كيف حكت أمينة رشيد عن حياتها

ذاك الهروب الملهم

كيف حكت أمينة رشيد عن حياتها

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

هنا تحكي أمينة رشيد عن حياتها منذ البداية في بيت الجد إسماعيل صدقي مهندس الديكتاتورية المصرية، ثم الحياة التي اختارتها في الجامعة والنضال والحب..

نشرت مجلة الهلال في عددين متتاليين، أبريل ومايو ٢٠٠٢، في باب “التكوين”، ما حكته أمينة رشيد عن رحلتها، وفيه إشارة مذهلة إلى الأثر الذي تركته السنوات الأولى على وعيها، لم تتحدث فقط عما وصلت إليه، بل عما بدأت به وغادرته، في هروب متواصل للاندماج مع عالمها المفضل. لم يكن هذا الهروب إلى "ماكيت" من ماكيتات تقدمها الآيديولوجيا للزائرين، ولا إلى مسرح تستعرض فيه بطولات التمرد على طبقتها الأرستقراطية، أو مداواتها للفصام بين ثقافتين عربية وفرنسية، وموقعين، الأكاديمية والمناضلة الثقافية والسياسية، وعالمين سري وعائلي..

في حكيها لم تحول العالم الذي تهرب منه إلى أرض ملعونة، كما لم تعتبر تجربة عبورها إلى الضفة الأخرى، دخولاً إلى الجنة..
حكت أمينة حفيدة “مؤسس الديكتاتورية الحديثة في مصر“، كما أطلق على إسماعيل صدقي الذي كلما قرأت عنه اكتشفت أن له بصمة في كل تفصيلة من تفصيل البناء المجهز للديكتاتورية، من الملكية إلى الجمهورية. بصمات جد تلك السيدة موجودة على كل طوبة في بناء الاستبداد، وهي المتمردة المحبة المتحررة من كل انتماء أو قيد يحرمها من المحبة. 

نشأت في بيت كبير بحي حلمية الزيتون أصبح الآن "مدرسة أمون"، أحتفظ بالكثير من الذكريات الجميلة لهذا البيت..

أمينة هي الإلهام دون دون بطولة، أو دون تسلق لمسرح الاستعراض الكبير، تتسلل بكل عذوبة لتطبع وجودها سواء كان في جلسة حميمة بين أصدقاء، أو في نشاط يدافع عن أفكار أو يحتج على فرض الأمر الواقع أقدار محكمة..
اخترنا للغلاف صورة تجمع بين أمينة طفلةً مع أمها خديجة صدقي، وهما ينظران إلى هذا العالم البعيد عن القصور والطبقات الحائرة خلف جدرانها، الذي كانت خديجة تتوق إليه، بينما ذهبت إليه أمينة بكامل وعيها وقدرتها على الحب بلا حدود.

وائل

جذور الحزن والشعور بالوحدة
ولدتُ أول يناير عام ١٩٣٨ونشأت في بيت كبير بحي حلمية الزيتون أصبح الآن "مدرسة أمون"، أحتفظ بالكثير من الذكريات الجميلة لهذا البيت، لكن أيضًلا أكثرها قسوة، ظننت أنني استطعت أن أهرب منه، لكن مع مرور الزمن، أكثر فأكثر، أجده محفورًا بداخلي. كان البيت محاطًا بحديقة واسعة مليئة بالشجر العالي وبكل أنواع الزهور، ومغطاة بنجيل كنا نجري على خضرته ونلعب "الاستغماية" أنا وأمين، ابن خالتي بهية، كانت فوزية أخته، تكبرنا بست سنوات، وأخته الأخرى ملك وأخي إسماعيل، أصغر منا بأربعة أعوام

 أمينة رشيد.. تصوير داليا السجيني

أمينة رشيد.. تصوير داليا السجيني

نتجاهلهم جميعًا، أو يتجاهلوننا. ونعتبر بيت حلمية الزيتون خاصة حديقته، مملكتنا الرائعة. كانت تسكن البيت أسرتان، أو ثلاثة، أمي خديجة وأبى، إبراهيم رشيد، ونحن، خالتي بهية وزوجها وأولادهما، خالتي أمينة المطلقة بمفردها، لكنها بصخبها الدائم ومرحها أحيانًا، تكون أسرة بأكملها، أو بمعني أصح تكون عالمًا له ملامحه المميزة،‏ وكانت الأمهات الثلاثة: خديجة وأمينة وبهية. في مجتمعنا الذكوري آنذاك (وربما حتى الآن!) كنت أشعر أننا نعيش منحدرين من سلالة نسائية، فأمي وخالاتي ‏بنات إسماعيل صدقي، وكان هو صاحب ‏بيت حلمية الزيتون 

وأعاره لنا، وربما (رمزيًّا) صاحب مصير كل الذين يعيشون تحت سقفه، ولكن في الواقع كان الثلاثي النسائي يتحكم في كل تفاصيل الحياة، فالرجال يخرجون في الصباح إلى أعمالهم، والنساء أيضًا يخرجن إلى ممارستهن للعمل الخيري في "مبرة محمد علي"، أمينة بحماس شديد، وخديجة بوفاء هادئ، وبهية بالتبعية لأخواتها فيما أظن!
‏كان البيت منقسمًا إلى جناحين. جناح «الكبار» حيث يسكن أبي وأمي وخالتي بهية وزوجها، وجناح «الصغار»المخصص لنا ولخالتي أمينة. وربما غذت  هذه التقسيمة في نفسيتي الحزن والشعور بالوحدة اللذين لازما طفولتي بأكملها..

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

المقال من مجلة الهلال عددي أبريل ومايو ٢٠٠٢، في باب التكوين.. الصورة من أرشيف المجلات 

لم تكن لي علاقة مباشرة مع أمي، كانت شغالة سودانية، دادا زينب، ثم مربية نمساوية، فرو لاين متسي، تشرفان على أموري من تغذية واستحمام إلى دروس المدرسة وبعض النزهات، وكنت أزور أمي في جناح الكبار. مرة أو بالكثير مرتين في اليوم، تقبلني محتفظة بمسافة، تتفحص نظافة ثوبي وكيه، ضفيرة شعري الذي كان ناعمًا، كستنائي اللون وجميلاً، تنظر إلى دفتر درجات الأسبوع، وتفخر بي، إذ كانت في الغالب جيدة، فأشعر أنني لعبة، عروسة كاملة الملامح، أرضي من حولي، ولم يفهم أي منهم كم من الشجن المبكر كنت أخزنه بداخلي. أما أبي فكان إله طفولتي. لم يكن يهتم  

