لعبة اسمها "الروليت المصري"

على طاولة يجتمع الخوف والسلطة...والديون

لعبة اسمها "الروليت المصري"

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

ماذا لو أن الحظ نفسه لعبة مصرية؟ تتقاطع حكايات ثلاثة لاعبين على طاولة واحدة، حيث المال والسلطة والخوف والديون، ورصاصة واحدة تكفي لقلب كل الحسابات. لعبة لا تختار لاعبيها، ولا تضمن لأحد أن يخرج سالمًا

"لكل واحد ظلمني، أنا مش مسامح".. مصطفى أبو الوفا، شاب من محافظة الدقهلية في بث حي عبر فيسبوك بعد ابتلاعه حبتي غلَّة انتحارًا، روِّج أنه رد فعل على تراكم الديون المادية عليه في عمله الخاص.
في أحد مداخل شاطئ المعمورة، كان هناك طريق يجلب نوعًا من السكينة التلقائية، مصنوع بالكامل من الخوص على الجانبين، لكن في خضم التغييرات العاصفة التي عرفها المكان خلال العقود الأخيرة، ظل يبدو وكأنه يحتوي بين ثناياه على سبعينات المعمورة.
من ارتاده في سبتمبر الماضي -٢٠٢٥- كان في الأغلب سيصطدم في نهايته

برجل من مواليد السبعينيات يبدو عليه الإرهاق الشديد، لا ينفيه سوى عادة المشي اليومية التي اعتادها منذ انتقاله قبل أسابيع فقط إلى الشقة الجديدة في المعمورة البلد.
ربما يبادلك الابتسامة في إقرار متبادل بالامتنان لتقاسم تلك اللحظات من الأمواج الهادئة، التي تمنحه قسطًا من الهواء، وبعض سكينة تنسيه رنين الهواتف الستة بحوزته، وعشرات القضايا التي تلاحق مكتبه، وإلحاح العملاء والموكلين، وعشرات الشقق المغلقة الآن، أو التي أجرها في ثلاث محافظات مختلفة، بل بثلاثة دول في قارتين. 

لا أحد يعلم متى جلس نصر على الطاولة للمرة الأولى، ولكنه جمع خبرة كافية لكي يختار أرقامًا وفيشات تضمن فوزه

والأهم من ذلك هو التوتر الطبيعي الذي عاشه على مدار اليومين الفائتين في أثناء دفنه لسيدة ستينية قتلها إثر شهور عصيبة تبادلا فيها التهديدات ومحاولات الخطف استعانةً بمأجورين.
وسط كل ذلك التوتر، كان نصر الدين غازي يعلم أنه يمتلك على الأقل القدرة على أن يجعل متاعبه تختفي، ولو مؤقتًا.
ربما نصر في عامه الثاني والخمسين هو أحد من أدركوا أن السياق الحالي يلزمه خوض غمار ما يسمى لعبة "الروليت المصري"، الذي كانت ممارسته مقتصرة على طبقات سياسية واجتماعية بعينها، قبل أن يجرؤ قطاع أوسع ويجلس على

الطاولة، وربما وضع فيشاته كلها في منتصفها.
الطاولة في حالة نصر الدين غاوي كانت طاولة المعاملات الربوية والإقراض المشروط بالحبس وشراء الديون، بالاشتراك مع لاعب آخر على نفس الطاولة يدعى بسيوني حجاج، فقدَ هو نفسه قدمه التي بترت على يد لاعبين آخرين في لعبة روليت قديمة، جعلته ينتقل من بلدته كفر الدوار، لأنه تسبب في سجن نصف البلدة بفضل الإيصالات الربوية.
لا أحد يعلم متى جلس نصر على الطاولة للمرة الأولى، ولكنه جمع خبرة كانت كافية بالنسبة له لكي يختار

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

أشياء غامضة جدًا قد تحدث في المعمورة، لا يعرفها إلا نصر الدين غازي وضحاياه

الفيشات والأرقام التي تضمن له على الأقل انتصارات مرحلية في سياقها المصري.
إنها "عدة الشغل"..
وعدة الشغل هذه،  لم يسبق لها أن خيبت أمل من لجأ إليها إلا نادرًا، فالشيء المشترك في جميع الشقق التي استأجرها نصر على مدار السنوات الأخيرة أنها كانت تتقاسم صوتًا واحدًا وهو صوت تلاوة القرآن القادمة من أحد الهواتف الستة التي يملكها، مشيعًا نوعًا من الاطمئنان حتى للجيران المتشككين في أمره، فستحفظ التلاوات المكان، حتى لو كانت زوجة عرفية لنصر ترقد ميتة تحت بلاط بنايتهم.

عدة الشغل كذلك تحتوي على أشياء أخرى.. لا بأس أيضًا بشهادة تقدير في العمل الحقوقي، وعلاقات متشعبة في السلطة التنفيذية وماكينة ATM لا تنضب متمثلة في بسيوني حجاج.
وكلها أرقام لها أهميتها في لعبة الروليت المصري، التي تتميز في أحيان كثيرة بعبثية بالغة القسوة تجعلها أكثر إمتاعًا لمدمنيها. الرقم نفسه الذي منح نصر الدين غازي قدرة الجلوس على الطاولة لأطول قدر ممكن، كان هو نفسه الذي دمر لاعبًا آخر مثل مصطفى أبو الوفا، الذي ابتلع المخدر الأبدي المعروف بحبة الغلة، على خلفية ما روِّج أنه بسبب عجزه عن تسديد ديونه

اقرأ أيضاً

المرأة شماعة أزمات المجتمع

المرأة شماعة أزمات المجتمع

زمن احتضار القوميات

زمن احتضار القوميات

ظل الكارثة الطويل

ظل الكارثة الطويل

هل تتوقف معامل إنتاج الموظف السعيد؟

هل تتوقف معامل إنتاج الموظف السعيد؟

مفاوضات على ذاكرة المدينة؟

مفاوضات على ذاكرة المدينة؟

"عبدول" ليس أول العاديين ولا آخرهم

"عبدول" ليس أول العاديين ولا آخرهم