أصبح الفضاء العام ساحة للتفاوض بين الاستثمار والحق في المدينة والذاكرة، فمن يملك حق إعادة تشكيل المدينة؟ وهل يقتصر التطوير العمراني على تحديث المباني أم يمتد إلى صياغة ذاكرة جماعية جديدة؟
لا يبدو التحول الذي تشهده القاهرة اليوم مجرد تجديد عمراني عابر، بل هو في جوهره صراع مفتوح على هوية المدينة وذاكرتها الجمعية، تتقاطع فيه مصالح الدولة ورأس المال مع حقوق سكان المكان الذي صنعوا تاريخهم فيه عبر أجيال.
من مثلث ماسبيرو إلى بولاق أبو العلا وميدان التحرير، تتكشف ملامح معادلة واحدة تتكرر بصور مختلفة: تطوير يقدم باسم الحداثة والتحديث، بينما يعاد رسم المدينة لصالح فئة اجتماعية مختلفة تمامًا عن التي سكنتها لعقود.
وهنا نتتبع أبعاد هذا الصراع، من محو الذاكرة العمرانية إلى غياب المشاركة
الشعبية في القرار، مرورًا بتجارب مدن عربية أخرى تواجه المعضلة ذاتها، وصولاً إلى تصور بديل يوازن بين ضرورات الاستثمار وحق المدينة في الاحتفاظ بروحها.
محو الذاكرة وصراع الهوية
تمثل تحولات القاهرة تهديدًا حقيقيًّا لذاكرتها الجمعية وهويتها التاريخية المتراكمة؛ إذ تتشابه شوارعها التجارية الجديدة مع نظيراتها في أي عاصمة أخرى حول العالم، بينما تختفي تدريجيًّا تفاصيل معمارية صغيرة منحت كل حي طابعه الخاص ورائحته وذاكرته البصرية الفريدة. هذا الطمس الثقافي لا يقتصر أثره على المباني، بل يمتد إلى أنماط
الحياة الشعبية من حرف تقليدية وأساليب تجارة موروثة مهددة بالانقراض أمام زحف نموذج اقتصادي واحد لا يحتمل التنوع.
الشارع كذلك فضاء حيوي للتعبير، فمن المفترض أن يجد الشباب في المساحات العامة المتبقية متنفسًا لممارسة أنشطة ثقافية بديلة لا تجد لها مكانًا في المؤسسات الرسمية، لكن هذه المبادرات تصطدم بمحاولات فرض قيود سلوكية واجتماعية صارمة على استخدام الفضاء العام؛ فبينما يرى فريق في هذه الأنشطة مظهرًا صحيًّا من الحيوية الثقافية وحرية التعبير، يراها فريق آخر أكثر محافظة خروجًا عن الأعراف
يستوجب التقييد والمنع.
هذا التباين القيمي حول طبيعة الاستخدام المشروع للشارع يضيف بعدًا آخر للصراع، إذ يصبح الفضاء العام ساحة لتنازع المعايير الأخلاقية والاجتماعية بقدر ما هو ساحة لتنازع المصالح الاقتصادية والسياسية.
القاهرة الخديوية والحاضر المفقود لفهم هذا التحول، لا بد من استحضار الذاكرة التاريخية لوسط القاهرة الخديوي، المنطقة التي صممت في القرن ١٩ على طراز عمراني أوروبي متناسق، بشرفات حديدية مزخرفة وميادين واسعة وأرصفة ظليلة، فشكلت لعقود طويلة نموذجًا لفضاء
عام حضري متكامل يجمع بين الجمال المعماري والوظيفة الاجتماعية.
وحين نقارن بين تلك الصورة التاريخية وما آلت إليه كثير من المناطق اليوم من إهمال أو تحول قسري نحو الاستثمار التجاري الصرف، ندرك حجم الفجوة التي تفصل بين رؤية تخطيطية وضعت الإنسان وراحته في مركز التصميم، ورؤية معاصرة تضع العائد الاستثماري والمظهر الدعائي في مقدمة أولوياتها. وهذه المقارنة ليست دعوة للحنين العاطفي إلى الماضي بقدر ما هي محاولة لفهم ما فُقد من منظومة قيم تعاملت مع الفضاء العام باعتباره خدمة عامة لا أصلاً قابلاً للتسييل.
في ظل هذا المشهد، تصاعدت في السنوات الأخيرة أصوات تطالب بإعادة النظر في فلسفة التعامل مع الفضاء العام في القاهرة، تدعو إلى إشراك المواطنين فعليًّا في قرارات التخطيط الحضري التي تمس حياتهم اليومية، والحفاظ على ما تبقى من المساحات الخضراء والمباني التراثية باعتبارها رأس مال رمزي لا يقل أهمية عن رأس المال الاقتصادي، وإعادة التوازن بين منطق الاستثمار ومنطق الحق في المدينة الذي يكفل لكل مواطن، بصرف النظر عن قدرته الشرائية، حق متساوي في الانتفاع بالفضاء العام.
وهذه الأصوات، وإن كانت لا تزال
محدودة التأثير أمام ضخامة المصالح المتشابكة بين الدولة ورأس المال، تمثل مؤشر على وعي متنامٍ بأن المدينة ليست مجرد مساحة عقارية قابلة للاستثمار، بل كائن حي يحمل ذاكرة
وهوية وكرامة إنسانية لملايين قاطنيه.
مثلث الذاكرة
لعل أبرز الأمثلة الحية على هذا الصراع ما جرى ويجري في منطقة مثلث ماسبيرو وسط القاهرة، حيث تكثف المنطقة في مساحة جغرافية محدودة كل التناقضات والتوترات التي تعيشها القاهرة في علاقتها مع ذاكرتها العمرانية ومع سكانها الأقل حظًا من ثمار التحول الاقتصادي المتسارع.