ثم تبلغه أن صحتها في تقدم مستمر، (غالبًا بعد ولادة ابنها أيمن)، وتخبره بأنها

كان سؤال: إزي الصحة؟ على ألسنة المصريين حتى وقت قريب، واختفى لصالح جمل تبدو مترجمة..

سعيدة لأن أحد الزملاء سيقضي معه الإفطار والسحور [لأن الحِس على الحِس رحمة، وخصوصًا رمضان بيحب اللمة، والصحبة خير]، وتسأله أن ينتبه لصحته [فالصحة تاج على رؤوس الأصحاء]؛ وهي جملة كليشيه كانت تُكتب على الكراسات التي كانت وزارة التربية والتعليم توزعها على الطلبة حتى ثمانينيات القرن الماضي!
في 11 فبراير 1962 أرسلت هدى إلى مراد من منزل الهرم، عند الصوت والضوء مثلما ذكرت، خطابًا طويلاً بالحبر الأزرق، تبثه أشواقها، وأنها تود لو كانت معه لولا ابنهما [سيدي أيمن]، وتعلمه بأنها تسلمت خطابه وتأثرت بما فيه، وتنصحه على خلاف نصيحتها

في الخطاب السابق أن [يخليه لواحده (وفقًا لنطق سكان خط القنال لكلمة وحده) أحسن، لأن محدش يستريح مع حد، احنا لنا طبع لواحده ومعيشة، وفي الأكل شيء تاني وأنت عارف إن الناس جلدة (وهي مفردة اعتاد المصريون وصف البخلاء بها)، ودا شهر صيام، في داهية الفلوس اصرف وكُل اللي يعجبك من المطعم، واللي مش موجود عنده قل له يعمل مخصوص لك، ولا تسأل عن حد.. وبعد ذلك اخرج لأصحابك أو سينما أو نادي لغاية نص الليل واظبط المنبه على السحور وقوم اتسحر وهكذا..].
ثم تشدد عليه أن يأتي في رمضان يومين، وأن الأعمال المنزلية متعبة جدًا

ولازم حد يساعد خصوصًا أن صحتها الآن، بعد الإنجاب، مش زي الأول، [لا أتحمل أي مجهود ولن أفرط في صحتي بعد الآن، دي البيوت عايزة لها ناس من حديد وأسمنت وجبس]. وتنصحه أن يجد فرّاشًا ينظف له البيت أولا بأول [اوعا تعمل حاجة بنفسك أبدًا]. وتختتم خطابها بأن تطلب منه أن يسلم على نفسه كتير أوي، وتسأله [وازيها]. وأن يحضر معه حال الحضور إلى مصر صندلها الأبيض والبلوزات والجلاليب والقمصان الصيفي والبلوڤر الأسود الصوف [وبس]!
بتاريخ 4 مارس 1962 مرسل من القاهرة إلى حضرة المحترم الأستاذ مراد دام وحفظه الله من أخيه

كانت مفردة السرور والمسرة شائعة في الخمسينات والستينات، لكنها تكاد تختفي الآن..

عبد العاطي مرسي، يبدأ [بقبلات وفيرة وسلامات وتحيات وعيد سعيد وعمر مديد]، ثم يسأل عن صحته ويخبره أن العائلة بخير وسلام ولا ينقصها سوى [التمتع بحضورك طرفنا]. ثم يذكِّره أنه قال في خطابه إنه نازل يوم 15 مارس إن شاء الله [فرجائي الأشياء التي وعدتني بها لا تنساها، برجائي أن تحضر النضارة التي وعدتني بها، كم كنت أتمنى عندما حضرت بالقاهرة للمرة الأولى أن تجيبها معاك، ولكن ظروفك لا لم تسمح، وعشمي أن تحضرها لي، ولك مني جزيل الشكر، ولا أنسى هذا الجميل].
وإنه كثيرًا ما سمع أن هذه النظارة [مشهورة جدًا في غزة فعشمي أن

