الصوت والرغبة

عرق وجنس وإهانة في أولاد الذوات

الصوت والرغبة

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

لماذا أثار فيلم "أولاد الذوات" ضجة كبرى ومشكلات عرقية وچندرية تتجاوز أهميته الأساسية كأول فيلم مصري ناطق؟

في 14 مارس 1932، عُرض (أولاد الذوات)، أول فيلم مصري ناطق في سينما رويال بالقاهرة. وهو التعاون الثاني بين الفنان والمنتج المسرحي يوسف وهبي والمخرج السينمائي محمد كريم، إذ تعاونا للمرة الأولى في الفيلم الشهير "زينب" الذي عرض قبل ذلك بعامين؛ 1930. وكان هذا أول ظهور ليوسف وهبي على الشاشة الفضية، الذي استقدم نجمي المسرح الشهيرين أمينة رزق وسراج منير والفرنسية كوليت دارفي، للتمثيل بجواره.
ولأنه الفيلم الذي دخلت به مصر مجال إنتاج الأفلام الناطقة، أثار (أولاد الذوات) موجةحماسة كبرى في الصحافة، فرحب به الكتَّاب

باعتباره مشروعًا فاصلاً، ورمزًا للمهابة الوطنية، وعلامة على قدرة مصر على مواكبة الاتجاهات السينمائية العالمية. ولما كان النهوض بالصناعة الوطنية من أولوياته القصوى، أشاد المعلقون بفيلم (أولاد الذوات)، باعتباره رمزًا للقوة السينمائية والصناعية المصرية، وكذلك باعتباره سلعة يمكن أن تدفع مصر إلى سوق السينما العالمية. وفي خضم دوامة الإثارة الوطنية هذه، أصبح (أولاد الذوات) الفيلم الأكثر نجاحًا منذ أن بدأت مصر إنتاج الأفلام في أوائل عشرينيات القرن الماضي.
بالتزامن عُرض الفيلم في دور السينما بالقاهرة والإسكندرية وبورسعيد، وحطم الرقم القياسي

يتناول الفيلم تصاعد المشاعر الوطنية ضد الاحتلال، وصورة المرأة الشرقية، وعنصرية المحتل وبواكير الچندرية

للفيلم الأكثر مشاهدة في أول أسبوع عرض، إذ استقطب جمهورًا يزيد عن 35.000 مشاهد. كان يوسف وهبي واثقًا جدًا من أن الفيلم سيحقق نجاحًا عالميًّا، لذلك صنع عشر نسخ للتصدير حول العالم.
ورغم نجاحه، أثار الفيلم غضبًا بين قطاع معين من الجماهير؛ فهو يحكي قصة علاقة مأساوية بين رجل مصري وامرأة أوروبية! وهنا طفت على السطح تعقيدات الرغبة والجنس والعِرق وقت كانت معالم الأمة المصرية تُرسم بخطوط أكثر جرأة. وأدت المناقشات والمخاوف التي أثارها إلى ظهور التوترات السياسية والاقتصادية والثقافية التي كانت تموج بها مصر

في أوائل الثلاثينيات. أثار الفيلم الجدل إلى حد أنه عندما منعت وزارة الداخلية المصرية عرضه في إحدى دور السينما في الإسكندرية، اندلعت الاحتجاجات، وحطم اندفاع الجمهور شبابيك السينما.
تفسر مجموعة عوامل تاريخية لماذا مسَّ (أولاد الذوات) وترًا حساسًا وأثار ضجة، في مسائل الحب والرغبة بسياق غير استعماري. خصوًصا وقد بشَّرت حداثة التجربة، كفيلم ناطق، بتجارب ناطقة جديدة شقت طريقها عبر شبكات الصناعة، والوطنية، ومناهضة الاستعمار، والجنس.
وتحديدًا، كما سأبين في هذا المقال، خلقت تقنيات الصوت المسجل مجموعة جديدة من الأفكار،

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

محمد كريم المخرج الذي منح السينما المصرية صوتها للمرة الأولى

حول المرأة والرجل المثاليين النموذجيين، وحول مكانة الأفلام المصرية عالميًّا، وهي أفكار أحاطت بالظرف والشكل السينمائي منذ أوائل الثلاثينيات
.يبحث هذا المقال عبر تحليل الفيلم الطريقة التي شكلت بها الوطنية المناهضة للاستعمار التمثيلات السينمائية، خصوصًا في شكليها الچندري والعنصري، وكيف اصطدمت بالعوامل التجارية والاتجاهات العالمية.
بواكير الأفلام الناطقة
عُرض أول الأفلام الناطقة الأجنبية في مصر عام 1928، بعد أقل من عام من عرض أول فيلم ناطق على الإطلاق، وهو الفيلم الأمريكي (مغني الجاز)، وسرعان ما لاحظ صُناع السينما في مصر

الطبيعة "الحديثة" للأفلام، وهي الإعلانات التي تجذب الجماهير، فصاروا يضيفون عبارة "فيلم ناطق" في إعلانات المجلات. ومثل معظم البلاد الأخرى، استرعت الأفلام الناطقة اهتمامًا واسع النطاق، وكانت إشارة إلى نهاية الفيلم الصامت. وسرعان ما تحوَّلت دور السينما بسرعة، إذ سارع أصحاب دور السينما في جميع أنحاء مصر لشراء التقنيات الصوتية ليظلوا قادرين على المنافسة في سوق الأفلام الناطقة المزدهر. وفي عام 1935، انتهى سوق الأفلام الصامتة تقريبًا، وخلال ذلك العام وحده، كانت نسبة 99% من الإنتاج في مصر أفلام ناطقة، بعدما كان 97% من إنتاج الأفلام من الولايات المتحدة،

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

أفيش فيلم "مغني الجاز"أول فيلم ناطق في العالم

أكبر مُصدِّر للسينما إلى مصر، عام 1931 صامتة. وفي عام 1934، بلغت واردات الأفلام الصامتة 2% فقط. وفي عام 1938، كانت جميع واردات الأفلام الصامتة دور السينما المسجلة، البالغ عددها 101 فيلمًا قد تحوَّلت إلى ناطقة.
في سنوات قليلة، تغيرت التجربة الحسية الكاملة للفرجة على الأفلام في مصر.
على الصعيد العالمي، أدى الانتقال للصوت، كما كتبت سارة بيرانت Sara Byrant، إلى "إنتاج واحدة من أبرز تقنيات الصوت المجسم الحديثة"، إذ وعدت هوليوود الجماهير "على الرغم

من أن تجارب الأفلام الصامتة لم تكن صامتة بالتأكيد، فإن ظهور الأفلام الناطقة أظهر أهمية "الاستماع" إلى الحوار، وجذب الإدراك السمعي للجمهور بأساليب جديدة". وسرعان ما أدرك منتجو الأفلام المحليون ضرورة مواكبة التقنيات الصوتية الجديدة، وتخلوا تدريجيًّا عن إنتاج الأفلام الصامتة. وكان يوسف وهبي من أوائل من شعروا بأهمية صناعة الأفلام الناطقة الجديدة. وبينما كانت دور السينما مزودة بأجهزة الصوت الملائمة، لم يكن لدى مصر استوديو تقنيات تمكنه من تسجيل المشاهد الناطقة، لذا سافر يوسف وهبي إلى أوروبا.

في ستوديوهات "توبيوس" بباريس للصوت  سجل يوسف وهبي صوت فيلم "أولاد الذوات" مقابل 200 جنيه يوميًا وقت كان الجنيه بخمسة دولارات

في ستوديوهات "توبيوس" بباريس للصوت  سجل يوسف وهبي صوت فيلم "أولاد الذوات" مقابل 200 جنيه يوميًا وقت كان الجنيه بخمسة دولارات

وبعد بحث الخيارات في ألمانيا وفرنسا، اختار أن يبدأ تصوير المشاهد الصوتية لفيلم (أولاد الذوات) (نحو 40% من الفيلم) في ستوديو صوت توبيس في باريس Tobis Sound Studio. كان تسجيل المشاهد الناطقة مكلفًا آنذاك، ووفقًا للمعلومات المتوفرة؛ أنفق يوسف وهبي نحو 200 جنيه مصري يوميًّا (وهو مبلغ ضخم تلك الأيام، إذ كان الجنيه المصري يساوي خمسة دولارات) على إيجار ستوديو لمدة خمسة أيام.
في خضم المشاعر الوطنية تطورت تكنولوچيا الصوت، واندمجت مع مطالب واسعة النطاق بإعطاء للغة العربية الأولوية في السينما.

وقد أدرك وهبي أهمية اللغة العربية بالنسبة لجمهور السينما العريض، ورسخ ذلك في إعلانات فيلمه وارتفعت التوقعات، ورفض محمد كريم، الذي أصيب بحمى شديدة يوم وصوله إلى باريس، تأجيل تصوير المشاهد الناطقة، وصرخ: "مستحيل، دا أول فيلم ناطق هخرجه... الناس هتقول عني إيه؟" واصفًا الصحف المصرية والجمهور المصري بـ "القساة"، خشي كريم أن يراه الناس فاشلاً اختلق مرضًا لإخفاء عيوب فيلمه، لذلك أصر على العمل وهو يعاني من الحمى، وعن هذا كتب في مذكراته: "ويلُ لمخرج توقف عن العمل في اليوم الأول الذي أخرج فيه فيلم ناطق

من أجل مصر، بسبب المرض".
جذب وصف كريم لأولاد الذوات بأنه صُنع "من أجل مصر" الجمهور إلى تصوره القومي عن الفيلم. ويبدو أن الجمهور فسَّره بالطريقة نفسها؛ فانفجر بالتصفيق عندما خرجت أولى الكلمات العربية من أجهزة الستريو خلال العرض الأول للفيلم ورغم شعبيته، وإرسال عشر نسخ منه إلى الخارج، فلا توجد نسخة منه اليوم. ولإعادة بناء الفيلم وإلقاء نظرة على التعقيدات التي أنتج وسطها، يحوي هذا المقال معلومات مجمعة من مذكرات وصور وإعلانات ومقالات صحفية وملخص نُشر في مجلة الكواكب.

