في هذا الجزء من حوار وائل عبدالفتاح مع سمير فريد تتكشف ملامح النشأة حيث تتداخل تأثيرات الأسرة والأساتذة في تشكيل الوعي، ويتبلور الموقف السياسي بالتجربة والاحتكاك بالواقع الثقافي والسياسي
* هل ارتبطت بتنظيمات سياسية؟ -أبدًا.. طوال عمري لم أرتبط بأي حزب.. * كيف عرفت اليسار إذن؟
-لم أدخل أي حزب سري أو علني. أنا سارتري النزعة. تربيت وأنا في ثانوي على كتب سارتر المترجمة في بيروت. وحفظت (ما الأدب) الذي ترجمه غنيمي هلال، أو على الأقل أجزاء كبيرة منه كما يحفظ القارئ الشعر. كان سارتر، وربما لا يزال، مثلي الأعلى. وكان شعاره اليسار ضدي واليمين ضدي فأنا على حق..
لهذا لم أنتم إلى أية تنظيمات سياسية، ولكن هذا لا يعني أنه ليس لي موقف سياسي.
* كيف أصبح لك موقف سياسي؟
-كنت سعيد الحظ جدًا جدًا في أساتذتي؛ أستاذي الأول والدي، وكان صحفيًّا يوقع باسم سعيد فريد. اسمه الأول مُركَّب (محمد سعيد)، وكان وفديًّا، وفي بيتنا كانت توجد مكتبة كبيرة..
* أين كان بيت العائلة؟
-في العباسية، في شارع فاروق (الجيش بعد الثورة)، كنا عشرة أشقاء أنا أكبرهم. أذكر أن والدي كان يجمعنا ويقرأ لنا بصوت عال ونحن في الابتدائي والإعدادي. قرأ لنا مثلاً مسرحية توفيق الحكيم "أهل الكهف"، وقال إنها مستلهمة من القرآن الكريم الذي يروي أحسن القصص.
وكتاب "المسيح عيسى بن مريم" لعبد الحميد جودة السحار.
وفي مدرسة خليل أغا الثانوية (قسم أدبي/تاريخ) كان أستاذ التاريخ يونان لبيب رزق المؤرخ الكبير فيما بعد، وكان أستاذ اللغة العربية أنور المعداوي أحد أكبر نقاد الأدب منذ الأربعينيات، وهو من علمني وأرشدني إلى ماذا أقرأ، فجعلني أقرأ لنجيب محفوظ وأنا في ثانوي، ومنعني من قراءة بعض الكُتَّاب.
* كيف؟
-قال لي إن هناك كتاب عليك ألا تقرأ لهم إلا عندما تكبر في السن كي تكون لديك مناعة.
* مثل مَّن؟
-مثل يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس وأنيس منصور ومصطفى محمود. لا تقرأ لهم حتى تكبر وتعرف ماذا تأخذ منهم وماذا تترك.
* والسياسة؟
-بيتنا كان وفديًّا، أي ليبراليًّا، ومنذ صغري شعرت بهذا المناخ. كان أبي صحفيًّا برلمانيًّا قبل الثورة، واقتصاديًّا بعدها، كان لدينا صوره في البرلمان مع زعماء الوفد معلقة على حوائط البيت، وخاصة مع فؤاد سراج الدين الذي يشبهه. وعلى الحائط أيضًا "مِنَشَّة" عاج هدية من مصطفى النحاس. وعندما ذهبت للمدرسة الثانوية بدأت أسمع
صورة الاحتفال بعيد ميلاد سمير فريد الخامس، أول ديسمبر ١٩٤٨ - أرشيف مدينة الرقمي
عن الاعتقالات وعن الإخوان والشيوعيين. وكان أنور المعداوي يصطفي من الفصل مجموعة صغيرة جدًا منهم أنا ووحيد محب مخرج التليفزيون، ليلتقونه على مقهى إنديانا بالدقي. وذات يوم سألته "يا أستاذ أنت مع مين.. مين الصح؟". رد بجملة لا أنساها "أنا مع الذين في المعتقل.. لو المعتقلين يمين أنا يميني ولو كانوا يسارًا أنا يساري". سألت "ولو كان الجميع في السجن؟"، قال "إذن سأكون معهم داخل السجن". هذا ما فهمت بعد ذلك أن اسمه ليبرالية. عدم احتكار الحقيقة. وعلى هذا المقهى تعرَّفت إلى رجاء النقاش الذي قدمه لي المعداوي قائلاً
ضاحكًا ضحكته المجلجلة "استلمته من البلد، ومثله الأعلى في الشعر محمود غنيم، وأنظر إليه الآن من كبار نقاد الأدب"، وقد ارتبطت مع رجاء النقاش بصداقة طويلة وعميقة، وهو من أحب الناس لقلبي رغم اختلاف وجهات النظر في بعض الأمور.. واستمر حظي السعيد جدًا جدًا مع الأساتذة عندما دخلت قسم النقد في المعهد العالي للفنون المسرحية بالزمالك. لحقت بعمالقة على مستوى القرن العشرين في سنواتهم الأخيرة؛ محمد مندور رئيس القسم مات في مايو ١٩٦٥؛ وهو نفس شهر تخرجي في المعهد. وصقر خفاجة أستاذ الأدب اليوناني، توفي ١٩٦٤.