صلاح جاهين أو فن إدارة التناقضات 

رسائل أسد يرقص باليه إلى أمه

صلاح جاهين أو فن إدارة التناقضات 

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

هل نأتي بجديد حين نطلق على شاعر لقلب (المتمرد)؟ لم يكن صلاح جاهين متمردًا فقط على الشعر، بل كان متمردًا حتى على حجمه، لكنه لم يكن متمردًا على حبه لأمه وهذا ما سنعرفه من رسائله إليها!

أحيانًا أعتبر كل ما كتبته مُسوَّدة لكتابة مؤجلة، ومنها هذه الكتابة عن صلاح جاهين. لا أعرف على وجه الدقة لماذا اخترت وصف "المتمرد" لأضعه في العنوان على غلاف "أخبار الأدب".
هل كان تحديًا لصورته التي حيرت الكثيرين عندما كان عمودًا راسخًا في مثلث "العندليبية" الناصرية، مع عبد الحليم حافظ وكمال الطويل؟ أم أنه بعض أصداء حيرة داخلية عن فكرة التمرد بعد أن كنت وقتها في قلب مرحلة من التمرد على أحلام العائلة، واختيار طريق سرت فيه منفردًا ضد كل القوانين الجاذبية الاجتماعية؟
عندما نشرت رسائل صلاح جاهين إلى

أمه في السنة الأخيرة من الألفية الثانية؛ كنت قد أصبحت أبًا وزوجًا بكامل أوصاف "الرجل ذي المسؤوليات المحدودة"؛ وهي ضمان الاستقرار في منظومة الأمان التي تشفط غالبًا كل طاقات التمرد، لكنني كنت محظوظًا، فلم يذهب كل القلق تحت رماد الأمان، وبقي من التمرد سؤال في الوعي، لا مجرد طاقة تستنفذ مع تقدم العمر. كما أن دخولي في تجربة "السلطة الأبوية" تجاوز مجال غريزة مراهق في "قتل الأب" إلى تتبع ألعابنا مع التناقضات الأليفة والغامضة.
كنت أبحث عند صلاح جاهين عن فن إدارة التناقض بين التمرد على الأب 

نسخة الرومانتيكية التي وصلت مصر كانت مصحوبة بتاتشات القومية وسيطرة الأب العسكري العادل، الواحد الذي يختصر الكل

والوقوع في غرام الأب السياسي، والغناء له، وهو فن جعل صلاح جاهين في منطقة خاصة به وحده، وفشلت معها كل محاولات استنساخه في العصور التالية.
ربما لأن صلاح جاهين، بكل ما فيه، جاء في موعده مع الزمن، حيث الستينيات الاستثنائية، والرغبة العالمية في التغيير، والرغبة العمومية في إعادة بناء العالم، وكسر منظومات القيم والأخلاق والذوق؛ كل شيء كان يتغير، الدول الخارجة من الاستعمار تطلب الصعود والتقدم والندية مع مستعمريها القدامى، الشباب يرفضون حكم العواجيز الذين قادوهم لمأساة الحرب

العالمية الثانية.
كانت طاقة تكسر كل تقليدي وتسرع تجاه جنون رومانتيكي؛ من موسيقى ورسم وشعر إلى علاقات الحب وخيالات التقدم السياسي الرومانتيكي التي كانت تحاول أن تحكم العالم كله.. وأبطالها مثل جيفارا يتجاوزون الحدود والجغرافيا، وقد صلتنا هنا في مصر نسخة من تلك الرومانتيكية، لكنها كانت مصحوبة بتاتشات القومية وسيطرة الأب العسكري العادل، الذي يجمع بين القسوة والحنان، الواحد الذي يختصر الكل... وهي "العندليبية" التي حكمت تلك المرحلة المعقدة في حياتنا، وفيها صعد المتمرد على عائلته

 صلاح جاهين ليغني اللحن الحنون،  تاركًا القسوة لرباعيات الشعر تفلسف آهاته، فيما يراعي "ظروف المرحلة".. هذه العندليبية، أو فرض الانسجام الرومانتيكي بقوة أحلام أب الدولة، مرحلة في حياة الشعوب لا يمكن استنساخها، وقد بقي عبد الحليم عندليب الناصرية، وبقيت أغانيه صالحة للاستخدام، بينما اختفى على سبيل المثال محمد ثروت؛ عندليب مرحلة مبارك بأغانيه الفاترة ورومانتيكيته الباهتة.
"العندليبية" في زهوتها ربما تبقي في مخزن العواطف/ تكتشفها في لحظات كأنها سر قديم لا تطلع عليه أحدًا، أو

عندما قال صلاح جاهين "نفسي أرقص باليه"، لم يكن يطلق دعابة من وجهة نظره، لكنه ربما يتحدث عن شعور داخلي بخفة الروح يدفعه إلى الطيران

اعترافات تكتشف أنه لا يمكن اختصار  التجارب والوعي، أو اختزالها، أو إلغاء مرحلة بعد عبورها..
لأن التراكم يتيح تسرب الرومانتيكا القديمة رغم تجاوزها، وهذا طبعًا غير بقاء العندليبية خارج سياقها/ زمنها لتعيد إنتاج عندليب جديد دون زمانه.
فشلت كل محاولات استنساخ صلاح جاهين، الذي ظل يلعب في ثقوب صنعها بين الخفة والثقل.. المرح والاكتئاب.. لينحت نفسه بعد كل التجارب، ويصبح المتمرد حكيمًا.
مراسلة بالحمام الزاجل
أشعر بالملل دائمًا، أو بمعنى أدق لا أتحمل الأشكال الضيقة والأنماط

والقواعد، وفي هذا ميزة وعيب... أستمتع، وأتعذب بهما راضيًا، لهذا عندما طلب الأستاذ جمال الغيطاني خطة لتطوير أخبار الأدب، وكنت في مرحلة بين الضيف الجديد والمقيم، اقترحت تصورًا، وكان أهم وأخطر جزء فيه هو "البستان"؛ وهي الصفحات التي تتوسط الجورنال، ويعتبرها جمال الغيطاني حديقته التي ينشر فيها نصوصًا من التراث... وكان اقتراحي تطويرها بالكامل لتكون موضعًا دائمًا للكتابة التي لا يمكن تصنيفها.. ويكون حجمها متغيرًا (أربع صفحات ومضاعفاتها).
كان بقية زملائي الأكثر خبرة مني في

اقرأ أيضاً

طـه حسين الذي رأى السينما قبل الجميع

طـه حسين الذي رأى السينما قبل الجميع

المسموح والممنوع في بيت ليبرالي

المسموح والممنوع في بيت ليبرالي

إعلان الثورة من سينما ديانا

إعلان الثورة من سينما ديانا

سمير فريد إن حكي: مغامرة النقد

سمير فريد إن حكي: مغامرة النقد

جرترود بيل مغامرة وصانعة ملوك

جرترود بيل مغامرة وصانعة ملوك

 المدينة والمنفى بعد ٢٣ سنة فى الأسر

 المدينة والمنفى بعد ٢٣ سنة فى الأسر