الإنسان العربي في قفص السلطان

التخلف التاريخي والوجود المحاصر

الإنسان العربي في قفص السلطان

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

مقال مشغول بالإنسان في بقعتنا العربية ماذا يفعل حين يختزل إلى تابع لرغبات الحاكم؟ كيف أصبح القمع  ومصادرة المجال العام عائق أمام العلم والإبداع والسياسة؟ وماذا تغير في عالم الذكاء الاصطناعي؟

لم يحدث تقدم في تاريخ التطورات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الحداثية والتحديثية في تجارب الأمم التي تقدمت إلا من خلال الحضور الفاعل للإنسان وجودًا وفعلًا وفكرًا وتحررًا، من خلال الإقرار بدور الفرد الحر عقلًا وتفكيرًا وإبداعًا في كافة المجالات، ومن خلال العمل والكفاءة والمسؤولية والإرادة الحرة، ودولة القانون، وحقوق المواطنة، وتشكّل مجتمعات مدنية حية وفعالة في تفكيرها ومبادراتها الفردية والجماعية بين المواطن والدولة وسلطاتها وأجهزتها. وهذا الاستخلاص المبسط لتجارب التحول في بنيات الرأسماليات الأوروبية

والأمريكية، وهو ما تشير إليه نتائج التطورات في الديموقراطيات الليبرالية الغربية، والثورات الصناعية من الأولى إلى الرابعة، كان تعبيرًا عن التفاعلات بين الإبداع الفردي، وحركية الرأسمالية، والأهم حرية العقل النقدي، وحريات الفكر والتعبير والبحث العلمي في العلوم الطبيعية والتطبيقية، وفي العلوم الإنسانية على اختلاف مجالاتها.
الأهم هو التمايز الذي حدث بين ما هو وضعي وميتا-وضعي، أي بين ما ينسب للقوى غير المنظورة -في منظور الفلسفة الغربية القانونية بما هي فلسفة القانون والسياسة- وبين تنظيم الحياة ونظامها الاجتماعي والأخلاقي وسلطاتها

الوجود والفرد الحر أحد محركات العقل الغربي الذي أسهم بفاعلية في تطور الرأسمالية بقطع النظر عن انعكاساتها النيوليبرالية المتوحشة

وأنظمتها السياسية ومؤسساتها، وفق العقد الاجتماعي المتمثل في الدساتير والمبادئ الدستورية العامة، الذي تضعه الإرادة العامة للأمة، وليس الأديان أو المذاهب أيًا كانت سماوية أو وضعية، أو إرادة الحكام أيًّا كانوا. من ثم بات التدين والاعتقاد فرديًّا، ومحميًّا في ظل حرية التدين والاعتقاد، وحقوق المواطنة، ولم تعد للمؤسسات الدينية أي دور في السياسة والتشريع.
من هنا كان الوجود الإنساني الحر في الغرب تاريخيًّا مرتبطًا عضويًّا بالحريات الفردية والعامة وميلاد الفرد كفاعل ومشيئة وإرادة حرة، ومن ثم كان الوجود والفرد الحر أحد محركات

العقل الغربي الذي أسهم بفاعلية في تطور الرأسمالية في مراحلها المختلفة، بقطع النظر عن انعكاساتها النيوليبرالية المتوحشة، وثورة الاستهلاك المفرط في مفاقمة أزمة الوجود والمعنى على الشرط الإنساني، والحريات في ظل تمدد وهيمنة مركزية حرية الاستهلاك المكثف والتشيؤ الإنساني، وتسليع الحياة الاجتماعية، وأزمات الليبرالية.
لم يعد شمال العالم في ظل الثورتين الصناعية الثالثة والرابعة قادرًا نسبيًّا كما كان قبلاً على أن يعكس الوجود الفردي، والشرط الإنساني الوجودي من خلال المؤسسات الديمقراطية التمثيلية وآلياتها، وفتراتها الزمنية بين انتخابات

لأخرى، لكي يثبت  حضوره، ووجوده السياسي في الحياة، لأن هذه الآليات الزمنية لم تعد مؤثرة على فاعلية إرادة الجماعات الناخبة والأفراد في إثبات حضورها السياسي، وسط مشكلات سياسية، واقتصادية واجتماعية تتفاقم يومًا بعد الآخر، وهو ما عكسته ظاهرة احتجاجات السترات الصفراء في فرنسا. وستؤدي التطورات المتلاحقة للذكاء التوليدي وعالم الروبوتات إلى قطيعة مع ما كنا نعرفه منذ الحداثة إلى ما بعدها، وعالم الما بعديات الذي غادرنا، وترك الإنسان رهينة حالة من التوهان والاضطراب والتشوش، واللايقين والذهول، والأخطر فقدان المعنى،

النزعة الوسائطية من بعض رجال الدين جعلت رجال الدين بعد غلق باب الاجتهاد تاريخيًا وكأنهم وكلاء السماء إلى العباد المؤمنين

وبعضهم يجدها في الاستهلاك والعزلة وعالم الحواس، حالة لم تشهدها الإنسانية حتى الثمانينيات وما بعد من القرن العشرين، ما بالنا بوضعية بقايا النظم الشمولية، والتسلطية والشعبوية في جنوب العالم، والمنطقة العربية، وتخلفها التاريخي المركب بل خروجها من التاريخ وفق فوزي منصور.
حيث الوجود الإنساني خضع ولا يزال للاستبداد، وقمع الفكر النقدي، وحريات التعبير، وفرض القيود على الحريات العامة واعتقالها فيما وراء موت السياسة في هذه البلدان العربية يسرًا وعسرًا.
الوجود الإنساني والحرية المصادرة

عربيًّا، وراءها ميراث تاريخي طويل من الفكر السلطاني والديني التسلطي الداعم للسلطات الحاكمة، ونفي الإنسان في السياسة والوجود لصالح الحكام الطغاة، وأتباعهم من رجال الدين. 
الخطاب الديني الوضعي وتأويلاته الداعمة لولاية السلطان المتغلب في فقه الجمهور السني -أيًّا كان اسمه ووصفه ودائرة حكمه وجغرافيتها تاريخيًّا- حاول الاستيلاء رمزيًّا والاستحواذ على الخطاب الإلهي المقدس -تعالى وتنزّه رب العالمين- من خلال الحلول المستتر في منطق الخطاب المتعالي من الله إلى عباده المؤمنين من أعلى وإليهم من

اقرأ أيضاً

بديعة مصابني  وكرنڤال الهويةالوطنية 

بديعة مصابني  وكرنڤال الهويةالوطنية 

من النشيد إلى قارب الهجرة

من النشيد إلى قارب الهجرة

لعبة اسمها "الروليت المصري"

لعبة اسمها "الروليت المصري"

المرأة شماعة أزمات المجتمع

المرأة شماعة أزمات المجتمع

زمن احتضار القوميات

زمن احتضار القوميات

ظل الكارثة الطويل

ظل الكارثة الطويل