بين أناشيد أصبحت طبولاً وقوارب هجرة نحو الشمال، كيف تحولت الوطنية العربية من انتماء جامع لشعار يلغو به الحاكم الفرد، بينما تتفكك الدولة ويتقدم الذكاء الاصطناعي ليعيد صياغة أسئلة الهوية والانتماء
وطن الحر سمًا لا تمتلك… والفتى الحر بأفقه ملك. يجسد هذا البيت من قصيدة "اسلمي يا مصر" مصطفى صادق الرافعي -وهي الأهم بين الأناشيد الوطنية- لغو الأغاني الوطنية الفارغة التافهة.
تبدو ساحات السجالات والجدل والصخب الرقمي مترعة بالانطباعات والتأملات اللحظية والآراء المرسلة السابحة في سياجات وقيود اللحظة، وغالب المتداخلين الرقميين، أفرادًا أو مجموعات أو عصبًا، تحركهم السلطات العربية، ويدورون في حدود وقيود وسياجات اللحظة التاريخية وحمولاتها وخطاباتها وما وراء خطاباتها السياسية،
إذ تغيب بعض معلومات أو أو غالبها، وتشوَّه الوقائع التاريخية، ويتم الاعتماد على الذكاء الاصطناعي التوليدي.
والمثير أننا في عالم الإناسة الروبوتية والذكاء التوليدي والقطيعة المعرفية الزلزالية مع معارفنا وبنياتنا وعقائدنا وأدياننا ومذاهبنا، على اختلافها، وثقافاتنا العربية ولغتنا، لا نزال ندور في مدارات ماضوية، أيًّا كانت تاريخيتها، تعتقل العقل العربي والمصري تحديدًا، وتقيد نظراته. وغارقين في استعادة القضايا والمشكلات الكبرى التي لم تُحل فلسفيًّا وفكريًّا في ظل التسلطية والاستبداد العربي الغاشم، إلا عبر بعض النظرات التوفيقية والتلفيقية التي
ذهبت إلى الفشل التاريخي.
وفق كتاب فوزي منصور بالفرنسية، يتجلى خروج العرب من التاريخ، ونحن لا نزال نقليًّا نستعيد قضايا ومصطلحات وأفكار ماضينا التاريخي والديني والوضعي المتخيل، وفق العقل الديني النقلي، أو العقل النقلي شبه العلماني. وهي سلفيات تتغذى من أسلافها ومتونهم المرجعية على اختلافها. والأخطر تحول السجالات نحو التشدد والجمود، وتحول بعض الانتماءات الدينية والمذهبية إلى وظائف يعمل بها وعليها بعضهم، وهو ما يمتد إلى العقليات النقلية شبه الحداثية وشبه المعلمنة التي تجاوزتها متونها الفلسفية
والنظرية والاصطلاحية، والتجارب التاريخية والسياسية في مرجعياتها الغربية. وثمة انفصال عن التجارب التنموية والتكنولوجية والعلمية والبحثية، بل والفلسفية، في الصين وكوريا الجنوبية والهند وسنغافورة وماليزيا وفيتنام، أي في آسيا الناهضة التي ستلعب دورًا في عالم متعدد الأقطاب يلوح في الأفق، فيما نحن أسرى الدوائر الغربية ودولها الأكثر تقدمًا في شمال العالم.
الأخطر في عالم يتحول إلى ما بعد الإنسانية أننا لا نزال نعيد بعض المفاهيم السوسيو-سياسية الحداثية والمعاصرة، كالهوية والوطنية والانتماء،
هل كان الرافعي يدري وهو يكتب نشيد "اسلمي يا مصر" أنه يكتب أول لغو في الأغاني الوطنية التافهة؟
وكأنها مفاهيم أزلية عابرة للأزمنة والأمكنة والشعوب والثقافات والتجارب التاريخية. ومن هنا يأتي المأزق التاريخي والمعرفي الذي يحياه العقل المصري تحديدًا في لحظة فارقة في تاريخنا السياسي والثقافي.
في كافة التقديرات، سيؤدي تشكل التطورات المتلاحقة وفائقة السرعة للذكاء الاصطناعي التوليدي، وتبلور قدراته الذاتية، إلى عدم قدرة على السيطرة على الفعل التوليدي الذاتي،
إذا جاز التعبير. وبقطع النظر عن مدى إمكانية السيطرة عليه، أو إبطاء عمليات تطويره أو الاستمرار فيها، فإن الصراعات الدولية على معامل اختبار
الذكاء الاصطناعي والروبوتات قد لا تحول دون مآلات خطرة على كافة مجالات الحياة والوجود الإنساني في مرحلة ما بعد الإنسانية التي بدأت تلوح في الأفق، وفق تقديرات كبار الخبراء لدى الشركات الرأسمالية الرقمية النيوليبرالية الكونية. والأهم أن هذا التحول سوف يعصف بتراث ضخم من الفلسفات والنظريات والمفاهيم والمصطلحات في مجال العلوم الإنسانية، بل والطبيعية.
من هنا تنعكس آثار هذا التحول على نظرياتنا ومفاهيمنا مثل الدولة والسيادة والنخبة السياسية والطبقة والنظام السياسي والقومية، وغيرها من
من مفاهيم تحليل المجتمع الإنساني وفي مجالات السياسة والاقتصاد والعمل والعلاقات الاجتماعية والعلاقة مع الآلة. لهذا تبدو بعض مظاهر التمردات العرقية والقومية في أوروبا والولايات المتحدة ردود فعل نكوصية -مع أسباب أخرى- على تطورات باتت تشكل رهابًا/فوبيا كونية لدى قطاعات داخل هذه المجتمعات الأكثر تقدمًا.
في المنطقة العربية المضطربة عسرًا ويسرًا، ومع الحرب على غزة، وإيران، ومنها على بعض دول الخليج النفطية والأردن، تتبدى حالة من التوهان السياسي والتاريخي، وتتجلى هشاشة نظم اليسر الريعية وأنماط تحالفاتها