بأمور التربية السليمة، بل يسرع إلى جناح الصغار تو عودته من عمله، مشعًا فرحة بي، يداه مليئتان بالهدايا والحلويات. يحملني ويحضنني، ثم يتركني محبطة إلى عالمنا من الأطفال والخادمات والمربيات، كانت خالتي بهية الوحيدة التي تزورنا بانتظام، تجلس معنا.. وتقرأ لنا قصصا وتحكي الحكايات، لن أنسى أبدًا هذه اللحظات ولا الفرحة التي دخلت في حياتي من خلال روايات الآخرين، ينفتح عالم جديد في خيالي، وربما العالم الحقيقي الذي جعلني أنظر إلى واقعنا على أنه واقع زائف، فاتر وبلا معنى، وحفزتني قصص خالتي بهية إلى تعلم القراءة

بسرعة لأستطيع القراءة بمفردي، ومنذ هذا الزمن استمرت الكتب في حياتي فرحتي وملاذي، معلمي وصديقي، لا تتركني أبدًا إلا في بعض لحظات اليأس المطلق. أما أمينة فحكاية هي نفسها. تزوجت من أمير ينتمي للأسرة المالكة واكتشفت بعد سنة أو سنتين أنه "مثلي" تزوجها طمعًا لأنها ابنة إسماعيل صدقي. سمعته يومًا يقول لصديق يسأله إذا وفق في الزيجة الثرية التي يتمناها: غني إيه؟ قالوا عليه استفاد من بناء كورنيش الإسكندرية واغتنى، لكن دول مجانين وبيرموا فلوسهم من الشبابيك! فطلبت الطلاق وعاشت معنا في البيت الكبير. كانت جميلة ومندفعة،

أشعر أحيانًا أن هذا التناقض بين القصر وفقر الجيرة عشش داخلي في وجع لازمني منذ الطفولة..

خفيفة الدم وسليطة اللسان، انغرست في العمل الخيري مواجهة تفاصيله الإدارية، وإنهاك سفرياته المنتظمة للصعيد، وأحيانًا مخاطره! فعندما غزت الكوليرا مصر، جابت قري الصعيد مع فرقة أطباء وممرضات لتطعيم أهلها بلا خوف من العدوى الممكنة، وفي أسيوط أيضًا تعرفت على الشاعر عزيز أباظة الذي كان وقتها محافظًا وتزوجته، ومع أنها كانت «مزعجة» بمعنى من المعاني، تتدخل في تربيتنا تدخلاً صارمًا مهددة ليبرالية خديجة وبهية، عندما تركتنا لتتزوج بكيت كثيرًا!
كانت لي صديقة وراء سور حديقتنا الرائعة لعبت دورًا في كسر الطبقية

الشديدة التي تعم حياة البيت الكبير. اسمها ماري؛ ابنة بالتبني لنجار وخياطة يونانية يسكنان بجوارنا، وكانت بالفعل جنة حديقتنا محاطة بالبيوت الشعبية، وتقع على شارع «شارع دار السعادة»، وأشعر أحيانًا أن هذا التناقض بين القصر وفقر الجيرة عشش داخلي وجعًا لازمني منذ الطفولة.. وكان بيت النجار في الحقيقة كوخًا، يجمع أفراد الأسرة الثلاثة بغرفة واحدة بها كل شيء آلات النجارة وآلة الحياكة والسرير الواسع، كانت روائح كريهة تشارك حياة سكان البيت لم أستطع أن أميز بينها روائح طبيخ، عن رائحة ملابس عطنة ورطوبة تنبثق من الأرض، ولحم قطط ميتة! 

كانت أمي تسمح لي بزيارة ماري، رغم اعتراض أمينة وصمت بهية، لكن لم يكن لي حق دعوتها لأعياد ميلادي كما لم يُسمح لي بدعوة صديقات المدرسة (مانعرفش أصلهم ولا فصلهم!) كان يدعى أولاد أصدقائهم من الطبقات العليا الذين لم أشعر بأي انتماء إليهم، بينما أحببت ماري وأحبتني. لم يكن الأمير زوج أمينة الأول مخطئًا تمامًا عندما قال إن أسرتنا ترمي الفلوس من الشبابيك! كنا ننفق كثيرًا أنفسنا وعلى الآخرين (منطق الأسرة ضرورة الاهتمام بالفقراء، وتفادي صداقتهم والظهور معهم في الحياة الاجتماعية) لكن أمي كانت تخرق هذه القاعدة أحيانًا . 

عندما سقطت الوزارة بعد اتفاقية صدقي/ بيفن، وانزعجت من غضب أهلنا، شرح لي جدي بابتسامته الدائمة، أنه قدم لشعبه ما رآه صحيحًا..

أتذكر أن جدي أعطي يومًا لبناته تذكرة «لوج» في الأوبرا (لم يكن يحب الخروج مساءً) فدعت أمي صديقاتها المتواضعات الأصل. فاحتجت أمينة،‏ إزاي تعزمي أصحابك الجرابيع في لوج رئيس الوزراء فكان ردها: لأن أصحابي التانيين بيروحوا الأوبرا عادي لكن دول لأ! وتأثر جدي بهذا الرد البسيط، الصادق، لابنته الكبرى، وربما المفضلة، رغم عشق أمينة له.
ديمقراطية جدي الديكتاتور
تعلمت من جدي الذي عرفته الحياة العامة دكتاتورًا طاغيًا، بعض الدروس في الديمقراطية! فكان يجيد العلاقة بنا، نحن الأطفال. لم يهتم بنا كثيرًا، لكن

عندما ينتبه لوجودنا كان يستطيع أن يحدث فينا الإنسان لا الطفل الظريف أو المزعج، كما كانت تفعل أسرتنا في الحياة اليومية. يكلمنا بمنطق الكبار، يأخذني إلى الحديقة ويشرح لي طبيعة الشجر والزهور، يأخذني في «العزبة» ونذهب معًا لنرى الفلاحات يجمعن العنب في أقفاص ويشرح لي معاني أغانيهن التي كانت تسعده كثيرًا، وعندما سقطت الوزارة بعد اتفاقية صدقي/ بيفن، وانزعجت من غضب أهلنا، شرح لي بابتسامته الدائمة، أنه قدم لشعبه ما رآه صحيحًا، ورفضه الناس، وسوف يعود إلى حياته الهادئة، مستغنيًا عن وجع القلب!

أمينة في الجامعة..

أمينة في الجامعة..