تدوَّر عليها وتجيبها معاك لو سمحت].
وفي 10 مايو 1964، يرسل سيد عبد العاطي خطابًا آخر إلى أخيه يشكره فيه على هديته، الساعة الچوفيال أم حجر، وفي الملحوظة يطلب إرسال أستيك ساعة [مثل أستيك ساعة إحسان، أريده عشان الساعه عريضة، ولك ألف شكر وهذه فكره بابا الحاج].
وفي خطاب بتاريخ 21 أبريل 1964 مرسل من الأستاذ مرسي عبد العاطي إلى أخيه، وبعد التحية الحارة والأشواق القلبية والمحبة الوفية، يخبره أن خطابه العزيز قد وصلهم [وحمدنا الباري على وصولكم بسلامة، كما أهنئكم بعيد الربيع شم النسيم أعاده الله عليكم وعلينا باليمن والبركات].

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

الرد سريعًا للاطمئنان على صحتكم أولاً بأول، وكأنه ليس في بلد أخرى.

لم تكن التهنئة بشم النسيم وقتها ممارسة وقتها تستدعي التردد، بل إنه هنا يتمنى من الله أن يعيده باليمن والبركات مثله مثل ما يقال مع بقية الأعياد الدينية!
ثم يخبره بأن الأخت سميحة ترجوه [عدم نسيان الفناجيل] ويشكره مقدمًا [إذا تكرمت أن تحضر معك عدد 2 كيلو بُن وكذا ربع أقة شاي، وأكون لك من الشاكرين]. والأقة، أو الأوقية، هي وحدة ميزان كان المصريون يستخدمونها آنذاك، وتساوي نحو 28.35 جرامًا.
في خطاب مؤرخ 14 يونيو 1962 على ورقة صغيرة مقتطعة من مفكرة، مرسلة من الأخ إحسان عبد العاطي إلى

أخيه العزيز، هذه المرة إلى عنوان مختلف؛ مدرسة الرملة الإعدادية للبنات بغزة (كنترول الإعدادية)، يخبره بعد تقديم فروض التحية والاحترام والسؤال عن الصحة أنه يكتب خطابه هذا ليطمئنه على أحوال حرمه هدى وعمته العزيزة، وأنهما بخير وبصحة جيدة [وكان موجودًا في هذا اليوم السيد الوالد طرفهم وطمأننا عليهم، وكل يوم بنطمئن عليهم، فكن مطمئن يا أخي العزيز، كما سبق أن كتبت إليك في الخطابات السابقة كأنك موجود بالضبط في القاهرة].
ثم [وتفكرك الست الوالدة ست الحبايب بأن لا تنسى أن تحضر إليها دبوس غامق...

لأن الدبوس الذي عندها مش بمقامها. وكذلك للأخت فوزية قماش مقلم عريض تقيل شويه مثل ما تقول، لكي تعملها فستان. وألا تنسى معك الزبيب وجوز الهند كي تأكل الرقاق المحشي بالزبيب وجوز الهند من يد الست الوالدة… وأخيرًا وهذا طلب الوالد ألا تنساه في البُن والشاي وكذلك السجاير… وألا تنساني في حاجاتي التي طلبتها منك وربنا ما يحرمنا منك].
وفي ملحوظة موقعة من الأب، كتبت بقلم أزرق مختلف عن الأسود الذي كتب به الخطاب [أكلت اليوم بمنزلك العامر حبوب العاشوراء وهذا للعلم. والدك المخلص عبد العاطي].

يُعلم الأستاذ عبد العاطي ولده بمستجدات يومية قد تبدو فائضة عن الحاجة، لكن تشي بسهولة إرسال الخطابات وتلقيها

المسافة صفر
في مظروف كتب عليه معسكر الفتوة بالمكس بالإسكندرية، من الأستاذ عبد العاطي يخبر فيه ابنه أنه تسلم الخطاب، ويطلب منه ألا ينسى الشاي والبُن [لأنه مزاج الست الوالدة]. وفي الملحوظة كتب أهم ما ينتظر أي ابن معرفته [اعلم يا ولدي بأن الست الوالدة راضية عنكم جميعًا].
وفي خطاب مرسل يوم 23 يونيو 1962 من السيد عبد العاطي إلى مراد يهنئه فيه بالمولودة الجديدة، بعد أن وضعت زوجته هدى بنتًا [ولا أحد يعلم بالخبر] بعد أن ذهب لزيارتهم في الهرم بالصدفة فعلم بأنهم في المستشفى، فذهب إليهم ومكث ساعتين،