أثار أولاد الذوات موجة كبرى من الحماسة في الصحافة، فرحب به الكتَّاب باعتباره مشروعًا فاصلاً

الفيلم وسياسات الإهانة الوطنية
يحكي فيلم (أولاد الذوات) قصة الأرستقراطي المصري حمدي الذي وقع في حب الفرنسية چوليا، فترك زوجته المصرية وابنه بصفاقة وانتقل إلى باريس. لكن الأمور تسوء في باريس عندما يكتشف أن چوليا على علاقة برجل آخر. وفي نوبة غضب، يقتل عشيقها الجديد، ويُحكم عليه بالسجن لمدة خمسة عشر عامًا مع الأشغال الشاقة. وبعد 12 عامًا يهرب ويعود إلى مصر، ليجد أن عائلته تستعد لحفل زفاف ابنه. يحضر حمدي الزفاف متظاهرًا بأنه جرسون، ويعاني من الإذلال الشديد وهو يقدم المشروبات للضيوف ويحصل على بقشيش

قدره جنيه واحد من العريس. وسط دموع الندم يعتذر حمدي لزوجته السابقة زينب، ثم ينتحر بإلقاء نفسه أمام الترام.
دفعت إهانة المشاعر الوطنية وإذلالها، المرتبطة غالبًا بالتصورات الجاهزة عن الرجال المصريين، يوسف وهبي لكتابة (أولاد الذوات)، وقد صرَّح أن مقتل المليونير المستهتر علي كامل فهمي عام 1923 على يد زوجته الفرنسية ماري مارجريت لوران ألبرت في أحد فنادق لندن، والمحاكمة التي تلت ذلك، كان مصدر إلهام مباشر للفيلم. كما أصبحت المحاكمة، التي جرت في لندن أيضًا، موقعًا للخيالات العنصرية والاستشراقية، بالإضافة إلى أنها وفِّرت مادة صاغ وهبي

حبكة الفيلم على أساسها. ولتبرئة ماري مارجريت من تهمة القتل، استمد محاميها البريطاني الشهير السير إدوارد مارشال هول، حجته من مخزون من الصور النمطية الاستشراقية، زاعمًا أنها ضحية زواج مسيء من رجل مصري مهووس جنسيًّا، وأنها قتلته دفاعًا عن النفس. استخدم هول تصورات عنصرية للذكورة "الشرقية" ونقاء الأنثى البيضاء لبناء فكرة عن العدالة تستحق فيها المرأة الفرنسية التعاطف، وعلَّق أحد المعاصرين إن تكتيكات هول خلقت "جوًا من التعاطف الشديد مع سجينة رقيقة وقعت في براثن مليونير شرقي منحط". ويرى العديد من النقاد المصريين، أن السياسات العنصرية

طفت على السطح تعقيدات الرغبة والجنس والعِرق بينما كانت معالم الأمة المصرية تُرسم بخطوط أكثر جرأة

التي شكلت دفاع هول مثال آخر على كيفية تشويه الأوروبيين للثقافات الشرقية، وفي ذروة الحماسة الوطنية المناهضة للاستعمار، أحدثت القضية ضجة كبيرة، إذ جاءت بعد 4 سنوات من ثورة 1919؛ وعام من "استقلال" مصر، وقد تابعت صحيفة الأهرام سير المحاكمة يومًا بيوم، متأسية على تشويه سمعة مصر وكرامة المصريين. ويرى شون تيموثي لوبيز Shaun Timothy Lopez أن ردود الفعل المصرية على قضية فهمي انطلقت من فكرة مناهضة الاستعمار، والدفاع عن المصريين ضد التشهير الاستعماري وقد رأى المصريون الذين تابعوا أحداث المحاكمة أن الحكم إهانة للأمة المصرية.

وأرسل نقيب المحامين المصري برقية غاضبة إلى المدعي العام البريطاني يدين فيها حجج هول العنصرية، ووصفها بأنها "غير عادلة ومؤسفة"، لكن النائب العام تجاهل الاحتجاج، مدعيًا أن نقابة المحامين المصرية "ربما ضللتها التقارير الصحفية". لكن هول عندما أخطر بشكوى نقابة المحامين، أرسل خطابًا إلى النائب العام للدفاع عن نفسه. جاء به: "بناءً على تعليمات صريحة وردت من مصادر مصرية، فأي هجوم قمت به كان موجهًا للرجل، علي فهمي، وليس للمصريين كأمة... وبأي حال من الأحوال، إذ كنت في خضم الدعوى، تورطت في قول ما يمكن تفسيره باعتباره هجومًا على المصريين كأمة،

محمد كريم مندمجًا بين تأمل يوسف وهبي وحزن أمينة رزق التقليدي.. هل فاته قطار التمثيل؟

محمد كريم مندمجًا بين تأمل يوسف وهبي وحزن أمينة رزق التقليدي.. هل فاته قطار التمثيل؟

فأنا أنكر أي نية من هذا القبيل، وأعرب عن أسفي إذا استقبلت على هذا النحو".
ورغم كل محاولات هول لتفسير تصريحاته أمام المحكمة، فقد وقع الضرر. وربما يكون القاضي الذي رأس الجلسة قد لاحظ اللهجة العنصرية التي يشيعها هول، فطالب هيئة المحلفين "بألا تدعوا الخوف أو الكراهية يمنعكم من استخدام قدراتكم العقلية". ورغم الأدلة التي تدينها، استجاب المحلفون لأدلة هول "دعوا هذه المرأة تعود إلى نور شمس الله الغربية العظيمة"، وهكذا بُرئت مارجريت ألبرت، وانفجر الجمهور في قاعة المحكمة الإنجليزية بهتافات النصر؛

بعد أن أنقذت امرأة بيضاء من براثن رجل شرقي.
تنبغي الإشارة هنا لوجود تطور في القصة يدمج بين الشخصي والسياسي، ويضيف طبقة أخرى إلى دوافع وهبي؛ فقد كان علي كمال فهمي صهر يوسف وهبي، المتزوج من عائشة شقيقة فهمي عام 1929، قبل وقت قصير من كتابة مسرحية (أولاد الذوات). ويتذكر وهبي حديث عائشة المتكرر عن الحادثة والمحاكمة. ولغضبه من سلوك هول في أثناء المحاكمة، فسر دعم الرأي العام البريطاني لمارجريت باعتباره جزءًا من إستراتيچية استعمارية أوسع تشوِّه المستَعمرين: "لا يوجد ما هو أسهل من إغراق الشرقي بالاتهامات والأكاذيب،

لا يمكنها قتل زوجها والاحتفاظ بالملايين.. مدام مارجريت فهمي القاتلة التي برأتها المحكمة الإنجليزية.

لا يمكنها قتل زوجها والاحتفاظ بالملايين.. مدام مارجريت فهمي القاتلة التي برأتها المحكمة الإنجليزية.

فهدف الإمبريالية الرئيسي هو وضع الأمم المستعمرة في إطار من التخلف".

شكَّل ما تلا ذلك الدافع لكتابة الفيلم، وأبرز إلى السطح الدور الذي لعبه الإحساس بالإهانة في تصرفات وهبي الذي انتقل بعد وقت قصير من زواجه من وعائشة إلى قصر علي كامل فهمي الفخم المطل على النيل في الزمالك، حيث عاش مع مارجريت، وبينما يتفقد غرفتها، توصل إلى اكتشاف جعل "الدم يغلي في عروقه"؛ إذ وجد حزمة رسائل "ملفوفة بشريط حريري أحمر"، بالفرنسية، وهي رسائل غرام من عشيق مارجريت الفرنسي. لم تكن مارجريت قاتلة فحسب إذن،

بل زوجة خائنة أيضًا. ويكشف ما كتبه وهبي في مذكراته عن مركزية مشاعر الإهانة والإذلال وسط دافعه الإبداعي: "لم أجد وسيلة لمقاومة إذلالنا كعرب إلا بكتابة مسرحية عن الأجانب الأنانيين... وكشف جشع الأفاقات الأجنبيات اللائي يتسللن إلى أسرَّة شبابنا... يخفين سلبياتهن ويختبئن كالأفاعي في أسرة أبناء أمتنا، وهدفهم واحد: النهب والقتل والغدر". والنتيجة مسرحية (أولاد الذوات). وأورد يوسف وهبي بمذكراته أنه كتب المسرحية في 8 ليالي؛ مغذيًا طاقة غضبه من الظلم الذي شهدته قضية فهمي، ما سلَّط الضوء على الافتراءات المهينة التي حكمت علاقة أوروبا مع مصر.

عندما عُرضت للمرة الأولى في القاهرة عام 1929، أحدثت المسرحية ضجة كبيرة، واستمر عرضها لمدة ثلاثة أشهر، وبيعت تذاكرها بالكامل في كل ليلة عرض. وبحسب وهبي فالرسالة التعليمية للمسرحية، التي تضمنت التحذير من الدخول في علاقات رومانسية مع أجنبيات، أسعدت رجال الدين، حتى إنهم نصحوا الشباب من على منابر المساجد بحضور العرض وتعلم دروسه. وقد أثار تصوير المرأة الأجنبية في مسرحية وهبي، كشخصية نسائية قاتلة، غضب أعضاء الجاليات الأجنبية في مصر. وعندما عرضت المسرحية للمرة الأولى، هاجمتها الصحف الأجنبية،

لاحظ صُناع السينما في مصر الطبيعة "الحديثة" للأفلام، وهي الإعلانات التي تجذب الجماهير، فصاروا يضيفون عبارة "فيلم ناطق" في إعلانات المجلات

وأرسلت السفارات الأجنبية شكاوى رسمية إلى الحكومة المصرية. كما تدفقت رسائل غاضبة كتبها أجانب تدين المسرحية لصندوق بريد يوسف وهبي، الذي ظل على موقفه ولم يعتذر رغم كل ذلك. وفي الليلة الختامية للمسرحية، جمع تلك الرسائل وأحرقها، ومع فرقته "استمد الدفء من نار المرارة والحقد، وانتقم من المحامي العنصري السير مارشال هول".
"چوليا يا مرات الكل.. يا مزبلة": النساء الأجنبيات وهلاك رجال مصر
قدمت چوليا الشخصية المعارضة التي بُني على أساسها احترام المرأة المصرية، والدفاع عن الرجال المصريين، والحفاظ على الكرامة الوطنية بسمات