وعندما انتمى محمد سيد أحمد (متسو) ابن خال أمي للحركة الشيوعية، في فترة اختبائه ولم يكن أحد يعرف مكانه. سمعت هذا الحديث بينه وبين وحيدة. أم متسو، كانت تبكي، سألها لماذا. قالت لخوفها عليه. وأجاب: دا معناه إن ابنك راجل! استغربت أن يأتي هذا منه. القامع الأعلى للشيوعيين والمتظاهرين والمناضلين عامة "أنا مش شايف إن الشيوعية صالحة لمصر. لكن شابًا مستعدًا لأن يموت لأفكاره في سن العشرين في يوم هايكون راجل" أما أنا، فأحبني حبًا خاصًا، وأعجب بحسن أخلاقي، ونجاحي في الدراسة، يراني ذكية وجميلة.

 وفي يوم كنت في سن العاشرة تقريبًا، كان ينظر لي بحزن، فسألته أمينة لماذا. فأجابها: لأني خايف عليها، هايكلوها! لم يكمل، ولم يفهم أحد ما كان يعني، لكن بعد ذلك بسنوات، عندما انتميت لليسار، وللشيوعية خاصة، رأت أسرتي في جملة جدي تنبؤا!
انفصام ثقافي
كان انفصام آخر يميز أسرتنا وربما طبقة ملاك الأرض بأكملها: الانفصام اللغوي بين العربية والفرنسية، النساء في البيت، باستثناء بعض الجمل التي أشرت إليها، وباستثناء الكلام في السياسة، يتحدثن بالفرنسية وهي ليست فقط لغة الكلام، بل الثقافة والتاريخ، والموضة والفن.

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

أمينة في نزهة نيلية..

كنت أسمع عن مأساة ماري، أنطوانيت ولويس السادس عشر، أو عن منفى نابليون في سانت هيلانة، ولا أعرف شيئًا عن التاريخ العربي، أسمع أغاني إيديت بياف وإيڤ مونتان، وعندما يسمح لأبي بأن يستمع لأم كلثوم في سهرة الخميس، كانت النساء لا يخفين نفورهن!
وحدث أن غنت أم كلثوم ببيتنا (كانت صديقة للأسرة)، فنامت بهية على كرسيها ولم تفلت من سخرية الست: كده يا بهية. أنا أغني وأنتِ تنامي! كانت السياسة جزءًا عضويًّا من حياة بيتنا، تهم الرجال والنساء معًا. وكنت آنذاك أكرهها، أسمع أسماء تتكرر، النقراشي، النحاس، حافظ عفيفي،

وغيرهم، تدور حولهم كثير من الحواديت، وأحيانًا مآسي كاغتيال النقراشي، ولم أفهم قط ما القضية، وبين السياسة والمبرة والسهرات شبه الليلية، في الخارج أو في بيتنا، بين النمائم حول حياة السرايا وحياة كبار الأسرة الإقطاعية، افتقدت دفء الأسرة وحميميتها، واعتقدت من القصص والروايات أنها موجودة عند الفقراء، فمجدت الشعب قبل أن يدخل حياتي أي وعي سياسي. حلمت بكوخ يجمعني بأم تضمني وتجفف دموعي، نجلس معًا تحت مصباح مائدة الطعام تشرف على واجباتي، وتطهو بيديها حساء الأمسيات الباردة. وأجد نفسي وحيدة

بغرفتي الجميلة ذات الأثاث الفستقي، يسمح لي بالقراءة في سريري بعد إطفاء النو، ربما علاجًا للفزع الذي ينتابني مع غروب الشمس وتقدم الليل، هل كانت هذه المشاعر أولى بذور انتمائي لبيئاتنا الشعبية من برجوازية صغيرة وريف، ونفوري حتى الآن من كل مظاهر الوصولية والتسلق الطبقي؟
أتذكر حدثًا كان علامة في طريق ابتعادي التدريجي عن مناخ بيتنا، سُمح لنا نحن الأطفال، أن نشهد من شرفة علوية سهرة موسيقية ليلية أقيمت في حديقة البيت، وسط الحديقة مساحة مبلطة للرقص، وحولها موائد مربعة للجلوس والعشاء وفي الخلفية

كنت أفتقد دفء الأسرة وحميميتها، وأعتقد من القصص والروايات أنها موجودة عند الفقراء!

بوفيه فخم بلا شك، وفجأة رأيت ضمن الراقصين أبي يرقص مع فاتنة شقراء، عارية الظهر في ثوبها الأنيق، لا أعرف لماذا ذعرت من هذا المشهد، كنت في الخامسة من عمري ولا أعرف شيئًا عن العلاقات بين الرجال والمرأة، ووجدت نفسي، ووجدني من حولي، أصرخ وأبكي وأحتج: لماذا يرقص أبي مع هذه الفاتنة. (في الغالب يحضنها)، ولا يرقص مع أمي؟ قامت أمي من مائدة كانت جالسة بجوارها، لتأتي وتشرح لي سلوك السهرات الراقصة: لا ينبغي أن يرقص الأزواج معًا، بل من اللائق أن يدعو كل رجل امرأة أخرى للرقص. لا أظن أنني اقتنعت بهذا المنطق، بل أراحني صوت

أمي الجميل وعيونها العسلية التي تبرق فيها أشعة من الذهب، لم أفهم في تلك الأيام أنها كانت هي أيضًا مغتربة في سلوك بيئتها، تحب البساطة والتواضع، لكنها لا تريد أبدًا الاعتراض على ما يحدث حولها وتحاول دائمًا أن ترضي الجميع.
حادثة أخرى أكثر خطورة أثرت فيَّ كثيرًا، في العاشرة من عمري. أو حول ذلك بقليل. أهلي أعطوا فرولاين متسي، مربيتي النمساوية، إسورة من الذهب بمناسبة عيد ميلادي، وفي حفلة الغداء في الحديقة أيضًا، لعبت متسي بإسورتها مع قط كان يتقافز حولها. استطاع القط أن يخطف الإسورة ويهرب، انزعجت

متسي وأزعجت الجميع، فشرع الكل في البحث عن القط الذي اختفي ولم يعد، وكان الشك أن أحد خادمي البيت وجده وسرق الإسورة، أتت الشرطة لتحقق في الحادث، وجاءت بكلب بوليسي ضخم وشرس، ورأيت كل خدم البيت، 15 تقريبًا، مصطفين ومقرفصين في الحديقة، والكلب ينتقل من الواحد لآخر، وأحيانًا يمسك بجلبابه ويمزقه، كنت مذهولة، أسرتي في الغالب طيبة مع الخدم، تسميهم الـ«عيلة»‏ وتهتم بشؤونهم وشؤون أسرهم، أما هذا المشهد فوجدته مهينًا ومؤلمًا! وتحولت القصة ‏بعد ذلك إلى حدث سياسي، إذ تناولته مجلة «روز اليوسف» في إطار

اقتربت مني مجموعة تلميذات ورمتني بالحجارة متهمة جدي بالخيانة، وشعرت بإحساس مبهم بأن التلميذة التي تتصدر المجموعة على حق..