ثم ذهب إلى منزل العائلة لإبلاغهم [لكي أنشر الخبر المبارك.. ففرحوا وذهبوا إلى المستشفى أمس]..
وفي الملحوظة [أملي كبير في حضور النضارة البيرسول أم حجم صغير "الأليطة"، ورجائي لا تنساها هذه المرة].
وبتاريخ 29 أكتوبر 1962، حسبما كتب في ختم مكتب البوستة، إذ خلا الجواب من التاريخ، كتب محفوظ عبد العاطي بخط بالغ الصغر إلى أخيه، وبعد السلام والمحبة يعلمه أنهم كانوا من كل قلوبهم يودون لو كان معهم في حفل خطوبة فتحي [لكي نزداد نورًا بنورك]، وأن تلغرافه وصل في أثناء الشبكة بالضبط، وكان له أثر كبير جدًا في نفوسهم.

يعتذر محفوظ عن عدم كتابته لكنه [معذور]، ويرجو أن يقبل عذره. ويخبره كأنه يزف بشرى أن هدى ابنته [دخلت الاتحاد القومي والحمد لله بقت عال]. وفي نهاية الخطاب يخاطب أخاه بنداء رسمي [السيد مراد، رجاء منك أن تهتم وتشوف لي بطانيتين لحسن الشتا دخل وكل عام وأنت طيب]. لم تخل الخطابات كذلك من تفاصيل النميمة والثرثرة وذكر الأحوال الشخصية بين الأخوات، مثلاً في جواب بتاريخ 17/11 62 مرسل من سوسن إلى أختها هدى [زوجة النقيب مراد] تخبرها أن رسالتها وصلتها منذ مدة طويلة، وأنها [متشكرة قوي] على السؤال، لكنها متأسفة لأنها لم تستطع الرد عليها مباشرة

حمل خطاب قصير مرسل من الأخت الحبيبة عايدة إلى السيدة الفاضلة والأخت الحبيبة هدى كل المحبة، هكذا بلا طلبات أو هدايا

[لأن بابا كان مريض جدًا وملازم الفراش حوالي شهر والدكاترة قالوا كلام عن إن المرارة ملتهبة والمغص كان شديد قوي ولازم أشعة وخلافه... أنتي عارفه بقى المرض..
ثم تخبرها بأن الخادمة [البت حميدة طلعت من عندنا، وأنت عارفة العيال في المدرسة والشغل بقى بجانب مرض بابا كل ذلك لم يترك لي وقتًا للكتابة فاعذريني يا هدى وبإذن الله سوف أراسلك باستمرار].
خطاب آخر إلى هدى غير مؤرخ على ورقة صغيرة مكتوب بقلم رصاص، ويبدأ بسم الله الرحمن الرحيم، تخبر فيه الراسلة صفاء أختها بعد التحية من قلب يود اللقاء على الدوام

والتحية المشتاقة أن [نينتك الحاجة بخير والحمد لله وما فيش حاجه حصلت لا قدر الله… ونينتك الحاجة تجلس معي كل يوم لغايه ما يحضر أحمد من الشغل، ونينتك الحاجة تقبلك من وجهك الجميل وتتمنى لك السعادة على الدوام..
لمزيد من التفاصيل [عزيزتي المحبوبة هدى سأنتقل من فيلا الضياء إلى منزل عبد الحميد لأن فيلا غاندي لا تنفع في الشتاء ببصلة، وأرجو الجواب الذي تبعتي به يصل إلى الفيلا باسمي لأني لا أعرف الشارع الذي يقع به منزل عبد الحميد اسمه إيه].
واستمرارًا لنميمة لم تتغير في طبيعة المجتمع، بشأن الحموات والعمات

