حين زار زهران ممداني القاهرة في لحظة تاريخية امتلأت بالغضب والرموز، رآها تحول الجسد واللغة واللحية إلى أسئلة معلقة.. فكيف أصبحت المدينة مرآة تعيد طرح أسئلة الهوية والانتماء والخوف؟
زار زهران ممداني القاهرة في ٢٠١٣، تحديدًا وقت الأحداث الصاخبة؛ ٣٠ يونيو وعزل مرسي والتفويض. وكتب تحت عنوان "ملتح في القاهرة" مقالة عن إقامته لنحو ستة أسابيع لتعلم اللغة العربية. لم تكن هذه زيارته الأولى، إذ زارها أكثر من مرة بصحبة والده محمود ممداني، منها حين دعته الجامعة الأمريكية في القاهرة لإلقاء كلمة بعنوان تأملات أفريقية في ميدان التحرير في مايو ٢٠١١. وقد سعى زهران لتعلم العربية لأنه أراد أن يعيش داخل اللغة لا أن يدرسها فقط، ليعرف "كيف يرى الناس العالم من خلالها، لا كيف يترجمون لي رؤيتهم". ونشر مقاله عن القاهرة في صحيفة جامعة بودوين
Bowdoin College، وهي كلية صغيرة للنخبة في الساحل الشرقي، درس فيها دراسات أفريقية Africana Studies، وهو تجربة سردية تتقاطع فيها طبقات الهوية الفردية والجماعية، وتلتقي الجغرافيا السياسية بالذات المهاجرة، ولو عابرًا، في لحظة وعي متوتر بين الانتماء والاغتراب.
هو هنا لا يكتب عن القاهرة كمدينة يزورها كسائح، بل فضاءً يعيد من خلاله مساءلة ذاته كمسلم، ملون، قادم من عالم ما بعد الكولونيالية إلى مدينة عربية تحمل أعباء التاريخ والدين والسياسة. والمدينة من وجهة نظره أكثر من مجرد مسرح للأحداث؛ إنها مرآة للهوية، تعكس ما يخفيه من صراعات
حول معنى أن يكون مسلمًا فيما بعد ١١، وأن يكون ملتحيًا في مدينة تعرِّف التدين وفقًا لمنظومة محلية خاصة جدًا، مغايرة تمامًا للمنظومة الغربية التي أسهمت في تشكيل تجربته.
المقال من أدب الهوية العابرة للقوميات، تتداخل فيه لغات وسياقات ثقافية، وهو مساحة تفاوض مستمر بين "الذات" و"الآخر"، بين الداخل والخارج. وهوية زهران المزدوجة؛ بصفته شابا متعدد الثقافات نشأ في الغرب ويتحرك داخل منظومة سياسية ليبرالية، تجعله واعيًا بأن انتماءه الديني وتعدده الثقافي لا يقرأ بالطريقة نفسها في القاهرة كما يقرأ في نيويورك. هنا يتجلى مفهوم الهوية المتحركة،
التي لا تستقر عند تعريف ثابت بل تتغير وفقًا فضاء التلقي.
حين يكتب عن القاهرة، لا يتحدث زهران من موقع سلطة غربية مثلما اعتاد المستشرقون، بل من موقع زائر/ مهاجر يكتشف أن "الشرق"، هذه المساحة تحديدًا من الشرق، هي مساحة غريبة عنه بقدر ما هي مألوفة، فيتمشى في الشوارع ويحاول فتح حوارات مع الناس، ويقع في بئر الاختلاف بين العامية والفصحى، ويستجيب تلقائيًّا للمظهر الذي يظنه مناسبًا للمجال العام، وفي لحظة ما في قلب تظاهرة، يشعر أنه في مكانه، وفي موطنه، ويندمج في الأحداث حتى إنه يفكر في التطوع ضمن حملة
لمواجهة التحرش في التظاهرات، لكنه يحجم عن ذلك، استجابة لقناعة بأن آخر ما يريده المصريون في تلك اللحظة هو تدخل من آخر/ أجنبي.
هذا الوعي المزدوج هو ما يمنح النص توتره الداخلي، ويجعل تجربته في القاهرة تجربة بحث عن معنى، أكثر منها تأكيدًا للانتماء. فتتجسد علاقته بالمكان عبر لغة مراقِبة، يغلفها إحساس المفارقة. فهو مثلاً كقادم من مدينة تُستغرب فيها اللحية، بل وربما تجرم أحيانًا بوصفها علامة على "التطرف" خصوصًا بعد حادثة البرجين، يجد نفسه في مدينة تعامل فيها اللحية كرمز اجتماعي وديني مألوف، لكنها في الوقت ذاته قد تثير حذرًا طبقيًّا
أو أمنيًّا. ومع الوقت يكتشف أن للحية أربعة مستويات مختلفة، ويضطر في النهاية إلى تخفيف لحيته شخصيًّا كي لا يعتبره الناس في الشارع إخوانيًّا. وفي هذا التناقض، تتكشف حدود الهوية ويصبح الجسد نفسه نصًا ثقافيًّا تقرأ عبره معاني الانتماء والخطر.
القاهرة هنا إذن ليست مجرد فضاء مادي، بل لوحة رموز وقراءات تعيد تعريف صاحبها. وفيها اختبر انتقال موقعه من "الآخر" متعدد الأصول في نيويورك إلى "المسلم المختلف"، أي من موقع الدفاع عن الذات في الغرب إلى موقع التفاوض داخل الشرق نفسه. وهو توتر يتيح قراءة المقال في ضوء مفاهيم ما بعد كولونيالية ترى أن
الهوية المهاجرة ليست حالة ضعف بل مساحة لإعادة إنتاج المعرفة. فتتحول المدينة التي يفترض أن تمنحه شعورًا بالانتماء، لمختبر لإعادة اختبار معاني مثل التدين، والعرق، والمواطنة. ويكتشف أنها وإن كانت تتعامل مع الإسلام بوصفه مرجعية ثقافية، إلا أنه تصنع منه نسختها الخاصة، وأنه ليس واحدًا بل متعدد الأوجه. ويتحول مقاله إلى حوار داخلي بين "الإسلام المختلط" و"الإسلام المصري"، بين التجربة الفردية والهوية الجمعية، وبين التمثيل السياسي في الغرب والتمثيل الاجتماعي في الشرق. فنرى البعد الطبقي والثقافي واضحًا. وفي رحلته ينجح زهران في تفكيك الصورة النمطية لمدينة إسلامية