حملتها ضد النظام، مثلاً على بذخ بيت إسماعيل صدقي حيث يعطي الذهب لمربيات الأطفال، وتلعب القطط بالسلاسل الذهبية بينما الفقر يعم البلاد. وأتذكر للآن الكاريكاتور الذي يصور متسي تلاعب القط بالإسورة!
فترة النضال الوطني ‎⁨
كانت في هذه الفترة، بين ١٩٤٧ ١٩٥٢، الحركة الوطنية والاجتماعية، في أوج عنفوانها. المظاهرات تملأ البلاد، وكثيرًا ما كانت إدارة مدرسة الليسيه الفرنسية بمصر الجديدة، مدرستي، تعيدنا إلى منزلنا قبل اكتمال اليوم. أسمع الشارع يهتف: الاستقلال التام أو الموت الزؤام.. وأشعر أن أحداثًا مهمة تجري لم أفهم

كل دلالاتها، وفي يوم مشمس في حوش المدرسة، كنت كعادتي منفردة بإحدى صديقاتي، لم أكن أحب الألعاب الجماعية، اقتربت مني مجموعة من التلميذات ورمتني بالحجارة متهمة جدي بالخيانة، تألمت كثيرًا ليس فقط لما جرى، فشعرت بإحساس مبهم بأن التلميذة التي تتصدر المجموعة على حق، وأن صوتها يتماثل مع صوت الشارع منافيًا لكل ما يقال في بيتنا. منذ هذا الحدث دخل في حياتي هذا الشعور بالذنب الذي استمر يلازمني. في هذه الأثناء سقطت وزارة إسماعيل صدقي، وماتت جدتي، وأظهر جدي زوجته الثانية، ثم قرر السكن في بيت حلمية

‎⁨ خبر المصور 1930 عن الاعتداء على إسماعيل صدقي ⁩  

‎⁨ خبر المصور 1930 عن الاعتداء على إسماعيل صدقي ⁩  

حلمية الزيتون مع سونيا، وبناء عمارة على أرض الزمالك مكان الفيلا التي سكنها مع جدتي، هذا المشروع الذي كانت ترفضه تمامًا، وبعد سنة من التشتت بين سكننا أنا وأخي مع جدي وزوجته الثانية، بينما استقر أبي وأمي مؤقتًا في فندق «متروبوليتان»، (كوزموبوليتان، الأن) انتقلنا للزمالك في شقة من شقق كرسها جدي لأبنائه وبناته، تركت الحديقة الرائعة وسافر أمين، ابن خالتي، رفيق الطفولة، مع أهله للخارج (كان علي مرعي زوج بهية يعمل في السلك الدبلوماسي)، دخلت في سن المراهقة، وتغيرت حياتي تمامًا. 
في الزمالك، من شرفتنا المطلة على النيل،

كانت أسمع عن قتال الفدائيين في منطقة القناة، ومن الزمالك أيضًا شهدت لهب حريق القاهرة. بدأت متابعة الأخبار، من بعيد لحد ما. فكانت القراءة ما زالت تشغل كل أوقات فراغي، أصنع شرنقة تحميني من توترات الخارج والداخل: في الخارج يشتد الصراع الوطني والطبقي، وفي الداخل يصعد القلق أمام التغيير الحتمي، وتصعد أيضًا المشاجرات بين أبي وأمي، هو ينفق بلا مبالاة وهي مسؤولة لأبعد الحدود، يشتري ملابس وهدايا، وينفق على سهرات، وهي تعيش بين المبرة وأخواتها، تلبس نفس الثوب على مدى الفصول، لا تبكي 

أبدًا، وعندما يقتحمها الحزن، أرى ذقنها ترتعش وعينيها الجميلتين ترغرغان بلا دموع.
اليسار كان اختياري الصعب
تدريجيًّا تشكل عالمي المستقل، صداقات حميمية في المدرسة: ثم في الكلية، ليلي الفار وهناء موسى، نهي الروبي، وڤيڤيان هراري، ثم سهير عبد الوهاب، رحمها الله، سيزا قاسم ووحيد النقاش، وموازيًا لهم انتميت للجزء اليساري من أسرتي ودخلت في العمل السري، أترجم منشورات، أخفي كتبًا وكتابات، أشتري تذكرة طائرة لرفيق، سيستبدلها فيما بعد للسفر إلى دمشق، أسهم في إخفاء إنجي أفلاطون، أشعر

اشتركت في تظاهرتين في الجامعة، الأولى احتجاجًا على إقالة النابلسي، الوزير الوطني في الأردن، والثانية رفضًا لتعذيب المستوطنين الفرنسيين لجميلة بوحيرد..

بفخر وسعادة، إذا كنت أسهم فيبناء عالم جديد وتغيير قيم، أحلم بالمساواة بين البشر، أحب الاستراتيجية وأنفر من التكتيك! وتنتابني لحظات الرعب، فلا أنسي أبدًا شتاء ١٩٥٩ القارس، شتاء اعتقال الشيوعيين وبداية الحملة الوحشية ضد اليسار، الأتوبيس الفارغ في أنصاف الليالي وأنا أقوم بمهامي السرية ولا أعرف إذا كنت أرتعش من البرد أو الخوف. عندما قامت حركة الضباط الأحرار، أو ثورة ٥٢ كما سميت، كنت على وشك إنهاء دراستي الثانوية، في ١٩٥٤، في بداية 1954 أيضًا قررت الانتماء للماركسية، منهجًا للثورة والحياة، لم أنم في ليلة اختياري هذا! 

