محمود مرسي خجول وديكتاتور ودون كيشوت

الشرير والواعظ في مأزقه العاطفي

محمود مرسي خجول وديكتاتور ودون كيشوت

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

 يشغلنا بخصوص محمود مرسي كيف يمكن للخجل أن يصنع طاغية على الشاشة؟ وكيف يتحول ممثل يهرب من الأضواء إلى أحد أكثر وجوه السينما حضورًا؟ وهل كان ديكتاتورًا في أدواره… أم دون كيشوت يقاتل وحدته؟

يبدو محمود مرسي بعد أكثر من ١٠٠ عام من مولده كأنه عاش في محاولة دائمة لأن يكون غير مرئي. أو بمزيد من الدقة أن يكون الجزء الظاهر منه عبر مسافة ما لا تجعله قابلاً للمس. نوع من الخجل المتصاعد منذ حياته غريبًا في بيت العائلة بعد موت الأب. وفي مدارس برجوازية شعر فيها بمعاناة مع مواجهة التعالي والعنصرية ربما.
هذه الرغبة في الاختفاء كانت محور شخصيته الفنية، لم يطق العمل في المسرح واللقاء اليومي المباشر مع الجمهور. اختار الفنون المعتمدة على مسافة يتيحها الميكرفون في الإذاعة، ثم الكاميرا في السينما، وبعدها التليفزيون.

تتيح له هذه المسافة شيئًا خاصًا جدًا هو الاحتراق الداخلي، ليتوازن مع مشاعر عارمة بالغضب والسخط على عالم ليس عادلاً.
مات محمود مرسي بسبب شراهته في التدخين. وفي أعماله البارزة كان يتحد مع شخصياته في عملية أشبه بانصهار المشاعر الداخلية كما يقول منهج ستانسلافسكي في فن الممثل. الاحتراق هو ما يجعل صفة الصدق ملازمة لتقييمات النقاد والجمهور الذي يضع محمود مرسي على رأس قائمة أفضل الممثلين رغم قلة الأعمال وابتعاد صاحبها عن دوائر الضوء ومجال الشهرة.

صنع "عيسى الدباغ" عالمه الموازي في "السمان والخريف"، وكانت نهايته مع انقلاب الزمن ليكون ضحية الخريف، وفي "شيء من الخوف" بدا "عتريس" وحيدًا وسط عصابته

يعبِّر محمود مرسي عن شيء مفقود في عالم التمثيل. يمكن أن نمنحه سببًا سهلاً هو سحر المعتزل. أو العظمة المتولدة من الصدق. كلها أوصاف من عالم الرومانتيكا الاجتماعية، لو حاولنا تقريبها من عالم التمثيل سنرى أنها قدرة على التعبير المفرط عن ذات غريبة، معذبة تبحث عن متنفس لانتقام من نوع خاص، يبني به مدينته الفاضلة. هذه القدرات المعقدة جعلته يلمع في أدوار الشر والرعب أحيانًا.
كان "شاكر" في "الليلة الأخيرة" أكبر مصدر رعب في طفولتي ومراهقتي الأولى. لمعة العين وهدوء الصوت والحركة الواثقة في ارتكاب جريمة تغيير

شخص بآخر وصنع عالم افتراضي كامل يمحو فيه ذاكرة شقيقة زوجته لتظن وتعيش سنوات طويلة وهي تعتقد أنها زوجته التي قتلت في غارة من غارات الحرب العالمية الثانية.
هذا الشر لا يصنع نجومية سينمائية، والشرير من هذا النوع الذي يمسح ذاكرة شخص لاستبدالها بذاكرة أخرى؛ ويحارب لكي لا يصحو الشخص من غيبوبته، ولا يمكن أن يتم دون احتراق داخلي لمشاعر تريد إطالة الزمن لتستمر زوجته (بعد الحادث) أسيرة حياتها المصنوعة بخياله ورغباته العنيفة. هذا الشرير يعيش وحيدًا؛ ليس مثل شرير العصابات الذي تحبه

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

محمود مرسي في "السمان والخريف"؛ عيسى الدباغ الذي أكل الثورة على جسر نزواته وصنع لنفسه عالمًا خاصًا-مجلة الكواكب ٢١ فبراير ١٩٦٧ -أرشيف مدينة الرقمي

السينما ويعيش في جماعة تمارس الشر التقليدي كما ترسمه الهندسة الاجتماعية. وفي هذه الوحدة (الشرير مع نفسه) يكون الصراع أساسًا مع الزمن، يريد إيقافه، أو تمديده أو كل أشكال مقاومة حركة الزمن.
"عيسى الدباغ" صنع عالمه الموازي في "السمان والخريف" وكانت نهايته مع انقلاب الزمن ليكون ضحية الخريف. هذه النزعات الشريرة هي شراسة لا تجسدها ملامح ولا حركة عضلات ولكنها طاقة الاحتراق الداخلية تصهر كل شيء بداخله.
تأكله خيالات الغيرة في "زوجتي والكلب" ويقضم الخيال زمنه ليعود إلى  

زوجته الوحيدة وهو يتخيلها مع زميله في الإجازة. وحتى في "شيء من الخوف" بدا عتريس وحيدًا وسط عصابته، يقوده شر داخلي إلى إيقاف كل شيء ليسيطر عليه.
هذه مجرد أمثلة طائرة عن براعة محمود مرسي في هذا الشر الخاص؛ براعته في أداء أدوار الوعظ في أفلام ومسلسلات قدم فيها نسخًا متعددة من دون كيشوت الذي يحارب طواحين الهواء… وهو هنا يريد إعادة بناء زمن قديم… حتى وهو يقيم "الجسر" مع حفيده (في آخر أفلامه من إخراج عمرو بيومي) كان يسعى إلى تمديد زمنه وترويض الزمن الجديد لصالحه.

اقرأ أيضاً

هاني شكر الله: الخروج من المخزن

هاني شكر الله: الخروج من المخزن

هاني شكر الله: صانع الفجوات

هاني شكر الله: صانع الفجوات

صلاح جاهين أو فن إدارة التناقضات 

صلاح جاهين أو فن إدارة التناقضات 

طـه حسين الذي رأى السينما قبل الجميع

طـه حسين الذي رأى السينما قبل الجميع

المسموح والممنوع في بيت ليبرالي

المسموح والممنوع في بيت ليبرالي

إعلان الثورة من سينما ديانا

إعلان الثورة من سينما ديانا