اللامبالاة والأذى، وچوليا (أولاد الذوات) صورة كاريكاتورية أحادية البعد؛ تافهة وملولة، تختار وتتخلى عن شركائها الجنسيين دون ندم. إنها "امرأة الجميع، المزبلة"، كما وصفها حمدي عندما اكتشف علاقتها مع الفرنسي ريموند، بعدما خدعت حمدي وجعلته يظن أنه شقيقها). غني عن القول إن فيلم (أولاد الذوات) لم يخلق شخصية المرأة القاتلة، بل كما سأناقش بالتفصيل لاحقًا، لحق اتجاهات السينما العالمية الأوسع. لم يكن دور المرأة القاتلة غريبًا عن كوليت دارفي التي لعبت دورًا مماثلاً قبل عام من عملها مع يوسف وهبي، وذلك في فيلم لچان جودار عام 1931 بعنوان "ذات مساء" Pour un soir،

وفيه تتشابه سلوكياتها مع تلك الموجودة في (أولاد الذوات). ونشرت مختلف المجلات المصرية صورًا لكولييت بفستانها الأبيض الناعم وأحمر شفاهها الداكن، وبشرتها الشاحبة وشعرها الأشقر البلاتيني القصير، لتظهر چوليا امرأة لا تصلح لأي دور ميلودرامي وقور، غالبًا لا تنظر مباشرة إلى الكاميرا، لكن تظهر ببروفايل جانبي وهو أحد أهم تأثيرات إيماءات الفيلم الصامت. وفي إحدى اللقطات، تقف بتحدٍ وفي يدها بايب أمام تمثال لنمر أسود، يدل على طبيعتها المفترسة. وفي صورة أخرى، تبدو غير مبالية. وفي مقال آخر نُشر في مجلة الكواكب، تستلقي في حضن يوسف وهبي. ومع أن كوليت درافيل

أدرك منتجو الأفلام المحليون ضرورة مواكبة التقنيات الصوتية الجديدة، وتخلوا تدريجيًّا عن إنتاج الأفلام الصامتة

أتقنت شخصية المرأة القاتلة، كان على كريم أن يتأكد من أنها لم تتجاوز أي حدود رقابية؛ ففي أحد المشاهد، استمرت كوليت، دون تعليمات، في كشف الجزء العلوي من ثوب نومها، لتكشف ما رآه كريم جزءًا كبيرًا جدًا من صدرها، مبررة أن: "الناس سيحبون ذلك"، لكن كريم احتج بأن الرقابة المصرية لن تسمح بمثل هذا المشهد، وكان عليهم إعادة اللقطة مرتين قبل أن تمتثل كوليت لتعليماته.
صوَّر وهبي چوليا باريسية فقيرة أو من الطبقة العاملة. في الفيلم، تلتقي چوليا بزوجها المصري أمين في قاعة رقص في فرنسا لكننا بلا نسخة من الفيلم لا يمكن أن نعرف يقينًا إلى أي مدى

كان للخلفية الطبقية لچوليا تأثير كبير في القصة، لكن يوسف وهبي يلمِّح في مذكراته إلى أنها لعبت دورًا مهمًا. فكتب: "أود أن ألفت انتباه القارئ إلى حقيقة أنني لم أقصد من خلال المسرحية تعميم ووصم جميع النساء أو الزوجات الأجنبيات بعدم الإخلاص، بل قصدت فقط التحذير، عندما يتعلق الأمر باختيار الزوجات من الشوارع والملاهي الليلية، ومن الوقوع في براثن المتشردات المتهورات". لذلك، اعتمد يوسف وهبي في تصوير جوليا على الصور النمطية المتشابكة للعرق والجنس والطبقة التي شكلت الأوصاف المصرية للمرأة الأجنبية. وتشير مصادر إعلامية خلال هذه الفترة

الفرنسية كوليت دارفي لكن ليس في أفلام الذوات هنا، بل في مشهد من فيلم ذات ليلة للمخرج جان جودار، 1931

الفرنسية كوليت دارفي لكن ليس في أفلام الذوات هنا، بل في مشهد من فيلم ذات ليلة للمخرج جان جودار، 1931

إلى انتشار متلازمتي الانبهار والقلق بشأن علاقات الرجال المصريين بالنساء الأجنبيات. وهو قلق تناولته حنان خلوصي قائلة إن المناقشات ولَّدت رؤى مثالية حول الأدوار الچندرية للإناث والذكور. أما على أرض الواقع، فقد وصل الأمر إلى آذان المشرِّعين، ليصدر في عام 1933 قانون يحظر على الدبلوماسيين المصريين الزواج من أجنبيات. وفي عام 1927 كتبت زوجة علي شكري خميس بك مقالاً في مجلة "المرأة المصرية"، بعنوان (خطر يهدد القومية المصرية)، حذرت فيه الرجال من الزواج من نساء غربيات، وشددت على أهمية حماية سلامة الأمة ونقاء "الدم المصري". معربة عن حزنها

لأن الشباب المصريين استخفوا بقوميتهم، بينما حافظت الدول الأخرى على قوميتها بتقييد العلاقات المختلطة.
وجاء في مقال بمجلة "الصباح" الصادرة في يناير 1933 أن: "الزوجة الأجنبية لا تفضل الزواج من المصري إلا لسبب واحد، وهو أن تأخذ ثروته وتنفقها على معيشتها، أي لتتزين وتنفق، وعندما يفلس، تكون أول من يغسل يديها منه" ولأن الأجنبيات غير متهمات بشكل مباشر بالانحراف الاجتماعي، نُظر إليهن أنهن من يبادرن إلى العلاقات، ويتطلعن بشدة إلى الزواج من عشاقهن من الرجال المصريين. وتذكر حنان خلوصي إنه على الرغم من أن الكتاب المصريين ربما أشادوا أحيانًا بالنساء الأوروبيات

لأنهن زوجات صالحات، فقد ساد شبه إجماع على أن الزواج من أجنبية مسيء للأمة. ومثالاً أخيرًا، يجب على الرجال المصريين تجنب الزواج من الأوروبيات، لأن الأطفال الناتجين عن مثل هذه الزيجاتكما قال أحد شيوخ الأزهر، سيقلدون "حب الأم الأوروبية للاستعمار".
وكما حدث في أثناء عرضه على المسرح، أثار الفيلم المقتبس عن (أولاد الذوات) غضب الجاليات الأجنبية في مصر، فأرسلت الكثير منها شكاوى إلى وزارة الداخلية المصرية. كما قدمت السفارات الأجنبية شكاوى رسمية إلى الحكومة المصرية. وامتدت انتقادات الفيلم وكيفية تصويره للنساء الأجنبيات

كان يوسف وهبي من أوائل الذين شعروا بأهمية صناعة الأفلام الناطقة الجديدة

إلى صفحات الصحافة المصرية المكتوبة بغير بالعربية، التي تلقت سيلاً من رسائل القراء الساخطين من الصورة التي ظهر بها الأوربيون في الفيلم. وذهبت صحيفة "إيجبشيان بوست" Egyptian Post بالإنجليزية لحد وصف وهبي بأنه "متطرف معادي للغرب". وفي مقال بعنوان "التطرف في السينما"، سخرت إحدى الصحف الأجنبية من الفيلم لتقنياته "القديمة والمضحكة"، ووصفته أنه أحد أفلام البروباجندا الشيوعية الروسية. وتابعت أن "الغرض من الفيلم هو التحريض على كراهية المرأة الأجنبية عمومًا، والفرنسية خصوصًا، وذلك بتصويرها على أنها مخربة بيوت تقود الرجل، ضحيتها، إلى الدمار

والجريمة والموت".
وجه تفكيك نقاء الأنثى البيضاء ضربة للتصورات الاستعمارية بشأن المعايير الجنسانية. ورغم عدم وجود قوانين لمكافحة اختلاط الأجناس، كان ثمة حساسية تجاه تصوير النساء الأوروبيات، خصوصًا تلك التي استندت إلى نظرة الرجل المصري. في أوائل عام 1917، أعرب البريطانيون عن مخاوفهم بشأن تصوير المرأة في الأفلام الأجنبية المعروضة في دور السينما المصرية. وفي رسالة إلى صحيفة إيجبشيان بوست، أدان أحد الكُتَّاب الأفلام الأوروبية التي عُرضت في دور السينما المصرية خوفًا من تأثيرها على التصورات المصرية للمرأة الأوروبية:

والحال، أن تعرض للسكان الأصليين صورة رائعة عما ليست عليه المرأة الأوروبية، لكن لسوء الحظ بقوة شديدة تستطع إقناعه ليعتبرها صورة حقيقية. يجب أن تبدو الحضارة الأوروبية بالغة الغرابة في نظر المصريين، في حين أنه من المفترض ألا يكون لرجل العالم مكان آخر للتسلية، أو حتى لتناول وجباته، إذا حدث وتناول عشاءه خارج المنزل، إلا في قصور العار المذهبة، حيث تتمدد النساء في أحضان الغرباء وترقصن الكانكان على طاولات الضيوف.
هنا، يُعرب المؤلف المجهول للرسالة عن قلقه تحديدًا بشأن التشويه المزعوم للنساء الأوروبيات

لتبرئة مدام فهمي من تهمة القتل، استمد محاميها حجته من مخزون من الصور النمطية للاستشراق

من "المواطنين المصريين"، ويظهر استياءه تحديدًا من ملصقات إعلانات الأفلام التي تظهر "نساء المجتمع في مواقف يجب أن تجعل كل الأوروبيين يخجلون"، كذلك أعرب عن قلقه من أن صور النساء الأوروبيات تلك قد تقوض "التفوق الذي ينشده نظامنا الاجتماعي". في أواخر عشرينيات القرن العشرين، وبالتزامن مع ظهور دور السينما وتوزيع الأفلام عالميًّا، أصدر المجلس البريطاني لرقابة الأفلام قواعد صارمة تحكم تصوير الإمبراطورية في الأفلام البريطانية. واعتُبرت المشاهد التي من شأنها الإساءة لسمعة الجيش البريطاني أو "العِرْق الأبيض" غير مقبولة، وكذلك المشاهد التي يُعتقد أن لديها

القدرة على تأجيج التوترات في المستعمرات. وفرضت رقابة صارمة على الأفلام التي تضمنت "مواقف ملتبسة بين الفتيات البيض والرجال من الأعراق الأخرى. وكما أظهرت بونام أرورا Poonam Arora كان البريطانيون في السياق الهندي خصوصًا حساسين لأي أفلام تقدم صورًا سلبية للنساء الأوروبيات، إذ اعتقدوا أن مثل هذه الصور اعتداء على "هيبة الإمبراطورية". ورغم الاختيار الإستراتيچي للمنتجين، مزق الفيلم الأوهام الأوروبية المفترضة عن نقاء الأنثى البيضاء، وعكس التصورات الاستعمارية للذكورة المصرية والرؤى الاستعمارية لاختلاط الأجناس التي صورت الرجال العرب

كمهووسين جنسيًّا، وهددت نقاء المرأة البيضاء. وعندما وصف يوسف وهبي النساء الأجنبيات بأنهن "أفاعي في فراش أبناء أمتنا"، قلب السردية الاستعمارية المعيارية رأسًا على عقب بتصوير الذكر المصري ضحية جنسية للمرأة الأوروبية. لذلك، أعاد "أولاد الذوات" ترتيب الديناميكيات الچندرية للسياسة للأهداف الاستعمارية، مقدمًا بدوره أفكارًا مناهضة للاستعمار حول الزواج والعلاقات والحب. وفرض قيودًا على الرغبة والجنس والزواج، مما يقيد تمثيل المرأة المصرية. واعتبر الولاء والعاطفة من خصائص أساسية لاحترام الإناث، تحدد السلوك المعياري للمرأة "الصالحة".