ما زلت أتذكر تاريخه: 3 مارس 1954، كانت أوضاع أسرتي قد تدهورت نتيجة للإصلاح الزراعي، وخاصة وضع أبي وأمي، إذ لم تكن لأبي ملكية خاصة أو عمل ثابت مثل زوجي أمينة وبهية، وانقسمت حياتي مجددًا لنصفين: نصف سعيد بوعد التغيير، ونصف يشاهد انهيار من أحبهم، وبصراحة كان انتمائي الأساسي للنصف الأول، رغم المثل التي أعطته لي شجاعة أمي وتحملها لكل الظروف السيئة التي مرت بها، ولا أنسي جملتها في وسط معاناتها "إحنا استفدنا كتير والناس في بلدنا مظلومة" هل استفادت الناس حقًا بعد ذلك؟ في دراستي الجامعية عشت إحباطًا آخر:

إلغاء الحريات رغم إنجازات «الثورة»، اشتركت في تظاهرتين في الجامعة، الأولى احتجاجًا على إقالة النابلسي، الوزير الوطني في الأردن، والثانية رفضًا لتعذيب المستوطنين الفرنسيين لجميلة بوحيرد، المناضلة الجزائرية، كانت حكومتنا مع القضيتين ومع ذلك قمعت التظاهرتين وفصلت بعض قادتهما من الجامعة لسنة أو سنتين. لا أتذكر، وعندما حدثت حركة مطاردة اليسار في ٥٩، فقدت ثقتي تمامًا بثورية النظام الذي لم أفهم إنجازاته إلا بعد بسنوات، عندما حدثت الانهيارات الأخرى. كيف أنسى وطني؟ ورغم نشاطي الذي استمر سريًّا، عينت في جامعة القاهرة: مدرسة

انقطعت لمدة عن كل شيء لأندمج في الدراسة، تاركة من ورائي نضالي وحزن أمي وأبي المعتقل!

لغة بقسم اللغة الفرنسية وآدابها الذي ما زلت أعمل فيه حتى الآن. وفي ١٩٦١ حصلت على بعثة للدكتوراه في باريس. انقطعت لمدة عن كل هذا لأندمج في الدراسة، تاركة ورائي نضالي وحزن أمي وأبي المعتقل في قضية جاسوسية، (وربما كانت تهمته الأساسية أنه زوج لابنة إسماعيل صدقي)، وأخي إسماعيل الذي تحمل بمفرده كل متاعب أبوينا رغم صغر سنه آنذاك، تركت أصحابي، وما زلت أتذكر بكاء سيزا قاسم في المطار وهي تودعني مع أصدقاء الدراسة (الآخرون كانوا في السجون!) وبعد سنوات من الابتعاد جاءني كارت عتاب من وحيد النقاش، هل نسيت هذا البلد

الذي كنت تحبينه؟ ولم أبعث له الجواب المخزون في كياني: كيف أنساه، يا وحيد، وهو محفور بداخلي؟
باريس الكئيبة
وصلت باريس في نهاية أكتوبر 1961. لم أشعر مثل د. محمد حسين هيكل ببهجة اكتشاف مدينة الحرية كما وصفها في مذكراته! صحيح أني لم أصل عشية حفلات ذكرى الثورة الفرنسية في 14‏ يوليو مثله، حين يرقص الفرنسيون في الشوارع! وصلت في جو كئيب، أمطار خفيفة ومطاردة الجزائريين وأنصارهم من عرب وفرنسيين وغيرهم. في نهايات حرب التحرير الجزائرية. كانت العنصرية، وكان الرعب في أوجه وربما

أمينة رشيد أمام السربون

أمينة رشيد أمام السربون

كنت أحمل بداخلي رعب مصر والمطاردات التي شهدتها قبل سفري، فانتابني شعور قاس بالغربة والوحدة منعني من الاستمتاع بشهوري الأولى في باريس. ومع ذلك، استرددت ما تبقى لدي من شجاعة لأدخل في إجراءات تسجيلي للدكتوراه. كانت ثقافتي العربية ضئيلة -كما قلت- ومعرفتي باللغة العربية ضعيفة، لم أكن قرأت بالعربية إلا روايات (عودة الروح وزقاق المدق وحديث عيسى بن هشام ودعاء الكروان) في السنة الرابعة لليسانس، في محاضرات اللغة العربية مع د. عبد الحميد يونس، إلى جانب المنشورات السياسية التي جعلتني أفهم المراحل 

المهمة لتارِيخنا الحديث، لكنها لم تساعد كثيرًا في التعلم السليم للغة العربية! فقررت منذ البداية، وحتى قبل سفري أن أعمل في مجال الأدب المقارن، بتشجيع من د. مؤنس طه حسين، أحد أساتذتي في قسم اللغة الفرنسية، وكان قد عانى من نفس المشكلة. توجهت فور وصولي إلى قسم الأدب المقارن بجامعة السوربون، وطلبت مقابلة إيتيامبل، وكان من أعلام الأدب المقارن ليس فقط في فرنسا، بل أيضًا في العالم، حيث اشتهر من خلال سجالاته مع المقارنين الأمريكان ودراساته المهمة حول فرنسا والصين في القرن الثامن عشر، ورسالته في موضوع أسطورة رامبو الذي استطاع

من خلاله قبل انتشار دراسات التلقي والاستقبال أن يفكك الأسطورة بين المعجبين والمنددين بالمشاعر، من القراء والنقاد، معطيًا هكذا نموذجًا في الحياة الأكاديمية الفرنسية لإمكان، وربما ضرورة، كلمة أخرى غير الكلمة الدارجة، واستمر طيلة حياته بخوض المعارك في كتاباته ومواقفه العامة، التي لم يكن يفصل بينها، ومن أشهرها رفضه لغزو اللغة الإنجليزية للغة الفرنسية كإحدى وسائل “أمركة” فرنسا ونقده اللاذع “للمركزية الأوربية” في الدراسات المقارنة. ولا أنسي أبدًا مقابلتنا الأولى، كانت سمعته وكان شكله كالنسر يتفحص من أمامه، مستعدًا لاقتحامه

كانت صداقاتي الأولى مع طلاب من العالم الثالث لا مع فرنسيين، نذهب الرحلات معًا، نجلس في مقاه، نثرثر بلا نهاية عن التجارب المختلفة المتشابهة لبلادنا..

وإسكاته إذا لم يعجبه قوله! وكنت خائفة بالطبع، يغلب عليَّ الخجل في اللحظات الحرجة وتعودي على التأدب من خلال تربيتي، ما جعلني، وحتى الآن، لا أستطيع الرد بسهولة على من يعارضني أو يعاديني. بدأنا بالتعرف؛ من أين أتيت ولماذا أريد الدراسة في مجال الأدب المقارن؟ ثم عرض عليَّ موضوعا لم يعجبني، فقلت ذلك بأدب لكن بلا تردد، رغم خشيتي من رد فعله الذي جاء عكس ما ظننته! (فهمت بعد ذلك أن هذه طريقته لاختبار شخصية من أمامه!). وتفتحت المناقشة بيننا صريحة وطليقة. كنت من خلال تدريسي في قسمنا قد اكتشفت 

