محاولة فهم لماذا تتصاعد الجرائم ضد الصحفيين؟ لماذا تعاد عصور تنبأ بها جورج أورويل؟ هل تريد السلطة احتكار المعلومة؟ أم تعريف من يحق له العمل بالصحافة؟ أم يتسع جبروتها لتحدد من يستحق الحياة؟
لماذا يسجن ويطارد مئات الصحفيين وتصادر الصحف وتغلق المواقع في وقت لم يعد في إمكان أي سلطة كانت أن تحجب المعلومات تمامًا وقد صار الوصول إليها متاحًا لكل من يملك تليفونًا محمولاً؟ إنها شهوة الانفراد بموقع الراوي الوحيد؛ يتم القتل والقمع باسم الناس أو الوطن أو الدين.. وهذا ما يضيف إلى شهوة القتلة في التوحش، أثقال الخديعة.
تقول الكاتبة الكندية مارجريت أتوود "إننا نعيش عصرًا جديدًا من عصور أوبريان" وهو لمن لا يعرفه جلاد الحزب؛ الذي مثل اليد القاتلة في رواية جورج أورويل الشهيرة "١٩٨٤"، اليد
التي تعاقب الخارج عن الإذعان المطلق للحاكم أو سلالته أو جماعته أو طبقته، أو غيرها من أشكال تسلط أمراء الحرب والثروة على شعوب يريدونها عمياء، خرساء، لا تعرف سوى طريقة الدوران في ماكينات البحث عن لقمة العيش.
لم تعد ملاحقة الصحفيين استثناء يقع في البلدان التي تشهد حروبًا أو تحكمها أنظمة مغلقة، بل أصبحت ظاهرة عابرة للحدود، تتخذ أشكالاً متعددة، من القتل المتعمد والقصف والاختفاء القسري، إلى الاعتقال والمحاكمات السياسية، والتشهير والتهديد والمراقبة الرقمية.
في غزة، تحولت تغطية الحرب
إلى مهمة محفوفة بالموت، وسقط عشرات الصحفيين والعاملين في الإعلام، وفي السودان، بات نقل أخبار الحرب وتوثيق الانتهاكات يعرض الصحفيين للقتل والاعتقال والاختفاء، بينما تلاحق شبكات الجريمة المنظمةالصحفيين بسبب تحقيقاتهم في الفساد والعنف
في المكسيك.
في بلدان أخرى، تستخدم قوانين الأمن القومي ومكافحة الإرهاب والأخبار الكاذبة لتجريم العمل الصحفي، وإخضاع ما ينشر لما تسمح به السلطة. وفقًا للجنة حماية الصحفيين، قُتل ١٢٩ صحفيًّا وإعلاميًّا حول العالم خلال عام ٢٠٢٥، في أعلى حصيلة تسجلها المنظمة
منذ بداية نشاطها التوثيقي ١٩٩٢.
كما أحصت المنظمة ٣٣٠ صحفيًّا في السجون مع نهاية العام.
لا يتعلق الأمر إذن بضحايا يسقطون في ساحات القتال فقط، بل بحرب أوسع على حق المجتمعات في المعرفة، وعلى كل من يحاول أن يضع الوقائع في مواجهة الروايات الرسمية.
إنها عبودية جديدة لا بد فيها من تقطيع جثث الصحفيين، أو مطاردتهم كالمجرمين والخونة، أو سد السبل التي توصل الحقيقة إلى الناس، كي تختفي كل رواية غير رواية أسياد السلطة..
لم يعد هذا مجرد خيال روائي يحمل نبوءة، بل هو واقع ننكره أحيانًا ونتواطأ
صور صحفيو مؤسسة كابيتال جازيت وعدنان خاشقجي، تتصدر أغلفة لم تكتبها
معه أحيانًا أخرى.. لكننا في النهاية نعيشه بكل حضوره المعتم.
لهذا نستعيد مقال مارجريت أتوود "خسارة الصحافة الحرة تعني التخلي عن الديموقراطية" الذي نشر في ديسمبر ٢٠١٨ ولا يزال صالحًا كأنه كتب الآن، إذ يشتبك مع سؤال: لماذا تشتعل الآن شهوة الهجوم على الصحفيين؟
...
مقال مارجريت آتوود
في رواية جورج أورويل "١٩٨٤" يقول جلاد الحزب أوبريان، لضحيته البائسة ونستون سميث: "كم عدد الأصابع في يدي التي أرفعها؟"؛ والإجابة الصحيحة ليست أربعة، ولا خمسة؛ الإجابة
الصحيحة هي ما يقول أوبريان إنها كذلك. هكذا يتصرف الشموليون وأمراء الحروب والسلطويون من جميع الأنواع على مر العصور؛ الحقيقة هي ما يقوله هؤلاء الناس، لا ما تعلنه الوقائع. فإن حاز الشموليون السلطة تمامًا، وصممتَ أنتَ على ذكر عدد الأصابع الحقيقي، فستسجن، أو تقطع رأسك. أما إذا كان الشموليون في مرحلة التكوين، فعلى الأقل ستتهم بالترويج لأخبار مضللة. حاليًا، نجد أنفسنا نعيش في عصر جديد من عصور أوبريان -أوبريان إحدى شخصيات رواية "١٩٨٤"، أحد أعضاء الحزب المسؤولين عن استجواب المارقين- كم عدد الصحفيين ورواة
الحقيقة في العالم الذين قتلوا أو أعدموا بعد إجراءات شبه قانونية، أو سجنوا أو تم نفيهم؟
متى سنبني نصبًا تذكاريًّا عليه أسماؤهم؟ لماذا قد يهتمون بذلك؟
لأن معرفة ما تفعله السلطة باسمنا، إن كانت ديموقراطية، أو باسم بعض المفاهيم المجردة؛ كالوطن، والدم، والأرض، والآلهة، والفضيلة، والملكية، هي الطريقة الوحيدة التي يمكن لمواطني أي مجتمع أن يبدأوا بها في محاسبة السلطة.
إذا كان المجتمع يطمح لأن يكون شيئًا عدا مجتمع عبودي، فإن الصحافة الحرة المستقلة، التي يملك صحفيوها الحق في