بعد العرض الأول لفيلم
"أولاد الذوات"، هاجمته الصحف الأجنبية، وأرسلت السفارات الأجنبية شكاوى رسمية إلى الحكومة المصرية

زينب "الزوجة المحطمة" وتدجين النساء
يقوم فيلم أولاد الذوات على ثنائية الأم/الزوجة المخلصة، والعاهرة العابثة. وقد شكَّل توصيف زينب جزءًا أوسع نطاقًا من چندرة أخلاقية مناهضة للاستعمار، إذ اعتبرت النساء المصريات الأصيلات رموزًا لنقاء الأمة. تجسد زينب في الفيلم المرأة المصرية المثالية: الأم والزوجة الصالحة التي تتغلب بالصبر على أخطاء زوجها وتتسامح معها. يقدم الفيلم زينب للمرة الأولى عند عودتها إلى منزلها في القاهرة بعدما أمضت وقتًا لرعاية والدتها المريضة في الإسكندرية. منذ اللحظة الأولى، تجسد زينب الثالوث الأنثوي المثالي للزوجة والأم

والابنة الصالحة. حتى اختيار اسم زينب يحمل في ثناياه توصيفًا خاصًا مرتبطًا بالتقاليد والأصالة. وقد سبق وارتبط اسم زينب بالفعل بمثل هذه الأوصاف عبر فيلم (زينب)؛ الفيلم الأول لمحمد كريم ويوسف وهبي، المقتبس عن رواية محمد حسين هيكل الصادرة عام 1914. قدمت زينب مُثُل الأنوثة الحديثة "اللائقة"، وحصدت عاصفة من الاهتمام. ولعبت دور البطولة في الفيلم بهيجة حافظ، الملحنة الموسيقية الطموحة الناطقة بالفرنسية، التي تعرف إليها كريم في إحدى الحفلات.
في وصفها التفصيلي لقصة الفيلم، كررت مجلة الكواكب الثنائية لقرائها، وراقبت الحب والمشاعر،

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

أمينة رزق في إعلان "أولاد الذوات" بسينما توغراف

وحدَّدت قيمتهما التبادلية. وبينما وصفت زينب بـ"الزوجة المصرية المدمرة، الحزينة على حبها المسروق"، وصفت "الأجنبية" بأنها "الصارخة في استهتارها... التي تبيع مشاعرها لمن يدفع"، وهنا يُنظر إلى حب زينب على أنه حب خالص بلا مقابل، بينما مشاعر چوليا سلعة يمكن شراؤها. مثَّلت زينب الرؤى الوطنية للمرأة المصرية الحديثة والمواطنة المثالية؛ فهي متعلمة وأم ومخلصة، ضمن رؤية أوسع لحقوق المرأة وتمكينها. ينتقد (أولاد الذوات) سلوك الرجال ويبرِّئ المرأة المصرية من أي مسؤولية تخص تقويض تماسك الأسرة. وفي الملصقات الإعلانية تظهر زينب بملابس داكنة محتشمة،

وتبدو بريئة. وامتدادًا لدعم فكرة الأنوثة هذه، يراقب الفيلم السلوك الأنثوي، ويحصره في إطار البراءة والاحترام. ونقيضًا لذلك، رأى محمد توفيق غريب، في كتابه الملاهي المصورة، أن شخصية زينب لم تقدم كل ما هو رغب منها، بل كانت "ضعيفة وجاهلة"، جلست مكتوفة الأيدي أمام رحيل زوجها. بالنسبة لغريب، وبعيدًا عن الوضع المثالي، قوَّضت هذه السلبية الصورة الحديثة للمرأة المصرية. وأضاف أن كان على زينب، بدلاً من ترك نفسها ضحية لزوجها "أن تتمتع بقيمة ذاتية أكبر للحفاظ على نفسها، والدفاع عن مصالحها وشرفها". واستنادًا لمفاهيم السمعة الوطنية،

أكد غريب أيضًا أن صورة زينب أضرَّت بسمعة المرأة المصرية "المستنيرة"، وأدت إلى نتائج عكسية في تصوير الفيلم "للحياة الحديثة في مصر المبنية على الحرية والمساواة". ويكشف منظوره عن تصدعات في إدراك مفاهيم تشكِّل صورة المرأة المصرية الحديثة، فهو يرى أن المرأة المصرية الحديثة لا ينبغي أن تكون ضحية للرجل، وأن أي طرح من هذا القبيل هو إهانة لحداثة مصر المتصورة. ومع ذلك، ثبت أن رفض غريب لم يكن له أي أهمية؛ إذ مع تمجيد الدور المنزلي للمرأة، ازدهرت صورة الأم والزوجة الضحية في السينما المصرية، ولاقت صدى واسعًا لدى الجماهير؛ حتى إن أمينة رزق

جوليا "أولاد الذوات" صورة كاريكاتورية أحادية البعد؛ تافهة وملولة، تختار وتتخلى عن شركائها الجنسيين دون ندم

استمرت في أداء هذا الدور لبقية حياتها المهنية. وانتهت الآثار المترتبة على هذه التصورات لنزع الطابع الجنسي عن المرأة المصرية فيما يتعلق بأمور الرومانسية والعاطفة، وكرَّس البناء السينمائي لصورة النساء المصريات كأمهات نقيات وبريئات في أخر مراتب هرم الرغبة الجنسية ورأس المال الجنسي، وصعد بها إلى أعلى هرم الأمومة والعائلة. وليست مفاجأة إذن أن مخرجي الأفلام المصريين لم يقدموا مطلقًا المرأة المصرية "الصالحة" متاحة جنسيًّا أو عاطفيًّا للرجال الأجانب؛ كأن هذه الفكرة مستحيلة التصور بالنسبة لهم!

وتفسر ضرورة مقارنة چوليا بامرأة مصرية نموذجية - محافظة على القيم المصرية - سبب تراجع كريم عن اختياره الأولي للممثلة بهيجة حافظ لدور زينب الرئيسي ففي أثناء تصوير الفيلم، تذمر كريم من أن بهيجة لم تكن هذا النموذج، ولم تؤد المشاهد بالطريقة التي أرادها، والأسوأ من ذلك أنها كانت تنطق الكلمات العربية بطريقة خاطئة.
كان ظهور الأفلام الناطقة في مصر فترة تصاعد المشاعر الوطنية يعني أن الأفلام المنتجة محليًّا ليس عليها أن تبدو مصرية فحسب (لم يكن من السهل تعريف هذه النظرة، كما رأينا)، بل عليها أيضًا أن تبدو مصرية أصيلة.

وعندما أنتج الفيلم، تنامت موجة من النقاش حول أهمية اللغة العربية. وفي ديسمبر 1932، بعد ثمانية أشهر من عرض "أولاد الذوات"، أنشئ مجمع اللغة العربية في مصر في محاولة لتسهيل البحث في علوم اللغة العربية. وبسبب تعليمها الفرنسي ونشأتها في الطبقة العليا، لم تكن بهيجة تتحدث العربية بطلاقة، وقد جعلتها لهجتها الثقيلة موضع تندر الصحافة العربية، ومع هذه الأهمية التي حظيت بها اللغة العربية وقت إنتاج الفيلم وعرضه، ربما لم يكن من الحكمة أن تُجسِّد الشخصية النسائية المصرية الأساسية ممثلة لا تجيد العربية بطلاقة.

بعنوان "التطرف في السينما"، سخرت صحيفة أجنبية من الفيلم لتقنياته "القديمة والمضحكة"، ووصفته أنه أحد أفلام البروباجندا الشيوعية الروسية

الصوت والأنوثة المثالية
لم تكن طريقة نطق بهيجة حافظ وحدها ما أزعج كريم وجعله لا يريدها أن تقوم ببطولة الفيلم، بل شعر أنها ليست ممثلة جيدة، والأهم، كما كتب في مذكراته "عجزها عن التعبير"، وفي مشاجرة علنية في موقع التصوير، وصف يوسف وهبي بهيجة حافظ بأنها فاشلة، بسبب تلعثمها وتعثرها في نطق كلام الدور، وهو ما ادعى أن لديه أدلة عليه. كانت الانتقادات حادة للغاية، لدرجة أن بهيجة شعرت أنها بحاجة للدفاع عن نفسها من كثرة الشائعات حول صوتها. لا يبدو ما يقصده كريم بـ "بالقصور الصوتي" واضحًا تمامًا؛ لكنه يشير إلى وجود فكرة متطورة بالفعل

حول الصوت المثالي. وكما طرحت إيمي لورانس Amy Lawrence وميشيل شيون Michel Chion وآخرون، بأسلوب مقنع، فإن الأصوات المسجلة محملة بقيود آيديولوچية وسياقية. كتبت چيسيكا تايلور Jessica Taylor: "تمامًا مثل الجسد، الذي يُنظر إليه باطراد باعتباره شيئًا ينبغي التأريخ له ووضعه في سياقه، فالصوت ليس عنصرًا طبيعيًّا، بل فئة خطابية (ذات مظاهر مادية) تُنتج في لحظات زمانية ومكانية معينة". لذلك ينبغي وضع تعليق كريم ضمن سياق أوسع لسياسة الصوت النسائي.
كانت الأفلام الناطقة جزءًا من شبكة تقنيات صوتية: جراموفون