العصور الوسطى ودور العرب فيما يسمى بعصرهم الذهبي. قلت أيضًا إنني أريد إعادة اكتشاف العقلانية العربية ورفضي لأيديولوجيات العبث السائدة في فرنسا في تلك الفترة (متأثرة في الغالب بقراءاتي لسارتر). ووجدته معجبًا بموقفي، مشجعًا له، ونصحني بفترة قراءة وتفكير قبل اختيار موضوع للرسالة. واستمرت علاقتنا على هذا النحو، متسمة بالاحترام والمعزة، عندما كنا نتفق أو نختلف. لم أتعجل اختيار «الموضوع» شرعت في اكتشاف باريس، محاولة تجاوز صدمة البدايات. مثل جميع الطلاب الأجانب ذهبت إلى المسرح، وزرت المتاحف، وفرساي

وفونتينبلو، وكانت أجمل متعة تعرفي على روائع السينما العالمية، وكانت صداقاتي الأولى مع طلاب من العالم الثالث لا مع فرنسيين، نذهب الرحلات معًا، نجلس في مقاه معًا، نثرثر بلا نهاية عن التجارب المختلفة المتشابهة لبلادنا، كانت أغلب صداقاتي من أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا الشمالية، وأفريقيا عامة، أيضًا من المانيا وإيطاليا، إسبانيا، الاتحاد السوفيتي سابقًا، يوغوسلافيا سابقًا، وغيرهم، كلهم من اليساريين. نشتم الغرب ونستمتع بملذاته، نشجب السياسات الاستعمارية، ونبتهج بحرية الحديث التي لم يكن أغلبنا يجدها في وطنه.

تعرفت على جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار، لم يتركا في نفسي الأثر الآسر الذي كنت أتوقعه!

ما بين العرب وأوروبا
انتهت حرب الجزائر، وحضرت احتفالاً بالاستقلال في مقر طلبة أفريقيا الشمالية تعرفت فيه على جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار، لم يتركا في نفسي الأثر الآسر الذي توقعته مماثلاً لكتاباتهما وموقفهما المساند لحرب تحرير الجزائر وللعالم الثالث عامة، في نفس الفترة تعرفت على رشدي راشد الذي دعاني لهذا الاحتفال. كان آنذاك يعمل في ألمانيا الشرقية (سابقًا!) مطاردًا من الحكومة الفرنسية بسبب مساندته للثوار الجزائريين، ومن السفارة المصرية لأنه دافع عن زميل سوري حجز جواز سفره بسبب نشاطه السياسي في فرنسا 

(فترة الوحدة بين سوريا ومصر). وبعد عودته النهائية لباريس تزوجنا، تعرفت من خلاله على مصر حي الحسين التي لم أكن أعرفها، وعلى صرامة نادرة في البحث العلمي. لكن زيجتنا لم توفق فانفصلنا، بعد ميلاد ابننا مروان في ٢٦ يوليو ١٩٦٥.
قرأت كثيرًا في هذه الفترة، قرأت في العلاقات بين العرب وأوروبا في العصور الوسطى، أبحث عن كل التأثيرات العربية المعروفة وغير المعروفة. أذهب بانتظام للمكتبة الأهلية، أقضي فيها ساعات طويلة، سعيدة ومنهكة، أغرق بقراءات صعبة لم أكن مؤهلة لاستيعابها! أحضر أيضًا بعض محاضرات

وسمينارات في تخصصات العصور الوسطى، وأخيرًا اخترت موضوع رسالتي للدكتوراه، من خلال لقاء مع چاك بيرك الذي كلمني عن رامون لول. الإسباني العقلاني الذي سافر لبلاد العرب بغرض تبشيري وأراد جذب المسلمين للمسيحية، فتأثر هو بالثقافة العربية، وكتب في مجالات السجال الفلسفي وقصص الحيوان والنثر الشاعري الصوفي، معلنًا إعجابه بالثقافة العربية فلسفة وأدبًا، واقتناعه بعقلانية العرب وانجذابه لجمال الشعر العربي في الـ"حبيب والمحب". قيل عنه إنه تعلم العربية وعرفها جيدًا، لكنني استطعت اكتشاف أنه قرأ الأعمال العربية من

 كانت أوساط المثقفين المصريين في فرنسا تشغي بالتساؤلات حول مصير الثورة، ثورتنا المصرية، وكنا مجموعة حية من المشاغبين، نطرح على السلطة أسئلتنا القلقة..

الترجمات اللاتينية والإسبانية التي قام بها المسيحيون الإسبان. لم أنغلق مع ذلك في حدود رسالتي. كانت الستينيات في فرنسا، رغم كآبة بداياتها، فترة رائعة، ازدهرت فيها الاتجاهات المختلفة للنقد الأدبي، وتعمقت القراءة المنهجية. وتعددت أساليب السينما الطليعية. في سياق تاريخي رأى تفاقم حركات التحرر الوطني في العالم، ڤيتنام تخوض حربًا بطولية ضد أمريكا، وتشي جيفارا ينادي بالكفاح المسلح وبزرع ألف فيتنام في العالم.
رفضت البنائية
أقرأ مع غيري نظرية الشكليين الروس وأنبهر بإنجازاتها، رغم رفضي المبكر

للبنائية التي نتجت عنها، أو أخذت مناهجها مبررًا لدفاعها عن انغلاق النص الأدبي، وانفصاله عن سياقه التاريخي الاجتماعي. أتابع رفض عالم الإثنولوچيا ليڤي شتراوس لاستخدام نقاد الأدب لنظرياته في بنى نسب أسرية رأى أن تطبيقها على النص الأدبي غير صالح. أتابع أيضًا عمل مجموعات تقرأ ماركس في النص (لا من خلال المنشورات). وفرويد: فكانت الأولى تجد في كتاب رأس المال مبادئ استلاب ناتج عن إخفاق الصراع الطبقي، والثانية تتعمق في استلاب نفسي تختفي جذوره وراء إخفاق اللاوعي. كانت فترة الفيلسوف الفرنسي ألتوسير وإعادة قراءة ماركس.

