ماذا بعد حفلة " سيد العالم"..هل يكون إعادة الإعمار استكمالاًً للحرب؟ غزة مرآة كبيرة لمحو المدن وعيشها في الخراب الدائم
"لقد وصل سيد هذا العالم". قالها بكل فخر المذيع الذي تربت حنجرته على أداء "شاويش المسرح" أو نبطشي الأفراح الشعبية. ومن أجل النجاح الكبير في وظيفته يشحن جسده كله بالمبالغة المفرطة في الأوصاف والافتعال في إظهار العواطف ليشعر أصحاب الفرح والأموال بالرضا.
"سيد العالم" هو صاحب الاستعراض لكنه لا يدفع، ولا يثير الفرحة، لكن بيده وحده أن يوقف آلة القتل في غزة، وهذا ما جعله "االسيد المنتظر" من ملايين البشر لينال مليون ونصف المليون فلسطيني استراحة من الموت الجماعي.
يعلم ترامب وهو في طريقه إلى حفل "شرم الشيخ" حجم قوته، ينتشي بها، يستخدمها في حسم الصفقات، فهو سليل أيديولوجيات الحياة صفقة وكل شيء سلعة يباع ويشترى، وما الدنيا إلا سوق كبير. وبهذه النشوة يتهادى على سلم طائرته محافظًا على خصلات شعره البرتقالية في وضع طيران دائم. وعلى مشيته لتُحرك الرثاء والسخرية. ويحافظ أخيرًا على طاقة تبث في كل حركة وكلمة مزيج لا يستوعبه العقل من الابتذال والهلع.
لكنه غالبًا لا يعلم أن السلام لا يبدأ بوقف العنف، بل بالعدالة. هذه مقولات تنتمي إلى فكرة
"الإنسانية الكونية" التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية (الحقوق، المساواة، العدالة، التضامن، السلام، البيئة) وينسفها ترامب ليثبت أنه البطل القادم ليدمر النخبة السياسية التي تعيش على هذه الأفكار.
يحقق ترامب انتصاره بقدرته على لملمة الخطاب الشعبوي المعادي لهذه النخبة البيروقراطية التي يسمونها في أمريكا "سكان مكاتب"، وهم الذين يستخدمون الأفكار والقيم واجهة لفشلهم وخضوعهم لكارتيلات المصالح حول العالم. وهذه النخبة تعطلها أفكارها وتفتقد إلى كفاءة يتمتع بها ترامب وهو يلعب دور كاشف الحقيقة العارية.
وهذا ما فعله ترامب في "صفقة غزة" كما أسماها من اللحظة الأولى. كان واضحًا وهو يحول العدالة إلى صفقة. والحقيقة إلى صرعة (ترند). ويوجه كلامه إلى إنسان لا يراه مواطنًا بل مستهلكًا. ولم يغب في أي لحظة أنه يقسم العالم تقسيمًا واضحًا بين "نحن" و"هم". ثنائية تمنحه قدرات فائقة على التعبئة خلف خطواته، وتسويق نجاحاته حتى بين الكارهين له، ومع أنه يزرع الانقسام والإقصاء والتمييز يعيد تعريف القيم من منظور مصلحي ضيق يعظم ترامب من ألفاظه عن القيم الأخلاقية ليستخدمها أدوات في التفاوض، وعملة يتداولها
حسب الطلب. ويعيد تعريفها تعريف براجماتي: "الحرية" تعني حرية السوق. "العدالة" تعني الأمن الداخلي. "السلام" يعني الصفقات.
"سيد العالم" يتعامل مع القيم الإنسانية بمنطق التسويق. "أنا القادر على وقف القتل" و"أنا الذي يمنحكم أحدث آلات القتل". وهو هنا ليس جامع تناقضات، هو بائع " الخردة " البشرية بعد إعادة تدويرها حسب مواصفات العصر. يلعب الدور المزدوج للمقاول وتاجر السلاح. يتحدث لكل طرف بلغة تشعره بالامتلاء. لكنه يحدد الفارق بين الذين يستحقون من وجهة نظره أن يكونوا "نحن" ومن الذين يبقون في خانة "هم"
حتى لو دفعوا أموالاً واعتبروا أنفسهم في مقام الحلفاء. بينما الجميع زبائن في قوائم مختلفة. يبيع بهم ولهم أهم صفقاته في الولاية الثانية: إعلان "إمبراطورية المقاول الذي يحكم العالم".
1
"ركبت جمل مع جدتي، على طول طريق رملي، وبدأت في البكاء" حكى عايش يونس لمراسل B B C عن أسوأ لحظة في حياته ما زالت حاضرة في ذهنه رغم مرور77 عامًا على اضطراره إلى الهرب من قريته التي سميت على اسم القديسة المسيحية باربرا: شفيعة الحمى والموت المفاجئ.
عايش حكى للمراسل عن هروبه من قريته وسط 200 ألف فلسطيني بعد حرب 1948؛ حشروا في الممر الساحلي الصغير الذي أوصلهم لغزة. كان يحكي جالسًا على كرسي بلاستيكي على الرمال العارية خارج خيمته التي هرب إليها من جحيم الحرب الأخيرة تاركًا بيته في جنوب غزة بعد إنذار الاحتلال الإسرائيلي ليقول: "لقد عدنا إلى ما بدأنا به، وعدنا إلى الخيام، وما زلنا لا نعرف كم من الوقت سنبقى هنا". عايش مسجون في دائرة لا يتقدم فيها الزمن. وما زال حلمه هو "العودة إلى باربرا، مع عائلتي الممتدة بأكملها، ومرة أخرى تذوق الفاكهة التي أتذكرها من هناك..