هاني شكر الله ليس مجرد سيرة، بل أثر تسلل عبر شقوق صنعها في جدران صلبة. لم يكن ابن لحظته فقط، بل خصمًا هادئًا لليقين واختبارًا لطاقة مفتوحة، نعبر منها حاملين أسئلة لا تزال تقاوم التحول إلى إجابات معلبة
كان هاني شكر الله بارعًا في صنع فجوات في الجدار..
ولد هاني قبل عامين من وصول چنرالات يوليو إلى الحكم؛ عائلته من البرجوازية العليا؛ لأب دبلوماسي وشاعر، وڤيلا في تقاطعات الدقي والمهندسين، لكن هاني اتجه يسارًا، منذ أن كان طالبًا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وحتى يومه الأخير حين كان يفكر في تطوير موقع "بالأحمر" الذي أسسه قبل رحيله... دائمًا ما فتح هاني فجوات في كل المؤسسات، من العائلة للمؤسسة الصحفية الكبيرة "عمل لفترة مديرًا لتحرير الأهرام ويكلي، ثم رئيسًا لتحرير الأهرام أون لاين"، مرورًا بالفجوة التي
صنعها في الحزب "لم يرض بمصير المثقف الحزبي، أو الداعية المهووس بالرسالة الكاملة، حاملة الخلاص النهائي"... وفي كل ارتباطات الشأن العام والخاص "حتى فيما يسمونه بحب الحياة" لم يكن مستهلكًا للكليشيهات الفارغة...
لم يقبل هاني بالضيق الذي يصاحب الطمأنينة التي تصنعها هذه الكيانات؛ كانت فجواته نوعًا من انتماء خاص، يصعب اختزاله حتى في صورة المتمرد ذي الملمح المراهق... فجوات هاني أعمق، تتيح لأجيال جديدة المرور منها، كما أتاحت لهاني تلك العلاقة القلقة مع كل "الإطارات المغلقة" لجيله.
ترك هاني أثرًا في الأجيال الشابة، بقدر
ربما لم يعرفه هو، وهذا ما جعلنا في مدينة نختار هذا المقال الذي كتبه عمرو عبد الرحمن لا لنرثي صانع الفجوات، بل لنرى لقاءً بين هاني وأجيال مختلفة عنه، عبر هذه الفجوة؛ لا لنختزل هاني في أيقونة تعلَّق على حوائط الذكريات، بل طاقة فعالة تسري، على الرغم من غيابها الفيزيائي. تعرَّفت إلى هاني شكر الله، الذي غادر عالمنا قبل سبع سنوات، في فترة متأخرة نسبيًّا من حياته كان فيها شاهدًا ومحللًا وناقدًا لعصر مبارك وإرثه الثقيل الذي فتك بوعود ثورة يناير. وعرفته مُنظِّرًا قبل لقائه شخصيًّا، وكان لقائي به وبعمله المكتوب فاتحة لمسار مُعقَّد لم
عاش هاني شكر الله حياته محاولاً صنع فجوات في جدار كل شيء
لم ينته من تأمل هذا العصر، الذي أكل نصف عمري، وكل شبابي الباكر، وفي الثورة التي سعت إلى كنسه من التاريخ فانتهى مسارها لإحلاله بما هو أبشع. كانت معرفته نافذة أطل منها على معاني الثورة والديموقراطية والماركسية والشيوعية وغيرها من مفاهيم معقدة تستعصي على الاختزال أو التبسيط. وهذا المقال محاولة لإعادة بناء تصوراته تجاه هذه الأسئلة، وهي تصورات تستحق أن تبقى معنا طويلاً متحدية كسلنا وركوننا إلى رثاء الذات والزمن وغواية البكاء على أطلال الثورة وما يجرُّه من راحة.