وخرج من عمله المشترك مع آخرين كتاب قراءة "رأس المال" الذي قرئ في أوساط المثقفين في فرنسا وترجم للكثير من لغات العالم (وترجم أيضًا إلى العربية). أما أنا فكنت أقرأ إلى جانب تودوروف وچينيت وبارت، التطور الجديد للنظرية الماركسية في النقد الأدبي: جولدمان وماشري، ومنهم عدت إلى لوكاتش، أما باختين فلم أكتشفه إلا بعد عودتي لمصر. كانت أوساط المثقفين المصريين في فرنسا أيضًا تشغي بالتساؤلات حول مصير الثورة، ثورتنا المصرية، وكنا مجموعة حية من المشاغبين، نطرح على السلطة أسئلتنا القلقة، نتبنى مفهوم الطبقة الجديدة

"فرانس سوار" أصدرت عددها صباح ٥ يونيه بعنوان "المصريون يعتدون" ثم استبدلته بعد احتجاجنا، أم بعد أن عرف العالم أن الإسرائيليين هم المعتدون؟

في مصر، ونتنبأ بصعود الثورة المضادة، وفي هذا السياق الملتهب تكونت مجموعات عمل لتدرس مشكلات الزراعة والصناعة، والتربية والديمقراطية، والثقافة والعلم. إلخ. اتهمنا بغربة جعلتنا لا نرى الواقع، وبالتأثر بنظريات غريبة لا تتجانس مع قضايانا، ومع ذلك أخذت مواقفنا في الاعتبار، أن ننظم في مصر مؤتمرًا للمبعوثين انعقد في ١٩٦٦، لـ"تبادل وجهات النظر" ..
وكانت كارثة ١٩٦٧
كانت الصدمة والذهول، لنا ولكل الجالية العربية في فرنسا. بقينا يومين نرفض الهزيمة ونتهم الإعلام الغربي

بالكذب عندما تعلن إذاعته استسلام الجيوش العربية. ننظم لجانًا تتصل بجميع وسائل الإعلام لقول الحقيقة، بالفعل كانت جريدة "فرانس سوار" قد أصدرت عددها الأول صباح ٥ يونيه بعنوان "المصريون يعتدون" ثم استبدلته بعد احتجاجنا -أم بعد أن عرف العالم أن الإسرائيليين هم المعتدون؟- لم نصدق شيئًا مما يقال إلا بعد سماع صوت عبدالناصر، وقورًا، حزينًا يعلن تنحيه عن كل مناصبه ومسؤولياته. ولا أعرف كيف وجدنا أنفسنا جميعًا أمام السفارة المصرية، في الساعة التي تلت خطابه، نطالبه بالبقاء، علمنا بعد ذلك أن نفس الشيء

 أمينة رشيد بكاميرا راندا شعث

أمينة رشيد بكاميرا راندا شعث

حدث في مصر. تغيرت حياتي بعد ذلك، ودعت بداخلي مباهج باريس، وهم الحرية والثقافة، الاستمتاع بالسينما واكتشاف النقد الأدبي الجديد، الثرثرة في المقاهي. أركز على هدف واحد: الانتهاء من الرسالة والعودة إلى مصر.
كتبت صفحات وصفحات نالت إعجاب إيتياميل، الذي هنئني على منهجي الماركسي (مضيفًا أنه ليس ماركسيًّا بل معجبًا بنا كآخر الشرفاء في العالم!).
هذا لم يمنعني من ممارسة العمل في «اتحاد الطلبة المصريين» في التنسيق مع «اتحاد الطلبة العرب» وبالعلاقات الخارجية مع طلاب فرنسا والعالم. أحببت هذا النشاط وتعرفت من خلاله

على بشر رائعين، وعلى القضية الفلسطينية التي دخلت حياتي حينها كي لا تخرج منها أبدًا بعد ذلك في هذه الفترة، وقعت أحداث مايو ١٩٦٨. بدأت ثورة طلابية تندد بمناهج التعليم البالية لما سمي بـ"سربون بابا" وبموروث نابليون الطبقي والسلطوي في كل مراحل التعليم. رأيت جدران السربون الكئيبة في العادة، تمتلئ بالشعارات الثورية والطوبائية إلى حد كبير (مثل «الخيال في السلطة»). رأيت طلبة وبعض عمال انضموا إليهم يهتفون ويغنون، يرقصون وينادون بالثورة "في الفرح". رأيت فرنسا الـ"ديمقراطية" تجند أمنها المركزي لمهاجمة الطلاب

بدروعهم الزجاجية وأقنعتهم الشفافة. ثم تحولت الـ"ثورة" لانتفاضة عمالية. وعشت بذهول التجربة المثيرة لإضراب الشهرين الذي شل الحياة في فرنسا. لكن هذا لم يهمني كثيرًا: كنت راغبة في الانتهاء من رسالتي والعودة إلى مصر!
في ظروف صعبة وسنوات أليمة أنهيت رسالتي. ولد مروان وانغلقت معه في البيت (باستثناء حضور بعض سمينارات)، أهتم به وأكتب الرسالة. أحكي له الحكايات وأكلمه عما يحدث وأفاجأ بذكائه المبكر وحساسيته المفرطة، بأسئلته الصائبة وتعليقاته الدقيقة. ملأ حياتي بالهناء والأمل، وأيضًا بتمزق الاختيارات الصعبة عندما جاء

عدت إلى مصر وإلى جامعتي، وفي المناخ الصعب لـ"كامب ديڤيد" واتفاقيات السلام انتميت لدوائر مختلفة من الوعي ومن العمل..

وقت العودة وقرار تركه في باريس مع أبيه. ناقشت رسالتي واحتفل بي أصدقائي في بيت مصطفى صفوان.
نهاية سعيدة وبداية السؤال الصعب: هل أعود للقاهرة، لجامعتي، أم أبقى في باريس؟ عينت في الـ «مركز القومي للبحث العلمي» في فرنسا وكان الإغراء بالبقاء شديدًا، لكنني لم أتحمل فرنسا أكثر من ذلك، أعيش في أحداث مصر وأبكي عندما أفتح نافذتي وأرى سماء باريس الرمادية.
أشعر أنني استفدت كثيرًا مما عشته من تجارب فكرية وسياسية ووجدانية لكن أدركت تمامًا أن هذا التاريخ ليس تاريخي، وأن هذه الحياة ليست حياتي.

العودة إلى القاهرة
عدت إلى مصر وإلى جامعتي. وفي المناخ الصعب لـ"كامب ديڤيد" واتفاقيات السلام انتميت لدوائر مختلفة من الوعي ومن العمل. تعرفت على لطيفة الزيات. في البداية كنا نلتقي في شقة الصديقة العزيزة ليلي الشربيني في حلقة نسائية، أسبوعيًّا. في كل مرة تحكي إحدانا عن تجربتها، وأغلبها تجارب صعوبة التوفيق بين الارتباط الزوجي والحياة المستقلة التي يشغلها هدف خاص، نضالي أو بحثي أو إبداعي. ثم بعد كامب ديڤيد ونشأة "لجنة الدفاع عن الثقافة الوطنية"، انتمى أغلبها لهذه اللجنة، نلتقي كل أحد.