وخدمة الهاتف مثلاً، وقد ولَّد كلاهما مخاوف عميقة بشأن صوت المرأة، وكما أوضح أون باراك On Barak، غالبًا ما كانت عاملات الهاتف يتعرضن للانتقاد بحجة تعطيل الوقت. كما أثارت (الطقاطيق)، وهي أغنيات قصيرة تؤديها النساء غالبًا ساخرة من حماقات الرجال، وتمتعت بجمهور كبير من الطبقة الوسطى الغضب والاستياء. صوت النساء المسجل ليس جديدًا إذن، فقد أعطت شركات الجرامفون الأولوية للمطربات أكثر من المطربين. حدد التوقيت الذي ظهرت فيه الأفلام الناطقة في مصر التوجه الآيديولوچي للصوت، ومع أن الجراموفونات أعطت النساء القدرة على إثارة

مزق فيلم "أولاد الذوات" الأوهام الأوروبية المفترضة عن نقاء الأنثى البيضاء، وعكس التصورات الاستعمارية للذكورة المصرية

وقلب الأعراف المحافظة، فإن الفيلم الناطق قد ظهر لحظة وضع تعريف للأخلاق والأمة، وما يعنيه أن تكون مصريًّا صالحًا بطرق أكثر جرأة. وربما ليس من المبالغة، إذن، أن نقرأ النغمات والأصوات المحددة للغاية للنساء في السينما المصرية المبكرة باعتبارها علامة على هدنة مقصودة من الطقاطيق الوقحة المخجلة.
وبغض النظر عن رأي كريم في قدرات بهيجة الصوتية، فمؤكد أنه ارتاح عندما انسحبت من الفيلم، سواء في نوبة انفعالية عاصفة، أو بعد محاولة خبيثة لإجبارها على الانسحاب، والعودة إلى مصر، حيث رفعت دعوى قضائية ضد وهبي بدعوى الإخلال بالتعاقد،

لكنه لم يأخذ الأمر باستخفاف، وكجزء من خلافهما العلني، قاضاها مطالبًا إياها بتعويضه عن الخسارة المالية التي تسببت فيها، وهدد بإذاعة التسجيلات التي تلعثمت بها في المحكمة، وفي المسارح، دليلاً على عدم ملاءمتها للعب دور زينب. ثم دعا الفنانة أمينة رزق لباريس لتحل محلها. التي ظلَّت تنهداتها ونحيبها الشهير، طول حياتها المهنية، تجسيدًا وتعبيرًا صوتيًّا عن المرأة الطيبة المضطهدة، شهيدة تهديدات الرجال التي تعاني في صمت. وفي أواخر الثلاثينيات، بعد سلسلة محاولات مخيبة للآمال لاقتحام سوق السينما، ابتعدت بهيجة حافظ عن عالم صناعة الأفلام، بعد أن صنعت فيلمًا واحدًا

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

بهيجة حافظ قبل أن تتوتر علاقتها مع محمد كريم ويوسف وهبي

في عام 1947، ثم ظهرت في فيلم أخير في الستينيات.
التلقي المصري لـ(أولاد الذوات) كفيلم يدافع عن المرأة
بأعداد غير مسبوقة حضرت النساء المصريات عروض (أولاد الذوات)، وهو حدث (غريب) بحسب مالك سينما رويال، وتوجد عدة عوامل قد تفسر سبب تبني المرأة المصرية للفيلم بهذه الحماسة؛ فمن ناحية، ارتبط الاستهلاك النسائي المتزايد للثقافة السينمائية في تلك الفترة بانخراط المرأة المتزايد في التعليم، وكذلك خروجها للأماكن العامة والتجارية، ووصولها لثقافة صحفية استهدفت قدرتها الشرائية تحديدًا. ومنذ عام 1896،

استفاد أصحاب المسارح من الإمكانات الاستهلاكية للسوق النسائية من خلال تقديم حفلات سينما للنساء فقط. وحين عُرض الفيلم، كانت الحفلات المخصصة للنساء فقط سمة شائعة في دور السينما. وشيئًا فشيئًا تمكنت النساء من الوصول إلى أخبار الأفلام من خلال المجلات النسائية مثل "العروسة"، أو المجلات العامة مثل "الصباح" و"الكواكب". والأهم من ذلك، أن يوسف وهبي، إدراكًا لقدرتهن الشرائية المربحة، استهدف النساء بشكل خاص في حملته التسويقية للفيلم. وفي ديسمبر 1931، عندما ظهر يوسف وهبي في إعلان سينمائي للإعلان عن عرض "أولاد الذوات"، وصف الفيلم

بأنه دفاع عن المرأة المصرية "في مواجهة الرجال المصريين المعتدين على حقوقها، المفضلين المرأة الأجنبية بدلا منها"، كما أشار وهبي في مذكراته إلى أن المسرحية الأولى كانت "دفاعًا حماسيًّا عن كرامتنا وعن إخلاص المرأة المصرية وعظمة تضحياتها، ووفائها لشريك حياتها".
وربما يكون إقبال المرأة المصرية على مشاهدة الفيلم مرتبطًا أيضًا بمخاوفهن بشأن علاقات الرجال المصريين مع النساء الأجنبيات. وقد أشارت حنان خلوصي إلى المناقشات التي دارت حول الزواج المختلط في الصحافة المصرية منذ أوائل القرن العشرين "صنعتها النساء المصريات في المقام الأول". وترى أنها وفرت نقطة دخول تعبر من خلالها

شيئًا فشيئًا تمكنت النساء من الوصول لأخبار الأفلام عبر مجلات نسائية مثل "العروسة"، أو عامة مثل "الصباح" و"الكواكب"

النساء عن مواقف معينة تخص الچندر والحداثة. لكن شخصية زينب فتحت المجال أيضًا أمام النساء لانتقاد البنى الاجتماعية الأوسع المتحيزة للنساء، إذ لم يجدن في الخطاب القومي قيدًا بل إحساسًا بالنبالة. واستخدم المعلقون قضية الزواج المختلط لانتقاد دور المرأة ومكانتها في المجتمع المصري، وللدعوة لتمكين المرأة وتعليمها كي تتمكن من منافسة المرأة الأوروبية بشكل أفضل. فجر (أولاد الذوات) هذه المناقشات، لا بإلقاء اللوم على المرأة المصرية لدفع الرجال إلى أحضان النساء الأجنبيات، بل بانتقاد ومعاقبة الرجال الضعفاء أمام الإغواء الأجنبي. ومع احتفائه بالمرأة المصرية، فلم ينتقد الفيلم النظام الأبوي

بشكل جذري، بل يمكن القول إنه عزز قيمة المُثُل التقليدية المتعلقة بالجنسين.
ربما صُنع (أولاد الذوات) من أجل النساء، لكنه بلا شك أسهم في تهميش المرأة في العملية الإبداعية والتجارية، ومصير بهيجة حافظ في الفيلم خير مثال. كانت بهيجة المتمردة المقبولة بالكاد تمتلك صوتًا وأسلوبًا في العامية لا مكان له في أصوات الأمة الممثلة في السينما، لذلك لم تجد قبولاً في المخزون السمعي القومي. وكان لا بد من التحكم في الصوت الأنثوي المتجسد وتحويله لصوت معياري. وفي حين صعدت إلى النجومية في الجزء الأول من حياتها المهنية في إنتاج وإخراج وبطولة وتأليف الموسيقى للأفلام،

لم تجد مكانًا في الصناعة مع توسع مجال صناعة الأفلام. وتشير تداعيات قضايا يوسف وهبي مع بهيجة إلى بدايات ليس فقط التضييق الآيديولوچي للأدوار الچندرية المفترضة، بل أيضًا إلى التغيرات المؤسسية التي همشت دور المرأة في صناعة السينما.
وفي أواخر عشرينيات وأوائل ثلاثينيات القرن العشرين، برزت المرأة في مصر في مجال الإنتاج السينمائي في مناصب مهيمنة وعليا هرميًّا كمنتجة ومخرجة، لكن خلال عقد من الزمن، اختفت العديد من هؤلاء النساء، بمن فيهن بهيجة حافظ، من أي مناصب عليا، أو أصبح عدد الرجال يفوقهم بشكل غير متناسب. وأسباب ذلك متعددة،

لم تكن طريقة نطق بهيجة حافظ وحدها ما أزعج كريم وجعله لا يريدها أن تقوم بالدور الرئيسي، بل شعر أنها ليست ممثلة جيدة

تشمل عوامل شخصية ومؤسسية. لكن محاولات وهبي وكريم لكبح جماح سلوك بهيجة والتعليقات حول لهجتها غير المناسبة، وتهديد وهبي بفضحها علنًا بسبب تلعثمها، ربما فيه إشارة إلى تغير المواقف داخل الصناعة، وهو وتغير كَّرس هيمنة الرجال. وبالإضافة إلى تعليقات وهبي الماكرة حول تصرفات ومتطلبات بهيجة كفتاة ثرية؛ مثل إغمائها في أثناء التصوير، وطلبها تذكرة سفر على الدرجة الأولى لباريس، ورغبتها في الحصول على غرفة ملابس في أثناء التصوير، فقد أحدث هوسه بتكاليف الفيلم تغيرًا جديدًا في النموذج المالي لصناعة الأفلام.

