«لقد حققت عزيزة أمير ما فشل الرجال في تحقيقه!».. هكذا صرَّح طلعت باشا حرب في العرض الأول لفيلم ليلى...
في يوم الثلاثاء 1 نوفمبر 1927، نشرت صحيفة الأهرام المصرية اليومية الخبر التالي:
«أخيرًا ولد التمثيل الصامت في مصر، وبرز نجم ساطع في السماء المصرية، نجم يبدو أنه يخدم مصر وأبناء مصر، ويتوقع منه القيام بخدمة دعائية عظيمة، ما الدعاية التي ستخدم الوطن على الوجه الأمثل؟ إنها السينما، سينما مصرية وطنية خالصة، ما الذي يمنعنا من أن نمتلك خلال سنوات قليلة، مدينة مثل هوليود؟».
بهذه اللغة المقتضبة، والإصرار على تكرار اسم البلاد، والحرص على ربط القومية والثقافة ومساحات الإنتاج السياسي، شكَّل الإعلان جزءًا من الإعلان
عما عرف بأول فيلم مصري؛ ليلى، (إخراج وداد عرفي وستيفان روستي، 1927). خصوصًا وأن المشروع بدأته وأنتجته وأخرجته جزئيًّا امرأة؛ هي عزيزة أمير "كما لعبت دور البطولة الرئيسية في الفيلم". لا شيء يبدو عاديًا على الإطلاق بشأن هذا الحدث في المنجز الفني المصري.
بالإضافة إلى الصحافة، دعمت القامات الأدبية الشهيرة، مثل طه حسين وأحمد شوقي، عزيزة أمير،
وحضر العرض الأول له عدد من الشخصيات الشهيرة، من بينهم الاقتصادي الوطني الذي لم يعرف عنه دعمه للنساء، مؤسس شركة مصر للتمثيل والسينما/ ستديو مصر، طلعت باشا حرب، الذي أكَّد أن "عزيزة أمير
حققت ما فشل الرجال في تحقيقه". وعُقد له عرض خاص داخل قصر الملك فؤاد، الذي تم تكريس حكمه تحت مظلة وضع «الحماية المؤقتة» الذي دشنت به بريطانيا مرحلة مصر الديموقراطية.
حقق فيلم «ليلى» نجاحًا كبيرًا، واسترد ثلاثة أضعاف تكاليف إنتاجه، وذلك بعدد قليل من العروض، وقد جاءت «مصريته» تمامًا في الوقت المناسب وبالشكل المناسب، ما شجع على جذب الجمهور من جميع الأطياف.
أعاد الفيلم وصانعته صياغة سلسلة من النقاشات الضرورية حول الهوية الوطنية والتحرر، وأزعم أنهما أنجزا ذلك، عبر فسيفساء معقدة من القصص
الرمزية، والأنماط المعاصرة لكتابة التاريخ، والإشارات المحيلة إلى الجغرافيا السياسية، لعبتها نساء خياليات وحقيقيات. ويمتد هذا النمط المتشابك من الاهتمامات، من خصوصية إنتاج الفيلم واستقباله في أواخر العشرينيات، حتى السرديات التي لا تزال تُروى بانتظام عن فيلم ليلى حتى الآن. لم تنل عزيزة أمير تمجيدًا مستمرًا في الدراسات السينمائية العربية العامة والتاريخية الخاصة فحسب، فلم يكن من الممكن تهميش مكانتها كامرأة، أو اختلاق وضع استثنائي لها، مثلما كان سيحدث لو عملت في الغرب (حيث لا تزال غير معروفة إلى حد كبير).
في الآونة الأخيرة فقط اعتمدتها باحثات
أعاد فيلم «ليلى» وصانعته عزيزة أمير صياغة سلسلة من النقاشات حول الهوية والتحرر -الصورة من أرشيف مدينة الرقمي
عرب مثل منى غندور وماريان خوري بطلة نسوية صريحة. وحتى الآن فمكان عزيزة يقع بشكل آمن وحصري تقريبًا ضمن السرديات السائدة التي يطرحها، إلى حد كبير، كُتَّاب ذكور. وهذا يخبرنا الكثير عن كيفية اعتبار مبادئ وتعهدات تحرير المرأة، غير قابلة للفصل عن النضال الأوسع المناهض للإمبريالية، وهو افتراض مشحون أحيانًا يسعى هذا المقال إلى التحقق منه. وهكذا، سرعان ما أعيدت صياغة أسطورة «ليلى»، بعدما انتفت فرصة العودة إلى النص الأصلي من أجل بعض التفكير النقدي: فلا توجد الآن مطبوعة تحوي نص الفيلم. كما تتباين وجهات النظر حول تفاصيله بشكل ملحوظ
في السرديات العديدة المنتشرة عنه، وهو ما يجعل خسارة الفيلم أكثر من مجرد مأساة أرشيفية أخرى؛ لقد أصبح «الفيلم» الآن وعاءً شبحيًّا للعديد من الأوهام السياسية والتطلعات المرتقبة.
ويبدو أن من اطلعوا على النص الأصلي مرروا هذه المعلومات إلى البقية التي لم تشاهده (المثير للاهتمام أن قلة من الناس يعترفون أنهم لم يشاهدوا ليلى قط)، وقد بدأ هذا سلسلة من التقارير شابها الكثير من سوء الفهم، إذ حُورت عمدًا، أو أعيدت صياغتها وفقًا لاهتمامات كل متحدث.
سيكون تتبع هذه التباينات في وصف الفيلم المفقود مغامرة رائعة في حد ذاتها لأي مؤرخ مهتم بالثقافة المصرية.
غير أن ما أحرص على تحقيقه هو كيف أدى هذا الفيلم، الذي عُرض منذ فترة طويلة، إلى نمو القوميات والحركات النسوية الناشئة، مع وضع السياسة الرمزية والمكانية في الاعتبار. وعليه فمن الحكمة النظر إلى ما بقي من المصدر والسياق الأصليين المفترضين، بدلاً من البحث في متن المراجع التي تشير إلى الفيلم.
وسنجد مجموعة واضحة من المواضيع المناهضة للاستعمار، والمؤيدة للقومية، الشبيهة بالشعارات التي تكررت في العديد من السرديات المذكورة عن الفيلم: قروية شابة، ليلى (عزيزة أمير)، تهب نفسها لبدوي محلي، أحمد (وداد عرفي)، الذي يهرب لاحقًا مع سائحة