الخجول الذي أصبح ديكتاتورًا

دون كيشوت أيضَا

الخجول الذي أصبح ديكتاتورًا

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

محمود مرسي مدرسة قائمة بذاتها.. ورغم الخجل الذي غلف شخصيته منذ البداية كان له حضور قوي عززه ندرة الظهور والانتقائية الصعبة!

يبدو محمود مرسي بعد 100 عام من مولده وكأنه عاش في محاولة دائمة لأن يكون غير مرئي. أو بمزيد من الدقة أن يكون الجزء الظاهر منه عبر مسافة ما لا تجعله قابلاً للمس. نوع من الخجل المتصاعد منذ حياته غريبًا في بيت العائلة بعد موت الأب. وفي مدارس برجوازية يشعر فيها بمعاناة في مواجهة التعالي والعنصرية ربما. هذه الرغبة في الاختفاء كانت محور شخصيته الفنية، لم يطق العمل في المسرح واللقاء اليومي المباشر مع الجمهور. اختار الفنون المعتمدة على مسافة يتيحها الميكرفون في الإذاعة، ثم الكاميرا في السينما، وبعدها التليفزيون. تتيح له هذه المسافة شيئًا خاصًا جدًا هو الاحتراق 

 الداخلي، ليتوازن مع مشاعر عارمة بالغضب والسخط على عالم ليس عادلاً. مات محمود مرسي بسبب شراهته في التدخين. وفي أعماله البارزة كان يتحد مع شخصياته في عملية أشبه بانصهار المشاعر الداخلية كما يقول منهج ستانسلافسكي في فن الممثل. الاحتراق هو ما يجعل صفة الصدق ملازمة لتقييمات النقاد والجمهور الذي يضع محمود مرسي على رأس قائمة أفضل الممثلين رغم قلة الأعمال وابتعاد صاحبها عن دوائر الضوء ومجال الشهرة. يعبِّر محمود مرسي عن شيء مفقود في عالم التمثيل. يمكن أن نمنحه سببًا سهلاً هو سحر المعتزل. أو العظمة المتولدة من الصدق.

اختار الفنون المعتمدة على مسافة يتيحها الميكرفون في الإذاعة!

كلها أوصاف من عالم الرومانتيكا الاجتماعية، لو حاولنا تقريبها من عالم التمثيل سنرى أنها قدرة على التعبير المفرط عن ذات غريبة، معذبة تبحث عن متنفس لانتقام من نوع خاص، يبني به مدينته الفاضلة. هذه القدرات المعقدة جعلته يلمع في أدوار الشر والرعب أحيانًا. كان “شاكر” في “الليلة الأخيرة” أكبر مصدر رعب في طفولتي ومراهقتي الأولى. لمعة العين وهدوء الصوت والحركة الواثقة في ارتكاب جريمة تغيير شخص بآخر وصنع عالم افتراضي كامل يمحو فيه ذاكرة شقيقة زوجته لتظن وتعيش سنوات طويلة وهي تعتقد أنها زوجته التي قتلت في غارة من غارات الحرب العالمية الثانية.

هذا الشر لا يصنع نجومية سينمائية… والشرير من هذا النوع الذي يمسح ذاكرة شخص لاستبدالها بذاكرة أخرى؛ويحارب لكي لا يصحو الشخص من غيبوبته…
لا يمكن أن يتم دون احتراق داخلي لمشاعر تريد إطالة الزمن لتستمر زوجته (بعد الحادث) أسيرة حياتها المصنوعة بخياله ورغباته العنيفة. هذا الشرير يعيش وحيدًا؛ ليس مثل شرير العصابات الذي تحبه السينما ويعيش في جماعة تمارس الشر التقليدي كما ترسمه الهندسة الاجتماعية. وفي هذه الوحدة يكون الصراع أساساً مع الزمن. يريد توقيفه. أو تمديده أو كل أشكال مقاومة حركة الزمن.

“عيسى الدباغ” صنع عالمه الموازي في “السمان والخريف” وكانت نهايته مع انقلاب الزمن ليكون ضحية الخريف… هذه النزعات الشريرة هي شراسة لا تجسدها ملامح ولا حركة عضلات ولكنها طاقة الاحتراق الداخلية تصهر كل شيء بداخله. تأكله خيالات الغيرة في “زوجتي والكلب” ويقضم الخيال زمنه ليعود إلى زوجته الوحيدة وهو يتخيلها مع زميله في الإجازة…. وحتى في “شيء من الخوف” بدا عتريس وحيدًا وسط عصابته، يقوده شر داخلي في توقيف كل شيء ليسيطر عليه. هذه مجرد أمثلة طائرة عن براعة محمود مرسي في هذا الشر الخاص… براعته في أداء أدوار الوعظ في أفلام ومسلسلات قدم 

برع بأدوار الوعظ في أفلام ومسلسلات قدم فيها نسخًا من دون كيشوت!

فيها نسخًا متعددة من دون كيشوت الذي يحارب طواحين الهواء… وهو هنا يريد إعادة بناء زمن قديم… حتى وهو يقيم “الجسر” مع حفيده (في آخر أفلامه من إخراج عمرو بيومي) كان يسعى إلى تمديد زمنه و ترويض الزمن الجديد لصالحه. كان من المفترض أن يكون محمود مرسي بطل فيلم “باب الحديد”. حمّال الحقائب في القطارات. زعيم النقابات الشعبي. ابن الطبقة العاملة التي كانت ثورة يوليو تبشر بها. هذا في عام 1958، وهي الفرصة الأولى في التمثيل الاحترافي للشاب المنزوي في استوديو إذاعة “البرنامج الثاني”؛ يخرج مسرحيات جان أنوي وتينسي ويليامز وآرثر ميللر وهنريك إبسن..

هذه هي بروفة البداية تقريبًا. محمود مرسي وقتها كان شاباً في أوائل العشرينيات (ولد في 7 يونيو 1923)، وقد عاد من لندن بلا مال ولا عمل، ببطولة تحدثت عنها الصحف المصرية جعلته هو وسبعة مذيعين في هيئة الإذاعة البريطانية رمزاً للمشاعر الوطنية الرومانسية.
حكى الحكاية الكاتب والدبلوماسي حسين أحمد أمين مشيرًا إلى أن الوحيد من السبعة (وأمين بينهم) الذي يستحق صفة “البطل” هو محمود مرسي. محمود مرسي حكى على طريقته الحكاية لكمال رمزي “.. لم تمض عدة شهور بعدها إلا وقام جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس.. وكان عليَّ أن 

اقرأ أيضاً

نجيب سرور  وصل مبكرًا للمنطقة الخطر

نجيب سرور  وصل مبكرًا للمنطقة الخطر

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

رسالة من المغنية إلى زعيمة النسوية

رسالة من المغنية إلى زعيمة النسوية