خاتم مضبب وخاتم واضح يدعو الناس إلى بلطيم حيث الهدوء والجمال

خاتم مضبب وخاتم واضح يدعو الناس إلى بلطيم حيث الهدوء والجمال

[تعرفي يا هدى إن أم أحمد حماتي تركت المنزل هي ونبيلة وذهبوا إلى مصر (القاهرة) وتركوني أنا لوحدي في المنزل أخدم الأولاد لوحدي، وأمسح وأغسل من ثامن يوم السبوع، وأنا تعبانه جدًا لأني ما وجدتش الراحة التامة اللي كنت أتمناها مثل كل أم تضع].
وفي 14 أبريل 1963 تستقبل هدى خطابًا مكتوبًا على ورقة مقتطعة من كشكول سلك بالحبر الجاف، أرسلته أختها عزيزة (أم إسلام)، تخبرها بعد التحية والسلام، بأنها تبعث إليها بأخلص التهاني بمناسبة دخول التيار الكهربائي إلى مدينتهم التي أصبحت [قطعة من النهار]!

نعود لخطابات الأستاذ عبد العاطي الغزيرة، هذه المرة على ورقة صغيرة مستطيلة، مختصرًا كعادته، بتاريخ السبت 15 يونيو 1963 كتب على مظروفه [إذا لم يصل يُرد إلى العنوان التالي، عنوان العائلة في شارع الجيش] كتب الأستاذ عبد العاطي، بخطه الجميل الواضح، وبلغة فصيحة بها القليل من الأخطاء اللغوية [ولدي العزيز الأستاذ مراد دام، وصلني عزيز خطابك وكم كنت مشتاق لقراءة هذا الخطاب للاطمئنان عليك والست الوالدة وجميع أخواتك. للعلم شقيقك فتحي لم يرد على خطابي للآن ونحن في انتظار رد خطاباتي لنطمئن عليه والله الموفق… الرجاء يا ولدي أن لا تبخل

علينا بالخطابات للاطمئنان عليك لأنك تعلم بأن الست الوالدة تريد أن تطمئن عليك كل يوم].
وفي مظروف حوى خطابين صغيرين، أحدهما من الأستاذ عبد العاطي والآخر شقيق لم يوقع باسمه، بتاريخ 29 مايو 1963 يُعلمه الأب أنه توقف عن التدخين "الرجاء عدم إحضار سجاير معك لأني لن أدخن الآن، وأحضر معك أسبرين من الموجود داخل الشريط الإنجليزي لأن المرض رجع مرة أخرى إلى قدمي وتوجهت إلى الطبيب وعرفني بأن الدواء الوحيد هو الأسبرين والنوفالچين الإنجليزي ولا يوجد في القاهرة منه فإذا كان موجود في غزة الرجاء إحضاره مع الصندل البلاستيك].

كل يوم نسمع بأن إسرائيل تريد الاستيلاء على غزة، وأظن هذا كفاية وأنت تعلم قلب الوالدين

أما في خطاب مؤرخ بـ18 أكتوبر 1963 يخبر سيد مراد ألا يحمل هما من ناحية الأخوات الأغراء فوزية وعديلة (تكررت جملة الأخوات الأغراء في الإشارة إلى الأخوات البنات في خطابات أخرى) [فوزية الآن بقت ست بيت هايلة وأنا لسه واكل من إيديها سبانخ محترمة، أما عديلة فهي مجتهدة في مذاكرتها وربنا يحقق هدفها في الحياة].
وبعدها ثلاثة أيام فقط، الاثنين 21 أكتوبر 1963 يرسل الأستاذ عبد العاطي إلى ولده خطابًا يخبره فيه أنه مضت 15 يومًا منذ مغادرته القاهرة ولم يصله منه إلا خطاب واحد بالبريد وآخر تسليم يد ويتساءل [هل هذا يرضيك وأنت معك أعز ما لي في الوجود الست الوالدة]

