في ثلاثينيات القاهرة، كيف تحولت بديعة مصابني من راقصة وصاحبة كازينو إلى شخصية تجلس جوار طه حسين وأم كلثوم؟ وهل كان الضحك في محكمتها الساخرة وسيلة لإعادة رسم ملامح مصر الحديثة وهويتها؟
"الألفة هي ما قدمته الثقافة الشعبية منذ اختراع المطبعة"
چيمس ب. تويتشل،ثقافة الكرنڤال: الذوق المبتذل في أمريكا، ١٩٩٢.
الحداثة والتسلسل الهرمي للثقافة "الكتب العظيمة" التي ألَّفها "رجال عظماء" هي عادةً أدوات لدراسة ثقافة للمجتمع. في حالة مصر، تتضمن قائمة أعمال القرن العشرين كتابات لكتاب مثل طه حسين ومحمود عباس العقاد. وتتضمن قائمة أعمال الثقافة الرفيعة للمجتمع أيضًا شخصيات من مجالات أخرى، من صحفيين وفنانين وموسيقيين ومسرحيين. وفي مصر، تشمل الرموز الثقافية شخصيات مثل الكاتب محمد
حسين هيكل، والمطربة أم كلثوم، والملحن والمطرب والموسيقي محمد عبد الوهاب، والممثلَين چورچ أبيض ونجيب الريحاني.
عند دارسي المجتمع المصري، وحتى عند المصريين أنفسهم، تمثل إنجازات هؤلاء الأشخاص تتويجًا لخط تطور ممتد من التقاليد الراسخة، الكلاسيكية والشعبية على حد سواء، يتجه إلى الحداثة مع مقدار معقول من التقنيات الغربية.
قد يربط نقاد الموسيقى، والموسيقيون أنفسهم، الفنانين المعاصرين بعمالقة الموسيقى مثل محمد عبد الوهاب وأم كلثوم، اللذين يمكن العودة بجذورهم الفنية إلى شخصيات من أواخر القرن
التاسع عشر؛ مثل سلامة حجازي وعبده الحمولي وألمظ ويتذكر نقاد ومؤرخو السينما والمسرح الرواد چورچ أبيض ونجيب الريحاني ويوسف وهبي وغيرهم.
نقاد الأدب يتبعون أيضًا هذا الأسلوب. مثلاً، عادة ما يُرجع النقاد المصريون المعاصرون أصول السرد العربي الحديث إلى "حديث محمد المويلحي عن عيسى بن هشام". وقد نُشرت للمرة الأولى مسلسلة في صحيفة "مصباح الشرق" عام ١٨٩٨، وهي مستمدة من الجذور الجليلة في الأدب العربي الكلاسيكي. ويميز الخطاب القومي المصري المعاصر بين هؤلاء الأبطال الشرعيين للحداثة،
وأنواع التعبير الأكثر إشكالية سيئة السمعة، ، التي اعتبرت "مبتذلة" أو "تجارية"، واتهمت بأنها تسعى إلى فصل المصري الأصيل عن الأجنبي طرح كل من چيمس ب. تويتشيل James B. Twitchell ١٩٩٢ ولورانس و. ليڤين Lawrence W. Levine ١٩٨٨، أن التمييز بين الثقافة "الرفيعة" و"المبتذلة" لم يكن شائعًا في أمريكا حتى النصف الثاني من القرن ١٩.
قبل ذلك، كانت جميع الطبقات الاجتماعية تحضر العروض الترفيهية الشعبية مثل مسرحيات شكسبير والأوبرات، وحتى ما نعتبره الآن من كلاسيكيات لا يمكن المساس بها، عدِّلت
لتناسب ذوق الجمهور. لكن في نهاية القرن، أصبحت الأوبرا والمسرح الإليزابيثي والموسيقى السيمفونية خاضعة لمعايير التذوق.
في مصر، تم القفز على التطور الذي استغرق ما يقرب من نحو القرن في أوروبا وأمريكا. فتُرجمت الروايات الغربية إلى اللغة العربية ليقلدها المؤلفون ويتعلموا منها، كما أدخلت الموسيقى ذات النمط الغربي إلى الثقافة المحلية، وأنشئت الأكاديميات لدراستها وأقيمت دار الأوبرا في القاهرة.
كانت الحساسيات الجمالية المتطورة موجودة بالفعل تجاه الموسيقى والأدب العربي "الكلاسيكي"، لكن هذه
الحساسيات لم تلمس المصري العادي بالطريقة التي تذوَّق بها الأمريكيون العاديون شكسبير في حدوده القصوى. ومع مطلع القرن، ساعدت التجارب الجريئة في المسرح والنشر على خلق مستهلك جديد للمواهب الإبداعية: من محبي المطربين المشهورين، والأغاني القصيرة والمسلية، وقراء المجلات المتخصصة في السينما والمسرح.
قد تفصح عقود لاحقة عن بعض هؤلاء الفنانين، وتضعهم جنبًا إلى جنب مع آخرين ناجحين في مجالات القيادة الوطنية والإصلاح الديني والعلوم والآداب. لكن المجلات المصرية الشهيرة
في أوائل القرن العشرين، تُظهر لنا عالمًا
كانت الثقافة فيه خليطًا متنوعًا (سلطة بلدي)، وهو ما يتناقض مع الطرح الذي يقدمه تويتشيل، بوضع هذه الشخصيات جنبًا إلى جنب مع السياسيين المنسيين الآن وأبناء المجال الفني.
الصحافة الشعبية: مجلة الإثنين
منذ النصف الأول من القرن العشرين، قدمت المجلات المصرية الشهيرة ثروة من المعلومات غير المستغلة حول الهوية الوطنية الحديثة، وذلك من خلال تجاور غريب لبعض العناصر. وهذا التجاور شائع في الآيديولوچيات
القومية، التي تعمل غالبًا من خلال التوتر بين الحاجة إلى التأصيل، بالإشارة