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،
 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

يوسف وهبي من باريس يشكو إلى شقيقه مصاريف الاستديو ومشكلات بهيجة حافظ ؛ من كتاب "روح مصر"

كانت تكاليف إنتاج الفيلم غير مسبوقة في مصر، وصارت شكلاً خاصًا جديدًا من الاستثمارات عالية المخاطر في صناعة الأفلام سيستمر لسنوات طوال قادمة. ورغم أنه خارج نطاق هذه الدراسة، قد يثير المرء تساؤلات حول غزو التكنولوچيا، وترسيخ الأدوار الاجتماعية المثالية للمرأة، وكذلك تشابك السينما في أشكال جديدة من رأس المال وتعزيز لثقافة "الشلة"، خصوصًا وقد أدى الظهور الواضح لثقافة "نوادي الشباب" لتنحية النساء جانبًا، وإبعادهن عن تولي مناصب أعلى في عملية صناعة الأفلام. وبغض النظر، يسلط (أولاد الذوات)، كنص وسلعة، الضوء على التوترات الناجمة عن عدم تمكين المرأة

في ظل قوتها الشرائية المتزايدة.
حُصرت السينما النساء داخل مجاز سينمائي قومي يمثل الشرف الوطني والنقاء، وأغلقت المساحات أمام إنتاجهن الإبداعي، لكنها في الوقت نفسه فتحت أمامهن المجال داخل الاقتصاد الاستهلاكي. وقدَّر "أولاد الذوات" الأدوار المنزلية للمرأة، لكن طبيعته كفيلم تطلبت من النساء مغادرة منازلهن، والسفر باستخدام وسائل النقل في مصر، وإنفاق المال، والمشاركة في النشاط المجتمعي داخل المجال العام. هكذا تسلط حماسة النساء للفيلم الضوء على وضع النساء الهش في مصر في بداية الثلاثينيات، كرائدات للسينما، ومستهلكات،

ورموز أمهات لأمة فرضت قيودًا على أجسادهن وحركاتهن، ولكن ليس على محافظهن.
حمدي والذكورة المصرية الضائعة
مع أن يوسف وهبي روَّج لفيلمه كفيلم يدافع عن المرأة المصرية، فقد استثمر الفيلم بعمق في بناء صورة الذكورة المصرية المثالية. تدور تجارب الذكورة في (أولاد الذوات) حول إذلال الرجال المصريين على يد الأجنبيات؛ تهين چوليا حمدي، وكذلك زوجها المصري الأول أمين، الذي يشتكي في بداية الفيلم من أنها "أهانت كرامته". المرأة الأجنبية - بكل قوتها الاستعمارية والأنثوية، قادرة على استغلاله واستنزاف كرامته، وتدمير الرجال المصريين الضعفاء.

ظهر الفيلم الناطق لحظة وضع تعريف للأخلاق والأمة، وما يعنيه أن تكون مصريًّا صالحًا بطرق أكثر جرأة

ويربط الفيلم بين كرامة الأمة المصرية وإخلاص النساء المصريات لرجالهن، فيما الأجنبيات تقوضن كرامة الرجال المصريين.
وفي هذا الصدد، چوليا هي نتيجة طبيعية للمخاوف الذكورية المصرية من الاستعمار، كما تجسد تهديدًا مزدوجًا للرجولة المصرية، إذ تلخص التهديد الذي تشكله النساء الأقوياء في سياق زيادة حقوق المرأة، والتهديد الإخصائي للاستعمار؛ فيصبح إخصائها لحمدي رمزًا للإخصاء الذي أحدثه الاستعمار. وباعتباره هجومًا جنسانيًّا على الاستعمار، يثير الفيلم مخاطر ما يتعلق بالتهديدات التي تتعرض لها ذكورة الأمة، ومن ثَم ينخرط في بناء

صورة الرجل المثالي في مصر الحديثة. وبينما تزدهر رجولة أمين عندما يتزوج من چوليا، تتدهور رجولة حمدي. وهكذا يرتكز تمثيل الفيلم للذكورة المصرية المثالية على رفض ما يمثله حمدي: الرجل الضعيف الذي يمكن خداعه بسهولة. وقد عبَّرت أزمة الذكورة، المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالسياق الاستعماري، عن نفسها كأزمة تمثيل في مصر.
بعد سنوات من إنتاجه، ادعى وهبي أن (أولاد الذوات) أنتج عمدًا لتبديد اتهامات السير مارشال هول للرجال الشرقيين باعتبارهم "همج، متوحشين، تافهين"، وإثبات أن "العكس" هو الصحيح، فأظهر المرأة الأجنبية

باحثة عن الذهب "ليس لديها كرامة أو شرف أو براءة أو إخلاص"، وبتصوير الرجال المصريين في الفيلم ضحايا لنساء أجنبيات شريرات، جسد الفيلم هجومًا يُضرب به المثل على التصورات الاستعمارية للرجال المصريين التي غالبًا ما تصورهم على أنهم فاجرون، مسرفون، وعنيفون، وكارهون للنساء يسيئون معاملة زوجاتهم. ومن المثير للاهتمام أن وهبي اختار تمثيل عنف الرجال المصريين بجعل حمدي يقتل عشيق چوليا في نوبة غيرة غاضبة. وكان الإدراك المفاجئ للعلاقة المهينة التي يتورط فيها بمثابة قوة دافعة لعنفه، فمقتل العشيق الفرنسي لا يشير إلى العنف المتأصل في الذكر المصري؛

ربما صُنع فيلم "أولاد الذوات" من أجل النساء، لكنه بلا شك أسهم في تهميش المرأة في العملية الإبداعية والتجارية

بل هو نتيجة عنيفة طارئة لشعور حمدي، ومن ثَم إحساسه بجرح كرامته الوطنية. لكن في النهاية ارتكب حمدي جريمة قتل تحت وطأة مشاعره، متخليًا عن الصورة المثالية للرجل المصري الحديث. وما يوضح أسباب انحدار حمدي إلى الجريمة البدائية، فعنفه تجاه الأجنبي وتجاه نفسه (من خلال الانتحار) هو تفسير معقد للعنف الثوري. وإذا كان الفيلم نقدًا جنسانيًّا لعلاقة مصر بالاستعمار الأوروبي، فإن عنف حمدي يمثل توقعات قاتمة لعمليات التحرير العنيفة. ففي صراعه من أجل استعادة كرامته، ينخرط حمدي في تدمير كل من الأجنبي (القامع) ونفسه (المقموع).

فيقتل الأجنبي، عشيق چوليا الفرنسي، وفي هذه العملية يخرج نفسه من الأطر المؤسسية الحديثة، ويصبح خارجًا على القانون. والأهم من ذلك، أنه يقترف فعل الأذى النهائي للنفس بالانتحار، لتكون وفاته تضحية من أجل تجديد وإعادة ميلاد جيل جديد من الرجال المصريين المعاصرين.
لا توجد رسالة أكثر وضوحًا مما تقدمه المشاهد الأخيرة في للفيلم، إذ تتزامن لقطة انتحار حمدي مع أول قبلة لابنه في حفل زفافه، أي أن الابن يبدأ حياته كزوج مخلص لامرأة مصرية في لحظة مقتل والده العنيفة!
ردًا على الإهانات الغربية للرجال المصريين "المتوحشين"،

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

لم تشغل جريمة ماري مارجريت يوسف وهبي فقط بل شغلت محمد عبد المنعم مدير جريدة السيف فأصدر هذا الكتاب

نزع يوسف وهبي ذكورة بطل الرواية، وكذلك عاقبه على نزع الذكورة، فلم يعد حمدي رجلاً مصريًّا مثاليًّا. ونزع الذكورة له أيضًا تداعيات طبقية، إذ تدنت طبقة حمدي إلى خادم في حفل زفاف ابنه. وقد صوِّر مدى تدني الرتبة بشكل جيد في أحد إعلانات الأفلام المنشورة في صحيفة الصباح؛ ويحتوي الإعلان على صورتين تمثل كل منهما مرحلة مختلفة من حياة حمدي؛ الأولى تصوره شابًا ساذجًا، يقف بوجه خالٍ من التعبير بجوار چوليا ذات المظهر الخائن، حليقًا يرتدي سترة العشاء. وفي الثانية يظهر في هيئة خادم، واقفًا مع ترهل خفيف وتعبيرات ندم ظاهرة على وجهه. كما صوِّر انحدار وهبي

إلى الذل بشكل جيد في علاقته مع زينب. وتوضح توصيفاته في الفيلم أصله الاجتماعي بشكل صارخ؛ فبينما يظهر حمدي في بداية الفيلم زوجًا ناكرًا للجميل وعنيدًا، يظهر في النهاية رجلاً كسيرًا يبكي أمام زوجته السابقة. بتشويه كرامته، وفقدانه لمكانته الاجتماعية، وتدهور مزاياه كمواطن ملتزم بالقانون، لم يعد لحمدي مكان في مصر يوسف وهبي الحديثة. وهو يعترف بكل خياراته السيئة؛ على سبيل المثال، تركه لزوجته المصرية من أجل امرأة أجنبية، لكن الفيلم لا يغفر له، ويحكم عليه بمصيره مأساوي عنيف في النهاية. فأصبحت عربات الترام المملوكة للبلچيكيين، التي ألقى بنفسه أمامها،

وهي تعبر المدينة بسرعة مخيفة وتربط بين شعوب مختلفة، رمزًا أخيرًا للتدمير والوحشية المحتملة للحداثة الاستعمارية التي يكمن فيها مأزق حمدي. ومع أن الفيلم لا يغفر لحمدي تخليه عن عائلته ووطنه، فإنه يصوره كضحية. وفي أحد مشاهد الفيلم الأخيرة، يعبر حمدي عن ندمه لزوجته التي هجرها، ويثير تعاطف الجمهور مع المسار الذي سلكه.
في (أولاد الذوات)، ترتبط كرامة الأمة بشكل كبير بسلوك الرجال المصريين. بالنسبة لوهبي وجمهوره، تعتبر رغبة حمدي في چوليا إهانة وإذلالاً لكبرياء الهوية الوطنية المصرية لأنها تشيع مشاعر الانتماء وعدم الجدارة

 إدانة الصحافة الأوروبية لـ"أولاد الذوات" لا يمكن تفسيرها إلا كمحاولات أجنبية لحماية سوق السينما من المنافسة المصرية

وسط النضال المناهض للاستعمار. تسمح لنا لقاءات الثقافات التي تظهر على الشاشة هذه بإعادة تقييم فهمنا لتمثيل الرجال في الخطاب المناهض للاستعمار، لا كمدافعين عن الكرامة الوطنية، بل كأشخاص يمكن تشويههم بسهولة. يدعو الفيلم إذن إلى تنظيم رغبة الرجل المصري، ويؤكد أن المصلحة الوطنية هي ما تملي على الذكر المصري من يجوز ومن لا يجوز أن يمارس الجنس معه.
وبالإضافة إلى وقوعه ضحية للأوروبيين، ينتقد الفيلم حمدي لكنه في الحقيقة ينتقد الطبقة الأرستقراطية نقدًا لاذعًا. ويجعل عنوان هذا الأمر واضحًا، خصوصًا عندما نعلم أنه تُرجم

