منذ ما يقرب من قرن بدأت الدولة في منح جوائز رسمية في مختلف مجالات الآداب والفنون والعلوم.. وأطلقت عليها ببساطة «جوائز الدولة».. لكن لماذا؟
إذا بحثت في المعجم ستجد أن الجائزة هي: مقدار الماء الذي يجوز به المسافر من مَنهل إِلى منهل..
لكن هذا التعريف تحول وتحور حتى صار له معان مختلفة تمامًا الآن.. خصوصًا لو كان الحديث عن جوائز تحدد المكانة وتؤكد الاستحقاق، وتترجم إلى مبلغ كبير من المال يتلقاه الفائز، المميز، المستحق. الذي يسعد، وتزداد ثقته بما يقدمه، ويندفع لإكمال ما بدأه بروح قوية.. لكن يوجد جانب آخر؛ حيث الخاسر الذي يرى أنه مستحق، وأنه تعرض لظلم..
منذ نحو قرن بدأت الدولة، انطلاقًا من سلطاتها، الحقيقية والمتوهمة، في منح
جوائز رسمية في مختلف المجالات، الآداب والفنون والعلوم وغيرها، وأسمتها ببساطة "جوائز الدولة".
لكن بساطة التسمية لم تنسحب على بقية التفاصيل، التي ازدحمت بحسابات تخص الولاء والانتماء، ومكافأة المقربين، ومعاقبة المختلفين، لكن لا شك أنه بعد كل هذه الفترة الطويلة، كان هناك مستحقون نالوا تقديرًا منتظرًا، وفي المقابل منحوا تلك الجوائز بعض مصداقية، تهتز من حين إلى آخر كبندول الساعة. في يونيو من كل عام تعلن جوائز الدولة، ويثور الجدل الموسمي، وتطرح الأسئلة، وتنهال التهاني والمباركات، ثم ينفض المشهد..
لكن هذا ليس كل شيء.. لذا قررنا العودة والبحث مع ناصر كامل في أصل الحكاية.
فكرة صاحب السعادة
قد تكفي الوقائع الغفل، وحدها، كمرشد في طريق البحث عن أصل الداء الذي ظهرت "كارثية" آثاره الجانبية في العديد من مناحي الحياة الثقافية المصرية المعاصرة، ونقاط تماسها المباشرة مع الشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لكنها تظل قاصرة عن إنتاج معنى، أو دلالة، فذلك يحتاج بحث أعمق وأشمل. بداية التفكير في جوائز الدولة تعود إلى أكثر من ثمانين عامًا، ويمدنا أرشيف مجلة "الرسالة"
الأسبوعية، بالعديد من العلامات، الأولى المتعلقة بالفكرة، فبعد بضعة أشهر من تولي الملك فاروق الأول لسلطاته الدستورية (٢٩ يوليو ١٣٧) "أرسل حضرة صاحب السعادة الدكتور حافظ عفيفي (باشا) وزير مصر المفوض في لندن إلى وزارة المعارف مذكرة يقترح فيها إنشاء جائزة مالية سنوية باسم (فاروق الأول) تمنح للمصريين المتفوقين في العلوم والآداب والفنون".
في العدد نفسه نشرت “الرسالة” أخبارًا تبدو متصلة بصورة ما بالاقتراح ومؤيدة له؛ متابعة خبرية لجوائز نوبل، وتركيز على خبر فوز الكاتب الفرنسي روجيه مارتان دوجار بجائزة نوبل للآداب..
الصورة حصيلة بحث عن حافظ عفيفي (باشا)؛ صاحب اقتراح تدشين جائزة باسم فاروق الأول.. وهي وفقًا للموقع الذي نشرها من عزبة الباشا الواقف بالطبع جهة اليسار!
وصفها المحرر بأنها "في الواقع أشهر جوائز نوبل"، وآخر بعنوان "كيف يشجعون الآداب والفنون": "وآخر ما انتهى إلينا من ذلك أن هبة جديدة قدرها مليون كرون (نحو ٥٥ ألف جنيه) قد رصدتها دار النشر السويدية الشهيرة (ألبرت بونير) لتشجيع المؤلفين والفنانين، وذلك لمناسبة الاحتفال بعيدها المئوي". يعلق المحرر "أما في مصر فإن الآداب لم تنل حتى اليوم تقديرًا ولا تشجيعًا، لا من الجهات الرسمية، ولا من رجال المال؛ وما زالت فكرة الجوائز الرسمية لتشجيع التأليف تتردد منذ أعوام بين اللجان والجهات المختلفة دون أن تحظى بالتنفيذ العملي" .
صاحب فكرة جوائز "الدولة"، أو للدقة أول من أعلن عنها، حافظ باشا عفيفي (١٨٨٦- ١٩٦١) من الشخصيات المؤثرة في الكثير من مجالات الحياة في مصر، فهو: طبيب أطفال شهير(أسس فور تخرجه في "مدرسة الطب" في عام ١٩٠٧ جمعية أهلية "جمعية رعاية الأطفال المصرية"، التي أنشأت أول مستشفى "أبو الريش للأطفال"، في نفس المكان الذي يشغله الآن المستشفى الشهير)، لكنه عرف أساسًا كسياسي ودبلوماسي واقتصادي، تولى وزارة الخارجية (١٩٢٨)، وكان آخر من تولي منصب رئيس الديوان الملكي (يناير ١٩٥٢)، وكان له ميل وانحياز واضح لإنجلترا..