التي كانت في زيارة إلى غزة، ويطلب منه أن يرسل إليه كل يوم خطابًا [وأنا أكون معك بالمثل وأطمئن عليكم، وأطمئنك أن ست البيت الآنسة فوزية تعمل بالمنزل جميع ما كانت تعمله الست الوالدة، وأنا مرتاح جدًا جدًا جدًا جدًا، ولكن أريد أن أطمئن عليكم باستمرار].
وفي الملحوظة [الرجاء توصيل سلامي إلى ست الحبايب وقبّلها من خديها بالأمر].
لا يتردد ولا يخجل الأستاذ عبد العاطي من التعبير عن مشاعره لزوجته المسافرة، وفي خطاب آخر يشاكسها مازحًا بأنه بخير ومرتاح جدًا جدًا [ولا يوجد طرفي بالمنزل معارض لأوامري والمنزل هادئ جدًا والحدق يفهم]!

ويكرر في خطاب لاحق بتاريخ 14 ديسمبر 1963 في ملحوظة بالحبر الأحمر [الرجاء أن تقبل الست الوالدة ست الحبايب لأنها وحشتني قوي.. وأن تحضر معك فانلتين صوف إنجليزي داخلي لأن البرد شديد جدًا هذا العام في القاهرة، والسن تقدم ويحتاج للصوف، ولا تنسى قماش البدلة والبالطو الجبردين والأقلام وأستيك الساعة، وفوزية تريد إيشارب جديد أبيض به ورد أحمر جميل..].
بقية تداعيات زيارة الست الوالدة إلى غزة نجدها في جواب السيدة خدوجة إلى أختها العزيزة السيدة أم محفوظ تبدأه كالعادة بالسؤال عنها وعن صحتها الغالية متمنية

لم تكن التهنئة بشم النسيم وقتها ممارسة تستدعي التردد، بل إنه يتمنى من الله أن يعيده باليمن والبركات مثل بقية الأعياد الدينية

أن تكون قد تحسنت، وتسأل عن صحة الأستاذ مراد [يا ست أم محفوظ أنت نورتي غزة كلها وهي أيضًا منورة بك وبالأستاذ العظيم… أعرفك بأني ذهبت إلى منزلكم العامر ووجدت أنك فايته فيه فراغ كبير جدًا، ولكن البركة في الموجودين. وأعرفك بأني لم أجد السيد عبد العاطي لأنه في العمل…]
.وفي الملحوظة [يا ست أم محفوظ أفكرك ثانيًا من غير تكليف بالفناجيل والصينية، بس الفناجيل يكون لونهم زاهي، واذا سمحتي أيضًا لو كان ممكن تشتري لي قميص أسود وقميص أبيض، أو أي لون آخر أكبر مقاس في الواسع، ولك عظيم الشكر، وتقبلي سلامي وشوقي العظيم وعودي إلى الوطن

العزيز أنت والأستاذ بألف سلامة].
أخيرًا تؤرخ هدى الخطابات
في خطاب أرّخته هدى على غير العادة، بتاريخ 28 ديسمبر 63 أخبرته فيها أنها أرسلت إليه برقية تهنئة بالمناسبة السعيده لعلها وصلت، وأن الجماعة البلطوه شرفوا (يعني بتوع بورسعيد بتوع البلطي) وأن عديلة حضرت يوم عيد النصر صباحًا وذهبت غروبًا، وتطلب منه أن يحضر معه ياميش رمضان وقمر الدين [ولا إيه]! وتختم [أكتفي بهذا القدر من الدردشة وتصبح على خير وإلى اللقاء.. حرمك هدى].
وفي يوم 22 منه، أي في مايو 1964، أرسلت هدى إلى مراد بعد السلامات والتحيات تسأله

