هذه ليست دردشة عابرة، بل محاولة للإصغاء إلى كمال رمزي وهو يعيد ترتيب خبرته بين الفن والفكرة والمعنى قبل المواقف.. كيف يرى تحولات الكتابة.. وماذا يبقى ثابتًا في نظره وسط تبدل الأجيال والسياقات؟
"كيمو" هكذا كان يناديه الأصدقاء المقربون قبل أن تصبح تسميته العمومية تقريبًا. هو مدلل بين أصدقائه بطريقة تفتح له أبوابًا مغلقة، يسير في مدن لا يعرف لغتها لكنه يعقد صداقات عبر العين والمشاعر الطيبة، وعبر إيمان بأنه سيمر من التجربة. يحسب حتى المغامرة، ويضع لنفسه استراحة محسوبة خارج شغفه الدائم بالاستقرار، لا يحب المفاجآت.
ومع ذلك استمرت بيننا صداقة بدأت من المنتصف كأننا التقينا من زمن، ومع أنه بدأ الكتابة قبل أن أولد فقد تحمل نزقي الدائم في البحث عن إيقاع خاص وزمن قد يتصادم مع أزمنة الآخرين.
تحملني حتى وأنا أحاول هنا أن أرسم له صورة أعبر فيها كل دفاعاته كي لا تظهر ملامحه الذاتية. لا لأنه غامض، بل لأنه يخاف أن تجتاحه رياح النزعة الفردية، وأن ينسى أحلام الناس، أو يضبط متلبسًا بالكلام عن ذاته. إنها خيالات تصنع حربًا بين العام والخاص، وتعتبر الثقافة الفردية جريمة، والخروج عن الإجماع مشروع خيانة.
سألته مرة: كيف كان يرى بورخيس السينما؟ كيف تسلل ضوؤها الشحيح إلى عينيه المظلمتين المنهكتين تمامًا؟ تتحسس يده سطح المرآة، ربما ليلمس ما تحتفظ به من تفاصيل شخصية وآثار مبهمة الحضور بما يصنع بورخيس من
لمس الأسطح المشحونة لذاكرته الخاصة كأنه يترجم ما قاله الشاعر اليوناني ريتسوس:
خلف أشياء بسيطة أخبئ نفسي
لتجدني
وإن لم تجدني ستجد الأشياء تلمسها
تلك التي لمستها يداي
وستمتزج آثار اليدين.
هذه هي السينما.. وقت عابر صغير نعيش فيه زمنًا كاملاً، وأنا أحب هذه السينما، ولا أعرف هل يحبها كمال رمزي أم لا، لكنني أهديه هذه المحبة. هكذا أنهيت مقدمتي لحوار مطول مع كمال رمزي، وعندما نشر ككتاب تكريمي صدر مع (المهرجان القومي
الثالث عشر للسينما المصرية- ٢٠٠٧) قررت تأجيل المقدمة لما بعد الحوار.. نسيت سبب هذا القرار الآن، لكنه غالبًا فصل من فصول لعبتي المحيرة مع كمال رمزي، التي حاولت فيها الابتعاد عن ثنائية "الوجه والقناع"، أو حتى "الشكل والمضمون".. وهي ثنائيات لم تعد فعالة في عمليات التفكيك أو الاكتشاف، بل تحولت مع الزمن إلى أداة تمنع النظر وتحد التفكير.. اللعبة التي اخترتها أقرب إلى "المدرسة الطبيعية" التي يحبها كمال رمزي في الفن، وتحدث عنها في الحوار لنرى ما يحرك كاتبًا ليكون ناقدًا.. والحوار لعبة لم تكن سهلة لاكتشاف مدى اتساع أرض النقد.
حواري مع مع كمال رمزي ومع سمير فريد؛ يأتيان ضمن فصول في لعبة أكثر تعقيدًا للتفاعل مع "الهوة الزمنية" بعد ظهور عالم الديجيتال الواسع.. وهي لعبة لا تنفي الفرح بالتكريم والاحتفاء، لكنها لا تكتفي بهما.
قبل الحوار وبعده
يكره كمال رمزي الصور. أقصد صوره الشخصية، يخاف منها، يتبرم، يوحي بأنك ضبطته في وضع غير ملائم، ويسخر "أخبرني لأستعد بملابس مناسبة"، تصورت في البداية أنه تواضع أو خوف طبيعي لكن بعد قليل قلت ربما هي "أصول المهنة"، وهو لا يريد أن يتحول إلى هدف للصور والمراقبة
هوايته صيد المعاني في الصور المتناثرة، والصيد في كل مرة اكتشاف يدهشه أولاً. هذه لعبته التي تنقذه الآن من حالة "فتور الحماس" في مكتبه خلف تلال من أوراق صحف يكرهها ولا يصدقها، من أيام يونيو ٦٧، رفوف كتب، وشاشة يتابع صورها دون صوت، وأوراق مسطرة وقلم حبر من موديل قديم. يحاول إنقاذ "صورة غابرة" جمعها على مهل في ذاكرته. إنه العالم كما رآه سعيدًا، أو تحديدًا في زهوة حلم اقترب قطافه. هنا مع هذا العالم يلعن تغير الصور، وتبدلها، ويخفي تحت ابتسامته، وربما ضحكات تنفجر كعيار ناري، شعورًا هائلاً بالرثاء.
1
"دوري انتهى"!
جملة كمال رمزي لم تنته. يكملها "علي أبو شادي يسخر مني عندما أقول ذلك". الدور، أو المهمة التي يتصورها هدفًا لحياته، وللأصدقاء، أو السد العالي الشفاف الذي يحميه، عالمه المفقود يبحث عنه في أصدقاء يعيشون بنفس إيقاعه أو يشعر بأمان معهم.
والدور؟ فوجئت بأنه لا يقصد نشر الوعي والمعرفة بين جماهير الشعب كأغلب مثقفي جيله يضعون المهمة المثالية على رأس الأجندة الشخصية. الدور عند كمال رمزي أوسع قليلاً: أنا لم أؤدِ دوري جيدًا، فاحتلت بغداد.