إلى الفرنسية في البداية باسم Fils a papa (ابن أبيه الغني). ويدين الفيلم التجاوزات والحماقات والرغبات غير اللائقة للرجال الأرستقراطيين، ويمكن قراءته كجزء من حوار أوسع مع بنيات ما بين الحربين العالميتين للذكورة المثالية والادعاءات بأنماط الحداثة الصحيحة.
لم ينفصل وهبي وكريم قط عن هذه البنى والمواقف الاجتماعية، والأهم من ذلك، لم ينفصلا عن مظهر "الأفندية". أدى عمل كريم في فيلم زينب إلى ظهور حساسيته "كأفندي" على السطح، التي تمجدت وتكرست لاحقًا في تعاونه السينمائي مع المطرب محمد عبد الوهاب خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، حين أنتجوا أفلامًا

متمركزة حول نموذج ذكورة الأفندية. وبعيدًا عن البنى المحلية للرجولة، تشير شخصية حمدي بشكل ملحوظ إلى الارتباط بالمخاوف العالمية للذكورة. ونتاجًا للتأثيرات الدولية والمحلية، فقد جاء فيلم "أولاد الذوات"، مثل العديد من أفلام الرجل الساقط الأوروبية، وتعامل مع الخطاب الأوسع الشائع بشأن أزمة الذكورة في سنوات ما بين الحربين العالميتين.
السياق التجاري
مثلما تشير الاعتبارات الخاصة بالتلقي النسائي، فإن دوافع التمثيل السينمائي لا يمكن دمجها ببساطة في الضرورات الآيديولوچية. على الرغم من أن الشعور بالفخر الجريح كان الدافع المباشر

بغضب شديد تابعت الصحافة المصرية والعديد من صناع السينما المحليين ردود فعل الصحافة الأجنبية على فيلم "أولاد الذوات"

لإنتاج الفيلم، فإن بناء وهبي لشخصياته في الفيلم، وطبيعة الإعلانات الترويجية، كانت أيضًا جزءًا لا يتجزأ من الظروف التجارية والاتجاهات السينمائية العالمية. ويمكن لتوقيت إصدار الفيلم أن يوفر بعض الأدلة حول طبيعة هذا التقاطع. وهنا لا بد من التذكير بمقتل علي فهمي الذي أثر في البداية على حبكة (أولاد الذوات)، إذ يذكر وهبي في مذكراته أنه انتقل للعيش مع عائشة فهمي، أخت علي فهمي، في الموسم المسرحي 1929- 1930. وهذا يعني أنه انتقل للعيش معها، ووجد حزمة رسائل الحب الفرنسية، بعد أكثر من ست سنوات من المحاكمة التي تمت في لندن.

وقد يعني أيضًا وجود تناقض بسيط في ذاكرة وهبي. ورغم أنه ينسب الفضل في إلهامه إلى قضية فهمي عام 1923، فقد استغرق الأمر ست سنوات أخرى لكتابة المسرحية وإنتاجها. وهذه الرؤية تجبرنا على تغيير تأريخنا للمسرحية، ويثير تساؤلات حول سبب اختيار وهبي استلهام قصة علي كامل فهمي بعد ست سنوات من المحاكمة. لماذا أثارت قضية فهمي خيطًا إبداعيًّا لدى وهبي بعد سنوات من الحدث؟ أما فيما يتعلق بإنتاج الفيلم نفسه، فإنه يطرح سؤالاً مهما آخر؛ إذا كان وهبي، وهو كاتب مسرحي غزير الإنتاج منذ عام 1923، لديه مجموعة من المسرحيات ليختار منها ما يحوله إلى

أول فيلم ناطق في مصر، فلماذا اختار (أولاد الذوات)؟ لقد اعتمد اختيار وهبي على عوامل تاريخية تخص فترة أوائل الثلاثينيات، بما في ذلك الاقتصاد واتجاهات السينما العالمية، بالإضافة إلى ذخيرة واسعة من الرموز المتاحة في الثقافة الجماهيرية المصرية في الثلاثينيات.
اختصارًا، حكمت الفرص التجارية والمواقف الثقافية قرار يوسف وهبي بإخراج (أولاد الذوات) على الشاشة الفضية، مسترشدًا بالمصالح التجارية والاقتصادية المرتبطة بسوق الأفلام الدولية والمحلية المتوسعة في 1931-1932 في إنتاج الفيلم والترويج له.

كشف "أولاد الذوات" عن حيل المقاومة في السينما، وكيف ساعدت مشاعر الإهانة على صياغة مُثل وطنية معيارية للرومانسية والعاطفة والجنس على الشاشة

فحين أنتج كان سوق السينما في مصر قد شهد نموًا هائلاً.
وفي عام 1932، أنتجت سبعة أفلام روائية محلية الصنع، وهو أعلى إنتاج سنوي آنذاك. ومع ذلك، ظلت الأفلام الأجنبية تهيمن على السينما. وكانت بعض الأنواع والموضوعات رائجة بشكل خاص، وعندما اختار وهبي أن يصنع (أولاد الذوات)، استغل نوعًا من الأفلام العالمية الرائجة بالفعل، التي تركز على سقوط أو إذلال الرجال الطيبين على أيدي النساء؛ وقد أطلقت چانيت شتايجر Janet Staiger على هذا النوع اسم (فيلم الرجل الساقط). ما يعكس المخاوف المتوترة بشأن (المرأة الجديدة) وأزمة الذكورة.

وقد أسهمت السينما الألمانية في عشرينيات القرن العشرين في الترويج لهذا الاتجاه. ويحوي فيلم (الشارع) لكارل Carl Gron جرون عام 1923، و(أسفلت) لجو ماي Joe May عام 1929، و(الملاك الأزرق) لجوزيف فون ستيرنبرج Josef Von Stenberg عام 1930، رجالًا استدرجوا إلى حتوفهم بعدما أغرتهم الغانيات، وقد عُرضت بعض هذه الأفلام في مصر. ومن المهم أن نأخذ نجاح وانتشار هذا الموضوع في السينما الألمانية في الاعتبار؛ إذ درس كريم صناعة الأفلام في ألمانيا خلال عشرينيات القرن العشرين، وعمل في موقع تصوير فيلم متروبوليس لفريتز لانج Fritz Lang، الذي تضمن أيضًا

هكذا بدأت ظاهرة أفلام العيد، والإعلان في مجلة الشباب 20 يناير 1933

هكذا بدأت ظاهرة أفلام العيد، والإعلان في مجلة الشباب 20 يناير 1933

قصة شخصية امرأة قاتلة تسببت في زوال مدينة بكاملها.
لا نعرف مدى تأثير هذه الأفلام الألمانية ومدى تأثرها بشكل بشكل مباشر على كريم، لكن لا يمكن إغفال شعبيتها العالمية وقت إنتاج فيلمه وباستخدام سرد متماسك حقق نجاحًا دوليًّا ومحليًّا، حاول صُناع الفيلم الاستحواذ على سوق أفلام متنامية في مصر وأوروبا. وكان بعض صانعي الأفلام يأملون أن يؤدي استخدامهم لشخصيات أوروبية من بين أعضاء فريق التمثيل إلى ضمان نجاح عملهم في أوروبا.
وبعد تحويل المرأة القاتلة إلى امرأة أجنبية، وضع (أولاد الذوات) الرجل الساقط في بيئة استعمارية مصرية.

ومن خلال (إضفاء طابع آخر) على المرأة الأجنبية، خلق الفيلم رؤية معارضة يمكن من خلالها تحديد ملامح المرأة المصرية الحديثة. ومع ذلك، فإن تصنيف المرأة القاتلة على أنها أجنبية لا يمكن أن يتحول ببساطة إلى ضرورة قومية. ربما كان الاختيار مرتبطًا بمحاولات اقتحام الأسواق الأوروبية، وحرص وهبي على إشراك كوليت دارفيل لما تتمتع به من شهرة عالمية عاملاً رئيسيًّا في الإقبال الجماهيري. لم يكن (أولاد الذوات) الفيلم المصري الأول أو الأخير عن الرجل الساقط. فبين نهاية عام 1931 وأبريل 1932، أنتج الفيلمان المصريان (وجع الندم) و(أنشودة الفؤاد)،

اللذين تناولا أيضًا فكرة سقوط رجال مصريين بعد علاقات مع نساء أوروبيات. ظهرت المرأة الأجنبية بطلة رئيسية في ستة أفلام كبرى على الأقل أنتجت بين عامي 1928 و1934. ومن بين الأفلام الستة، قدمت أربعة (أحدها فيلم "أولاد الذوات") المرأة الأوروبية باعتبارها سببًا في سقوط الرجل المصري. وكان هذا الموضوع شائعًا جدًا لدرجة أنه خلف ارتباكًا بين بعض نقاد السينما بسبب ما اعتبروه افتتانًا غير مبرر بالأجنبيات. أحد الكتاب، الذي اندهش من عدد الأفلام التي تدور حول النساء الأجنبيات، وكتب مقالاً في الكواكب دعا فيه صُناع الأفلام إلى التخلي عن حبكة العلاقة المختلطة الأعراق:

لم يكن (أولاد الذوات) الفيلم المصري الأول أو الأخير عن الرجل الساقط. فبين نهاية عام 1931 وأبريل 1932، أنتج فيلما (وجع الندم) و(أنشودة الفؤاد)

"ألا توجد في مصر مشكلة اجتماعية، أو مشكلة أسرية؟ أو أي مسألة تتعلق بالأخلاق، أو أي خطأ من أخطاء الإنسانية... إلا زواج المصريين من الأجنبيات!!!". يبدي الكاتب اندهاشه من الاهتمام الكبير الذي يوليه صناع الأفلام لهذا الموضوع، مع أن نسبة صغيرة جدًا من الرجال المصريين متزوجون بالفعل من نساء أجنبيات، ومعظمهم يعيشون حياة سعيدة معًا. ويسارع الكاتب للتوضيح "نحن بالطبع لا نشجع على الزواج من أجنبيات... وإن كان له معارضون ومؤيدون، وإيجابيات وسلبيات.. ومع ذلك لا نوافق على أن يركز صناع السينما جهودهم على قضية واحدة تافهة