كم مرة يمكننا كتابة العنوان الذي يبدأ هكذا: غزة الجديدة؟

كم مرة يمكننا كتابة العنوان الذي يبدأ هكذا: غزة الجديدة؟

[ازيك كده إن شاء الله مبسوط] وتخبره أنها متأسفة لعدم تمكنها من مكالمته [لأنني كنت طرفكم بالعباسية حيث إن والدتك طلبت من عمتك أن تحضر يوم عاشوراء عشان تعمل لهم عاشوراء يومئذ فذهبنا إلى منزلكم العامر يوم الخميس صباحًا وخالي قال إنه كلمك بالمدرسه وعرفك إننا سوف ننام عندهم، وأنا قلت يمكن أنت ما تتصلش بينا… ثم أنا مش هقدر أذهب إلى الهرم ظهرًا ثم أرجع ثانية إلى منزلكم في نفس اليوم عشان عمتك وأمل موجودين عندكم، فقلت فرصة تانية نبقى نتكلم].
وقَّعت هدى هذا الخطاب بأم أمل، التي كتبت على لسانها قبل أن تنهيه

[يلا تعالى قوام يا بابا وجيوبك مليانة فسدق وبندق وكحك].
ويبدو أن الأستاذ عبد العاطي مرسي قد ذهب لأداء فريضة الحج في عام 64، إذ كُتب على المظروف للمرة الأولى: الحاج عبد العاطي مرسي. وبتاريخ الجمعة 15 مايو 1964 سابع يوم بعد حضوره إلى القاهرة العامرة، يشكر فيها ولده الأستاذ مراد على إرساله تلغراف التهنئة بالعودة إلى أرض الوطن الحبيب، ويخبره أنه سبق له أن أرسل جوابًا من الأراضي الحجازية ويحكي عن سرقة نقوده والنظارة وعلاج السكر، ويطلب منه إحضار [نظارة بيرسول بدون زجاج داخل كيس من الجلد لأنه لا يمكنه القيادة دون نظارة،

والست الوالدة تطلب من سيادتكم حجارة للراديو]. وهي معلومات وطلبات ستتكرر بتفاصيل أكثر في خطاب الأربعاء 20 مايو 1964 الساعة 2:00 مساء. وفيه يخبر الحاج عبد العاطي ولده بأنه عزم على أن يتكلم معه في التليفون باكر إن شاء الله على عنوان المدرسة، ثم يشرح له ما أصاب قدمه في رحلة الحج [أعرفك بأن موضوع رجلي لا يوجد فيه جرح ولله الحمد الموضوع هو أني أثناء ما كنت أطوف في الكعبة وكان الرخام الموجود في أرضية الكعبة ملتهب من حرارة الشمس فلسع بطن رجلي من أسفل وبعد الطواف نزلت للشرب من زمزم وكانت رجلي ملتهبة من حرارة الشمس

أكلت اليوم بمنزلك العامر حبوب العاشوراء وهذا للعلم.. والدك المخلص عبد العاطي.

فدخلت في الماء، وبعد قليل التهبت قدمي وكانت في حالة انتفاخ، وبطن رجلي من أسفل أزرق وتوجهت إلى المستشفى للعلاج مدة أسبوع لكن بدون فائدة، وتصادف بعد أسبوع أثناء خروجي من المستشفى أن تقابلت مع الدكتور محمد حسن زايد فنادى علي، ولما عرفته ما حدث أرشدني بأن أستعمل كبسونة التيراميسين أربع مرات وكانت المرة 16 كبسونة بمبلغ 181 قرش زائد الڤيتامين بي كومبلكس، والحمد لله فشّ الورم ونشف الميكروب، لكن تأثير الزرقان موجود للآن ولكن بدون ألم وكان هذا الحادث هو سبب ارتباكي وعدم تمتعي. وأظن بأن هذا الحادث كان السبب

في ضياع الشنطة والنقود والنضارة وباقي علاجي، ولكن الحمد لله ربنا بدل شيء بشيء. الرجاء يا ولدي العزيز أن تحضر لي معك شمبر نظارة بيرسول يستحسن أن يكون من (الموضيل) السابق، إذا تيسر لك ويقوم بداخل كيس جلد، واعلم يا ولدي لأني لا يمكن أن أقود أي سيارة بدون نظاره لأن ذلك مثبوت في تصريح القيادة].
نعرف هنا أن الأستاذ عبد العاطي هو موظف حكومي لا يزال بالخدمة، لأنه يخبر ولده خاتمًا بأنه الآن بخير وإجازة الحج تنتهي يوم 28/5.
تكررت الإشارة إلى إصابة الوالد في الحجاز من الأخ إحسان في خطاب بتاريخ 20 مايو 1964 مصححًا أنها