 أمينة رشيد وسيد البحراوي في بيت عائلته

أمينة رشيد وسيد البحراوي في بيت عائلته

ننظم الندوات والمسيرات، تصدر مجلة "المواجهة" وننجح في خوض بعض المعارك: رفض التطبيع، الذي كنا أول من رفع شعاراته ومعركة معرض الكتاب التي استطعنا من خلالها أن نمنع نهائيًّا وجود إسرائيل في المعرض. تعرفت على سيد البحراوي في حلقة أخرى كانت تجتمع في بيت د. عبد العزيز الأهواني. مع زملاء من تخصصات أدبية مختلفة وبعض المثقفين. نناقش المناهج الجديدة في النقد الأدبي أو الاتجاهات الفكرية، نعرض كتابًا جديدًا ونتبادل الحديث فيما يدور. جمعتني صداقة خاصة بسيد البحراوي، انجذبت في

البداية لطيبته التي كانت تحيط بي وتمحو كل جروح حياتي. ثم قرأنا كتبًا معًا، ترجمنا معًا، أحبني وأحببته. وبعد خروجي من السجن ٢٦ ديسمبر ١٩٨١ تزوجنا. ومعه اكتشفت عالم الريف الذي لم أكن أعرفه إلا من خلال خبرة ملاك الأرض أو رواية الأرض لعبد الرحمن الشرقاوي. معه تجاوزت صعوبة الكتابة بالعربية. ومعًا خضنا الكثير من المعارك، في "لجنة الدفاع عن الثقافة الوطنية" و"نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة"، وغيرها من المجموعات. استفدت كثيرًا من خبرته الثقافية واستفاد هو من بعض خبراتي.

 وفي صعوبة الحياة العامة في مجتمع متشرذم وتجارب متقطعة فاقدة للتراكم أنشأنا بيتًا نحبه ويحبه معنا الكثير من الأصدقاء ومن الأسر الصغيرة التي كوناها، أو تكونت من حولنا.
التجربة السعيدة
في ١٩٨١ كانت تجربة السجن. بالطبع لا أستطيع أن أقول إنها كانت تجربة سعيدة! لكنني تعلمت خلالها الكثير. رأيت التضامن الإنساني لبشر لا يجمع بينهم شيء، كونت صداقات أخرى، تعمقت علاقتي بـلطيفة الزيات وتعرفت على صافي ناز كاظم. وساعدتني كل منهما على تجاوز عدم الثقة في نفسي الذي تجذر بداخلي.

أعترف أنني ما زلت هاوية في قراءاتي، أما في كتاباتي فأنا لا أركز على موضوع وأكمله (باستثناء بعض المقالات وكتابين انتهيت منهما تحت ضغط وبصعوبة فظيعة!

وأساسًا استكملت تجربة الانتماء التي كانت صعبة، مؤلمة، وكم مزقتني في لحظات مختلفة من الحياة، ولأول مرة في حياتي أشعر أنني كل لا يتجزأ ولست منقسمة، أعاني الاختلاف، شخص هجين، لست فرنسية ولست مصرية. شعرت أنني مصرية وعربية، أعيش تجاربنا بكل أبعادها وأنتمي لمجتمعي مع كل مشاكله وصعوباته.
ثم استقرت حياتي، أعطي الجامعة أولوية مطلقة، رغم نصائح الكثيرين من حولي أن أهتم أكثر بكتاباتي وأبحاثي. أحب طلبتي ويحبونني، أتأثر بصعوبة حياتهم في سياق لا يساعد على الدراسة السليمة، ولا على الانتماء ولا حتى على

حياة مراهقة سعيدة. عن طريق الأدب المقارن، أحاول تجاوز عبثية التدريس في أقسام لغة أجنبية في زمن يخلط بين الأجنبي والعولمة والتبعية، ولا يساعد على اكتشاف المشترك الإنساني والعالمي في الفكر والعلم والكتابة الأدبية.
وأعترف أيضًا أنني ما زلت هاوية في قراءاتي، أما في كتاباتي فلا أركز على موضوع وأكمله (باستثناء بعض المقالات وكتابين انتهيت منهما تحت ضغط وبصعوبة فظيعة!). تمتلئ أدراجي بأوراق غير مكتملة، خطط لمشاريع، كتابات خاصة، كروت بحث. أحيانًا أريد التخلص من هذا كله وأبدأ من جديد على صفحات بيضاء.

أمينة رشيد وسيد البحراوي وسط مجموعة من زملاء وطلاب كلية آداب القاهرة في الثمانينات؛ بينهم الدكتور عماد أبو غازي؛ من صفحة أمينة رشيد على على فيسبوك!

أمينة رشيد وسيد البحراوي وسط مجموعة من زملاء وطلاب كلية آداب القاهرة في الثمانينات؛ بينهم الدكتور عماد أبو غازي؛ من صفحة أمينة رشيد على على فيسبوك!

مع ذلك تشغلني بعض المواضيع وأقرأ فيها كثيرًا. موضوع الزمان والمكان في النص الأدبي. موضوع السيرة الذاتية في تجلياتها المختلفة (منها سيرتي الخاصة، بدأتها منذ أكثر من ٢٠ عامًا وأخاف الاقتراب منها)، وأهتم بمشروع نور لكتابة المرأة العربية، رغم أنني لم أنتم قط لمشروع نسوي: مع الزمن وتجارب الحياة اقتنعت بأن هناك خصوصية لقضايا المرأة، لكنها لم تتحول أبدًا إلى مشروع حياتي..
والآن في نضالنا من أجل فلسطين أشعر ألا شيء له قيمة حتى تتحرر فلسطين. اعيش وجع الجميع رغم أنني أرى أن جنون المجزرة التي تقوم بها إسرائيل

 أمينة طفلة مع أمها..

أمينة طفلة مع أمها..

 في الأراضي المحتلة يشير أن هذه الدولة المزيفة تعيش بداية نهايتها. لكن الثمن مؤلم، غاية الألم، والدمار مريب، نقوم بالكثير من المسيرات واللقاءات، نوقع على بيانات. أتأثر بكفاح سيد مع آخرين، اكتشف بشرًا في نضالنا لم أتوقع أن شيئًا عامًا يهمهم. وأحاول أن أقتنع أن أمتنا بخير. أتابع بأمل تحول الرأي العام العالمي، وخاصة جهود فرنسا التي عايشت قوة الصهيونية في إعلامها. وقبل كل شيء يحيي قلبي كل يوم وكل لحظة جسارة المقاومة الفلسطينية: كنا نظن أن العرب سينقذون فلسطين. وأعرف الآن أن فلسطين هي من ستنقذنا.

اقرأ أيضاً

نجيب سرور  وصل مبكراً للمنطقة الخطر

نجيب سرور  وصل مبكراً للمنطقة الخطر

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

رسالة من المغنية إلى زعيمة النسوية

رسالة من المغنية إلى زعيمة النسوية