في الحياة المصرية، ويتجاهلون النظر إلى مواضيع أخرى، والكتابة عنها" ومع ذلك، ولضمان النجاح التجاري محليًّا، استغل (أولاد الذوات) المخاوف الشائعة من علاقات الرجال المصريين بالنساء الأجنبيات. كان الفيلم إذن نتاجًا للاعتبارات التجارية لصانعي الفيلم، بالإضافة إلى حساسياتهم تجاه المخاوف الاجتماعية الأوسع.
المنافسة بين الصناعة الوطنية والأجنبية
بغضب شديد تابعت الصحافة المصرية والعديد من صناع السينما المحليين ردود فعل الصحافة الأجنبية على فيلم "أولاد الذوات". وترجمت بعض المجلات المراجعات التقييمات النقدية الأجنبية لقرائها وفسروا ردود الفعل الأجنبية

على الفيلم بأنها شكل من أشكال الإفساد الأوروبي للمبادرة الصناعية المصرية. وكما أوردنا سابقًا، ارتبط الفيلم بالحديث عن بناء الصناعة الوطنية، وضرورات الاقتصاد المحلي والاقتصاد العالمي. وكانت ردود الفعل المحلية جزءًا من مشاعر الغضب الأوسع والأكثر عمقًا تجاه القوة المتصورة للأجانب في البلاد. منذ أوائل ثلاثينيات القرن العشرين وحتى خمسينياته، كانت الامتيازات الاقتصادية والقانونية التي تمتعت بها الجاليات الأجنبية مصدرًا للاستياء الشديد بين القوميين الذين يرفعون شعار "مصر للمصريين".
وبالنسبة لمخرج الفيلم، فإن إدانة

كانت ردود الفعل المحلية جزءًا من مشاعر الغضب الأوسع والأكثر عمقًا تجاه القوة المتخيلة للأجانب في البلاد

الصحافة الأوروبية لـ(أولاد الذوات) لا يمكن تفسيرها إلا كمحاولات أجنبية لحماية سوق السينما من المنافسة المصرية. حتى إنه، وبشكل مباشر، ألقى اللوم على ممثلي موزعي الأفلام الأجانب الذين يشعرون بالمرارة لتحريض الصحافة الأجنبية في مصر على مهاجمة الفيلم. ووصف مقال آخر عن الفيلم في مجلة الصباح "المرارة والانزعاج" الذي يشعر بهما الأجانب في مصر تجاه الأفلام المصرية عمومًا. وفي ردها على مقال فرنسي يهاجم الفيلم، نشرت الكواكب ساخرة: "هذا مجرد جزء من الترحيب والتشجيع الذي تستقبل به الصحف الأجنبية في مصر أعمالنا المصرية الناشئة".

ودفعت الكواكب بحجتها إلى أبعد من ذلك، وفسرت الأمر في سياق استغلال صراع أوسع حول صورة مصر؛ فزعمت أن الصحف الأجنبية التي انزعجت في كثير من الأحيان من تشويه المصرييين لصورة الأوروبيين، التزمت الصمت إذا شوَّه الأوروبيون المصريين أو الإسلام. ولم يكن هذا اتهامًا تافهًا، فقد كانت دور السينما ساحة معركة تجارية شرسة تتنافس على المصالح التجارية. ما أدى، في أكثر من مناسبة، إلى استخدام أصحاب دور السينما الخطاب القومي؛ ووعدوا بتجربة "مصرية خالصة" وغير تمييزية تحقق مكاسب في دور السينما الأجنبية. ومع أن يوسف وهبي بسبب تمثيل الرجال المصريين وجه استجابته

العاطفية للإهانة الوطنية لصناعة فيلم "أولاد الذوات"، فمن الخطأ التفكير في الفيلم باعتباره مجرد مشروع قومي، منفصل عن السياق الاقتصادي والدولي الذي انبثق منه. ويمكن القول إنه كان نتاج عوامل متنوعة: التوجهات الوطنية، واتجاهات السينما العالمية، والسياق التجاري، وقد مهدت هذه العوامل المترابطة الطريق للفيلم ليؤسس لمعايير متعلقة بالجنس والزواج والذكورة والأنوثة.
خاتمة
الجنسانية، والعنصرية، عنصران متأصلان بعمق في الطروحات المضادة المناهضة للاستعمار، وقد كشف فيلم (أولاد الذوات) عن حيل المقاومة

من الخطأ التفكير في الفيلم باعتباره مجرد مشروع قومي، منفصل عن السياق الاقتصادي والدولي الذي انبثق منه

في السينما، وكيف ساعدت مشاعر الإهانة في صياغة مُثل وطنية معيارية للرومانسية والعاطفة والجنس على الشاشة. ركز الفيلم على العلاقة بين الأعراق، وجسَّد وطوَّر مفهومًا عنصريًّا عميقًا للرغبة والألفة، وهو ما حدد معايير الأنوثة المصرية المثالية، والرجولة، والحميمية؛ وهي فكرة أصبحت دعامة أساسية للإنتاج السينمائي لعقود تالية.
قلبَ الفيلم القوالب النمطية الاستعمارية والجنسانية في الأفلام الأوروبية وفي هوليوود: تحويل النساء البيض النقيات من ضحايا الرجال السود والملونين إلى غانيات تفترسن الرجال المستعمرين العاجزين،

والنساء المصريات المهووسات جنسيًّا (أو غير المرئيات) إلى أمهات مدجنات، والرجال المستبدين المنحطين إلى ضحايا للنساء البيض. ولعب تأثير هذا التحويل التمثيلي دورًا في مفاهيم الرغبة والحب التي كانت ذات طبيعة استعمارية متجذرة. كان الفيلم "مناهضًا للاستشراق" من خلال تحدي الصور النمطية الاستعمارية عن همجية الذكور المصريين المنحرفين جنسيًّا، وبصنع الفيلم، وجه وهبي استجابته العاطفية للإهانة الوطنية، مع الاستفادة من الشعبية التجارية الأوسع لأفلام الرجل الساقط التي حذرت من مخاطر المرأة القاتلة. ويسلط التفاعل بين (أولاد الذوات) كسلعة تدخل سوق الأفلام

التي تشهد تنافسية متزايدة، وكنص سياسي مترابط بقضايا التمثيل الاستعماري للرجال المصريين، الضوء الكاشف على تداخل مختلف العوامل الاقتصادية والوطنية التي أسهمت في تشكيل العمل السينمائي في مصر في أوائل الثلاثينيات. وكانت التداعيات عميقة، إذ شكَّلت هذه الطبقات المعقدة من العوامل التجارية والسياسية والشخصية بنيات الرجال والنساء المصريين المثاليين، وحصرتهم في نماذج مصقولة محترمة اجتماعيًّا.
وقد استمر تصنيف المرأة الأوروبية كقاتلة حتى منتصف الثلاثينيات فقط، فمع تحول الخطاب القومي، وتبلور مكانة الأفلام المصرية في شبكة

مع تحول الخطاب الوطني، وتبلور مكانة الأفلام المصرية في شبكة السينما العالمية تضاءل الهوس بالنساء الأجنبيات في وسائل الإعلام المصرية

السينما العالمية تضاءل الهوس بالنساء الأجنبيات في وسائل الإعلام المصرية. كان إدراك أن الأفلام الناطقة باللغة العربية لن تقتحم السوق الدولية التي تهيمن عليها ستوديوهات هوليوود بمثابة حافز لاختفاء التصور الذي ينظر للأجنبية باعتبارها المرأة القاتلة. ولما تراجعت أهمية النظرة الأوروبية والأمريكية، جاءت الحاجة الملحة إلى تصحيح هذا التشويه. بمعنى آخر، وباستثناء حالات قليلة، اختفت النساء الأجنبيات من الشاشة الفضية المصرية لأن وظيفتهن في خلق شخصية يمكن الدفاع عن الرجال المصريين ضدها على المسرح العالمي أصبحت عقيمة وبلا فائدة. وفي عام 1943،

ماري ألبرت قبل أن تصبح ماري فهمي

ماري ألبرت قبل أن تصبح ماري فهمي

بعد أكثر من عقد من الزمن، أنتج يوسف وهبي فيلم "الطريق المستقيم"، وهو نسخة جديدة من "أولاد الذوات"، وترك القصة الأساسية كما هي؛ رجل من الطبقة العليا، رئيس البنك الأهلي (يلعب دوره يوسف وهبي)، تغريه إحدى المغنيات فيترك زوجته الصالحة (تلعب دورها أمينة رزق أيضًا)، واستبدلت بچوليا ثريا (التي لعبت دورها فاطمة رشدي)، وهي مغنية مصرية لعوب ساعية إلى الثروة. سوِّق الفيلم للجمهور المصري والعربي، ولم يكن يدور هنا حول الدفاع عن الكرامة المصرية بقدر ما كان يدور حول التركيز الشديد على حدود الاحترام الأنثوي والذكوري. في هذه المرحلة،

بدا أن نبرات وأصوات صورة الأنوثة المثالية قد استقرت؛ فأكدت ضحكات المرأة القاتلة ذات النبرة العالية تباينًا سمعيًّا قويًّا ضد النحيب والتنغيم البطيء للزوجة الصالحة. لقد عبَّر "أولاد الذوات" عن مخاوف أوائل الثلاثينيات من الإهانة الوطنية، وبخاصة فيما يتعلق بتمثيل الرجال المصريين، وقدم دراسة حالة مقنعة لاستكشاف مطالبة مصر بسوق السينما العالمية في وقت شهد تغيرات تكنولوچية واقتصادية وسياسية عميقة.

اقرأ أيضاً

''تنظيف'' الشعبي

''تنظيف'' الشعبي

التفاؤل والتشاؤم بعد سقوط الإخوان

التفاؤل والتشاؤم بعد سقوط الإخوان

توازنات الشاه الأخير

توازنات الشاه الأخير

حسابات الشاهنشاهية المرتبكة

حسابات الشاهنشاهية المرتبكة

لماذا شجرة الفستق؟

لماذا شجرة الفستق؟

مدينة لا تتسكع فيها النساء

مدينة لا تتسكع فيها النساء