ليست جرحًا بل ورم في بطن قدم الوالد [وانتهى وفش عند مجيئه إلى منزلنا العامر]. ويطلب منه إحضار ماكينة حلاقة چيليت وقاروسة أمواس تست، وكم دستة بطاريات [لأنه لا يوجد عندي بطاريات، وبشتري غالي من إدفو وأكون لك من الشاكرين..].
وفي 22 يناير 1964 أرسلت هدى إلى زوجها خطابًا قصيرًا جدًا [عزيزي مراد… رمضان كريم وكل عام وأنت بخير. منذ فترة طويلة لم يصل أي رسالة من طرفك إلا واحدة فتجدنا مشغولين جدًا عليك… الرجاء معرفة أسباب عدم الإرسال… لقد أرسلت لك كارت معايدة].
كتبت هدى التي اعتادت ألا تكتب

تنتهي الخطابات التي لدينا، وتقدم حياة كأنها شبه كاملة، وربما طبعًا توجد غيرها ولم تصلنا

التاريخ في خطاباتها، بقلم فلوماستر أحمر على المظروف: النقيب مراد عبد العاطي أستاذ الفلسفة بمدرسة الزهراء الثانوية، (التعريف الذي تكرر على كل الخطابات المرسلة إليه في عام 1964)، الهرم 16 منه، (أي 16 أبريل 1964 مثلما عرفنا من خاتم البوستة) وتخاطبه [عزيزي مراد السلامات والقبلات على أن تصلك وأنت مطمن كده وبخير] وتحكي أن ابنتهم أمل الأمورة السهرانة طول النهار نايمة وبالليل تصهلل زي أبوها تمام لما اتفتح تبقى عينيها شكل الأرانب. وختامًا ترجوه ألا ينسى ما قالت له عليه!
قائمة طلبات أخرى تواجهنا في جواب غير مؤرخ من هدى يبدأ بالجملة التالية

غزة فقط.. بلا طابع بوستة

غزة فقط.. بلا طابع بوستة

[الأهرام 16 منه] عرفنا من المظروف أنه منه تعود على يونيو 64.
قبل أن تبدأ بملحوظة [الرجاء لا تنسى زنوبه أمل وماء غريب أربع زجاجات]. وتختم: مراد أنا عايزة ستيان أسود أو أي لون سكسي وأضافت للقائمة:"ومتر نايلون ستان أبيض سادة ومتر نايلون ستان أصفر فاتح، وفساتين لأمل وإلى اللقاء..].
هنا تنتهي الخطابات التي لدينا، وتقدم حياة كأنها شبه كاملة، وربما طبعًا توجد غيرها ولم تصلنا، مرسلة من المنزل العامر بالعباسية في مصر، أو من السيدة زينب، أو من الهرم، إلى قطاع غزة وبالعكس، لنجد أنفسنا أمام كمية لا نهائية من التفاصيل

التي لا تخص فقط أفراد عائلة مصرية مترابطة حريصة على دوام تواصل يصل إلى التراسل أكثر من مرة أسبوعيًّا، بل تؤرخ لكثير من أحوال المجتمع، وتفتح نافذة على عادات واهتمامات وآمال وتوجهات اجتماعية واقتصادية، وسياسية بالطبع، فرضتها ظروف المنطقة المضطربة دائمًا، والقطاع الذي لم يغادره القلق والتهديدات ولا المصير الغامض حتى هذه اللحظة.

اقرأ أيضاً

نجيب سرور  وصل مبكراً للمنطقة الخطر

نجيب سرور  وصل مبكراً للمنطقة الخطر

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

رسالة من المغنية إلى زعيمة النسوية

رسالة من المغنية إلى زعيمة النسوية