زهران… فاصل بين هزائم يومية

 كيف رأى مهاجر قاهري تحولات نيويورك

زهران… فاصل بين هزائم يومية

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

كيف تحولت نيويورك، مدينة الرأسمالية والأساطير اليومية، إلى مسرح لفوز شاب اشتراكي ومسلم؟ وهل كان صعود زهران ممداني مصادفة، أم نتيجة لتراكم هزائم صغيرة يعيشها سكان المدينة؟

"أمي جاءت بي إلى هذا العالم، وعلمتني أن أفهمه، وأني إذا لم أروِ قصتي بنفسي، فلن يرويها أحد أبدًا".
*كتب زهران ممداني هذا التعليق على حسابه في إنستجرام في 11 مايو الماضي، مصحوبًا بڤيديو له رضيعًا بينما تلبسه أمه المخرجة ميرا ناير قميصًا.
....
تيار الهواء الذي يواجهك في صباحات نوفمبر في تلك البقعة من ماديسون أڤينيو يكسر العظام، على النقطة السفلى من الجادة، يبدو كل شيء كطريق صاعد إلى جبل لا قمة له، فقط خطوط تظهر من بين الضباب، كأن تصميمه المبدئي السيزيڤي الطابع مقصود. كل صباح من تلك الفترة

تحاول أن تذكر نفسك أنك في نهايات 2023، خارج للتو من حضانة حديثي الولادة، حيث ما يزال هناك 40 يومًا باقية حتى تعبر ابنتك حاجز الخطر، تذكر نفسك ما إذا كان هناك مستشفى قصف في غزة أمس أم أول أمس، تحاول أن تجد طريقك بين ثنايا تظاهرة أمام بوابة المستشفى من أعضاء الأطقم الطبية في نيويورك اعتراضًا على هضم حقوقهم وتزايد أعبائهم، خاصة منذ مارس 2020 في أعقاب تفشي الكوڤيد، تتذكر أن خبر أمس من غزة كان عن فصل الكهرباء عن حضانات عديدة لحديثي الولادة، تحاول تفادي المارة ومن بينهم عربات الفلافل الشرقية، وصناديق الكهرباء العمومية،

في ٢٠٢٣ يتفشى الإحباط بسبب التضخم، والعجز المتواصل لإدارة بايدن عن مواجهة أصوات اليمين الترامبي

وملصقات عليها صور أسرى الطوفان مع رسالة تطالب بالسعي للإفراج عنهم.
تتذكر أن واقعة الحضانات كانت الأسبوع قبل الماضي، تحاول أن تقنع نفسك باللجوء بين طاولات "بان كوتيديان" البرجوازي الأنيق، مستفيدًا من تعرف الخباز الكولومبي على وجهك الدائم ليهديك قطعة من خبز الموز مجانًا. ولا يتبقى لك سوى تأمل مَّن قرروا النزول مبكرًا لشراء ساعات يد ذات أربعة أصفار، وفساتين سهرة ذات خمسة، وحقائب يد أرخص من ذات الثلاثة، تحاول أن تلعب اللعبة اليومية لتخمين أي من تلك المباني في ماديسون أڤينيو كانت مقر شركة ستيرلنج كوبر للدعاية

والإعلان في مسلسل Mad Men، وتحديدًا التي عرفت اجتماعهم (عام 1960 طبقًا للموسم الأول) مع غرفة السياحة الإسرائيلية في إطار تصميم حملتها الدعائية للذهاب إلى الوطن الفتي.
نيويورك فاشلة في إخفاء مشاعرها بشكل لحظي، تمامًا كالحال في نوفمبر 2016، بين تفاؤل الساعة الثامنة والجنازة الصامتة في ثنايا شارع هيوستن مع وصول الأرقام الأولى لنتائج الانتخابات الرئاسية. في 2023 يتفشى الإحباط بسبب التضخم، والعجز المتواصل لإدارة بايدن عن مواجهة أصوات اليمين الترامبي. الأكاذيب بشأن غزة على مدار الساعة، والحوادث

الأمنوية المتكررة على نحو مزعج في قطارات الأنفاق، والتوتر التصاعد (برعاية مينوش شفيق) على بعد ثلث ساعة في جامعة كولومبيا بشأن الاحتجاجات الطلابية، أنباء القبض على بريانا ساجس مسؤولة التمويلات في إدارة إيريك آدامز عمدة نيويورك، بسبب تلقي حملته مبالغ أجنبية من حكومات أجنبية (تحديدًا تركية).
الديچافو الذي لا ينتهي بكل ما يحيط بالسياسة المحلية للمدينة وللولاية بشكل عام.
أجواء تعطيك انطباعًا أنه البارفان الرسمي الذي يضعه كل ما تقابله:
(النجاة فردية ولكن الهلاك جماعي).

الوجه العابر لشاب يدعى زهران ممداني، لم يتوقف عن الظهور والتكرار، لا يوجد فيه شيء استثنائي

الوجه العابر بقناة ABC7 في نهاية أكتوبر ضمن تظاهرات وقف إطلاق النار كان مجرد وجه متكرر من ضمن وجوه توصم على نحو يومي، لن تحصد سوى الأفول مع دخول الجميع للعام الانتخابي الأكبر في 2024، لكن ذلك الشاب (الذي كنت أعتقد أنه من أصول إيرانية) ظهر بشكل متكرر، داعمًا لكأس فلسطين للكرة في كوينز، مهنئًا الجميع بعيد العمال، أرسل تهنئات لعيد الفطر مع دعوة لتذكر عائلات غزة بصورة لأسرة تتناول الإطار بين الأنقاض، وتهنئة للكنيسة الأرثوذكسيه اليونانية في كوينز، وتناول الإفطار في القطار مع مناقشة سريعة لمشكلة الإيجارات، وشارك في تظاهرات ضد تطبيق قانون

الدفع الضريبي لمرور السيارات بشوارع مانهاتن في أوقات الذروة، متسائلاً عن السبب في دفن دور الأتوبيسات العامة المجانية في حل مشكلة التكدس. وموجود في محلات البقالة اليهودية، وفي سيارة تاكسي مع سائق سنغالي، وفي مطعم أبو قير للأسماك في أستوريا.
صورة لمتظاهرة أمام جامعة كولومبيا ترفع لافتة "لماذا تدرسون إدوارد سعيد إذا كنتم لا تريدون مني تطبيق كلماته"، تهنئة لوالدته (تذكرني ابتسامتها بوالدتي) بمناسبة عيد الأم، التي كانت تلومه لأنه متأخر دومًا، لكنه أفضل من الغياب الكامل، يخرج من صندوق قمامة فارغ في إطار حملته للقضاء على تراكم المخلفات في كوينز،

اقرأ أيضاً

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

صراع الشريعة والقانون الحديث

صراع الشريعة والقانون الحديث

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

تشوهات الحداثة القانونية 

تشوهات الحداثة القانونية