من أزمات الغلاء للأوبئة، المرأة دائمًا مرشحة لتحمل وزر ما تعجز السلطة عن تفسيره. فكيف تحول جسدها ووجودها في المجال العام إلى شماعة للأزمات؟ وكيف تتكرر محاولات ضبط النساء باسم إصلاح المجتمع وإنقاذه؟
"ينتهي الغلاء إذا تحجبت النساء"، عبارة ألصقت على الكثير من جدران القاهرة في فترة صعود التيارات الإسلاموية التي حاولت أن تفرض تصوراتها ورؤيتها على المجتمع ككل. كان الصراع على المرأة جزءًا أساسيًّا في خطاب هذه الجماعات التي سارعت لمطاردة المرأة بالدعوة لارتداء زي بعينه، واعتناق منظومة مجتمعية بعينها يقتصر دورها فيها على كونها مفرخة إنجاب، لكن المدهش حقًّا أن هذا الخطاب له جذوره التي تمتد إلى العصور القديمة؛ إذ دائمًا نجد المرأة معاقبة وفي خانة اتهام، تتحمل مسؤولية فساد السلطة وفشلها
وكذلك جرائم المجتمع، فهي المشجب الذي يعلق عليه الرجال الذين يبحثون عن من يتحمل أخطاءهم وكوارثهم، لذا لم يكن هناك أسهل من استهداف المرأة في مجتمع مبني على خطاب ذكوري ومتشبع به.
لم يغير خطاب التحديث والحداثة وحرية المرأة والمساواة بين الجنسين في المناخ العام والخطاب السائد، ظل المجتمع مبنيًّا على أفكار ذكورية تمييزية ضد المرأة تراها منبع الشرور، وهي أفكار في جزء منها تأتي من هيمنة الكتب الدينية؛ فالتوراة تحمِّل حواء مسؤولية الغواية والخطيئة الأولى، فهي من أقنعت آدم بأكل التفاحة ومن ثَم
الخروج من الجنة والنزول إلى الأرض حيث الشقاء والتعب والعمل، والحياة التي يعقبها الموت.
في هذا التصور الذي تسرب إلى أتباع الأديان الإبراهيمية إذن تبدو المرأة تجسيدًا للشر والخطيئة وكل ما هو سيئ بما في ذلك الوباء والأزمات الاقتصادية، لذلك، وعلى الرغم من عبثية الربط بين الأمرين، لم يكن غريبًا أن يتمخض هذا الخطاب التاريخي عن دعوات حجاب المرأة لعلاج أزمات مصر الاقتصادية. لم تكن جملة "ينتهي الغلاء عند حجاب النساء"، مجرد شعار مكتوب باللون الأسود على جدران بنايات العاصمة المصرية، أو يوزع
كمنشورات في المواصلات العامة أو في جامعات القاهرة على الطلاب، بل يجب موضعته في سياق صعود الحركة الإسلاموية بقيادة جماعة الإخوان المسلمين، التي استغلت الظرف التاريخي التي عانت منه مصر بعد هزيمة ١٩٦٧ المذلة، لنشر أفكارها.
في تلك الفترة استخدمت الجماعات الدينية الحجاب كآلية تعبر بها عن نفسها ماديًّا، عبر رغبتها في تمييز أتباعها، خصوصًا النساء لتأكيد الهوية الإسلامية المتخيلة، وهنا تحولت المرأة إلى ذخيرة في مدفعية الإسلامويين، ووقعت وسط صراع سياسي ومشجب يعلق عليه المتصارعون تصوراتهم عن المجتمع.
بالنسبة لتلك الجماعات التي تريد إعادة صياغة المجتمع على مقاسها، استُدعي الحجاب لكي يكون رأس حربة في صراع آيديولوچي للهيمنة من بوابة النساء، لكن على مستوى آخر كانت هناك نساء ارتدين الحجاب طوعًا، في إطار رغبة تيار في التمسك في ما يراه جذوره الثقافية في مواجهة موجات التغريب الأمريكية التي بدأت تضرب المجتمع، وكان ارتداء الحجاب هنا جزءًا من فكرة مقاومة.
وقعت المرأة ضحية أزمة مجتمع على جميع المستويات وبأشكال مختلفة باعتبارها الفئة الأكثر هشاشة فيه.
لكني أميل لتفسير انتشار الحجاب في
في المجتمع المصري بعوامل ثقافية اجتماعية أساسًا تعود إلى مفهوم الشرف وسمعة العائلة/ القبيلة. ففي هذه المنظومة الجامدة يعتبر حجاب المرأة جزءًا من شرف المجموع، فيتحول الحجاب إلى علامة ظاهرة على جسد المرأة لصالح الذكر المسؤول عنها سواء كان الأب أو الزوج أو الأخ، إذ تصبح المرأة في هذا التصور حاملة سمعة العائلة وحدها.
وربما يفسر هذا سرعة انتشار الخطاب الإسلاموي الذي حصر نفسه في شكلانية الحجاب لأنه يتماهى مع موروث ثقافي قديم وراسخ، كان يمارس في سياق اجتماعي مختلف تمامًا عما نعرفه الآن.
رغم شكلانية الخطاب المختلق حول الحجاب فإنه أصلي وأساسي في خطاب الجماعات الإسلاموية، والرئيس جمال عبد الناصر له خطاب شهير، كشف أن مرشد الإخوان حسن الهضيبي، طالب بفرض الحجاب في مصر، كأهم مطلب في محاولته للسيطرة على تنظيم الضباط الأحرار العام ١٩٥٣.
اللافت أن عبد الناصر في رده الرافض لدعوة فرض الحجاب جبرًا، استشهد بحادثة تاريخية تتعلق بالخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، وقال بكاريزمته الشهيرة: "يقولوا رجعنا لأيام الحاكم بأمر الله، اللي كان بيخلي الناس مايمشوش بالنهار ويمشوا بالليل".