رئيس مسجون وصحفي مات في حفلة تعذيب

محمد نجيب مع سليم اللوزي

رئيس مسجون وصحفي مات في حفلة تعذيب

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

قصة مقتل الصحفي سليم اللوزي مرعبة، وقصة تخلص الضباط الأحرار من كبيرهم محمد نجيب بوضعه في الإقامة الجبرية مرعبة، وهذا حوار بين الرجلين!

بعد كل هذه السنوات يبدو الأمر دمويًّا وأكثر قسوة؛ حين وجد راعي غنم في أحراش عرمون في جبل لبنان جثة ملقاة بهندام رجل لا يخفى كونه من كبار البلد.
لم يقل أحد من رواة الواقعة هل كان الراعي يعرف اسم وشخصية سليم اللوزي أشهر صحفي لبناني في تلك السنوات الساخنة بين سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي؛ الذي شغل الدنيا كلها بعد اختفاء ٨ أيام، هل كان الراعي الذي بلغ في اليوم التاسع عن وجود ميت في طريقه اليومي يخشى أن ينهشه الذئاب؟ كان الجميع يعلم من خطف الصحفي الأشهر في العالم العربي، لكنها معلومات تقال في الجلسات 

الخاصة وعلى ألسنة من يربطون بين تحول لبنان إلى "مستعمرة سورية" وبين الرغبة في صمت الجميع حتى المؤيدين للعروبة ولنظام حافظ نفسه؟ هذا المزيج بين المعرفة والصمت طال الراعي نفسه، فقد وُجد، هو أيضًا، وبعد أقل من ١٠ أيام مقتولاً، ومن بعده صبي شاهد لحظة العثور على جثمان الرجل الأنيق!
الرواية مرعبة، ولا تزال حتى الآن، بعد مايقرب من نصف قرن.. حفلة قتل تحمل ماركة مسجلة بإسم حزب البعث تاريخ القمع العربي. قائد فرقة القتل سأل الصحفي سليم اللوزي في بداية حفل التعذيب: بأي يد كنت تكتب مقالات تهاجم سيدك؟ 

رأى سليم اللوزي ذوبان لحمه، وبعدها رأى عضوه الذكري يلقى في نفس الحوض..

كان يقصد الرئيس حافظ الأسد، وقبل أن يحدد المقتول اليد التي يكتب بها، حاول استخدام المنطق والعقل ويستجمع فصاحته الشجاعة، ليخبرهم أنه على موعد مع الرئيس حافظ بعد أيام حسبما علم من الوسطاء، وأن هذه ليست المرة الأولى التي يلقى فيه سيدهم، لكنهم لم يكملوا سماع تمتمته المتعبة؛ واختاروا اليد اليمنى ليضعوها في حوض من حامض كبريتيك ساخن (ماء النار كما يسمى في اللغة الشعبية المصرية).. ذلك الحوض الشهير في طقوس البعث التي قرأنا عنها بعد ذلك كثيرًا. رأى سليم اللوزي ذوبان لحمه، وبعدها رأى عضوه الذكري يلقى في نفس الحوض.

طقوس تحمل إشارات رمزية مفعمة بالإخصاء والتصوير من أشهر أنظمة الذكورة العربية المتوحشة.سليم اللوزي صحفي بمواصفات تلك المرحلة الممتدة منذ صعود طبقة جنرالات التحرر للسلطة في البلاد العربية المركزية..
وهو كذلك تربية الصحافة المصرية قبل وصول الضباط للحكم. عمل أولاً في روز اليوسف حتى غادرها وغادر مصر مجبرًا في إطار حملة "الأسلحة الفاسدة" أحد أهم الحملات الصحفية التي وجهها الضباط الذين كانوا في المرحلة السرية وعبر علاقتهم مع إحسان عبد القدوس صاحب ورئيس تحرير روز اليوسف آنذاك..
كانت الحملة تالية لهزيمة أو نكبة ٤٨

وقد أظهرت التحقيقات بعد ذلك عدم وجود أسلحة فاسدة، لكن سليم اللوزي لم يقطع علاقته بالصحافة المصرية، وعمل مراسلاً لمجلتي المصور والكواكب في بيروت، وتنقل في الصحف اللبنانية حتى اشترى ترخيص مجلة الحوادث من مغامر طرابلسي عام ١٩٥٦، وهو العام الذي قابل فيه محمد نجيب للمرة الأولى، وكان أول صحفي عربي يقابله، وقيل للچنرال العجوز الطيب إن "سليم واحد مننا". فقد كان صديقًا لأحد الضباط الذين فازوا بحكم مصر وبدأوا عهدا جديدًا، للعروبة والهوى القومي فيه مكان أساسي.
سليم اللوزي، ابن الشمال الطرابلسي؛ ماهر في نسج شبكة علاقات في أماكن

إمبراطور صحفي في زمن نتلقى حكاياته الآن بمزيد من الدهشة والرعب، وكأنه ليس مقدمة لما نعيشه من "جحيم"

صنع القرار، وخطوط اتصال دائمة مع صُنَّاع القرار، وحين يمزج المعلومات القادمة من شبكاته مع العواطف الهادرة التي ميَّزت لغة صحافة تلك الأيام، فإنه قادر على أن يكون على رأس إمبراطورية صحفية كما وصفها بنفسه، ويختار بين وجوده على رأس الحوادث، وبين عرض إلياس سركيس رئيس لبنان له برئاسة الحكومة اللبنانية قبل حفلة الانتقام منه بسنوات قليلة.. إمبراطور صحفي في زمن نتلقى حكاياته الآن بمزيد من الدهشة والرعب، وكأنه ليس مقدمة لما نعيشه من "جحيم" تعودنا عليه بعدما تأكد لنا أن هذه أقدارنا.. شخصية مثل سليم تنقلت من التماهي مع الحلم القومي/العروبي، ثم صدمتها

هزيمة ٦٧، وبدا كما يقول الرواة ثائرًا على القمع وأنظمته الحاكمة، ثم عاش حاملاً كرة اللهب يتنقل بين مطابخ الحكم والسياسة في بيروت، حين كانت عاصمة تتصارع عليها كل مخابرات العالم، وهرب منها بعد تفجير مقر المجلة وتهديده بالقتل، فقد كان معارضًا للاحتلال السوري لمدينته تحت راية الجامعة العربية.
الصحافة كانت مغامرة حتى بالنسبة للشطار والمهرة، والحاكم يصنع الجحيم من حوله، لينتقم ويستمتع بالذل في عيون المتيمين بالدق على الطبول. وسليم مثل غيره من الصحفيين عاشوا "جزءًا من السلطة" لكنهم دفعوا ثمن الاقتراب حين أخذتهم جسارتهم بعيدًا؛

اقرأ أيضاً

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

صراع الشريعة والقانون الحديث

صراع الشريعة والقانون الحديث

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

تشوهات الحداثة القانونية 

تشوهات الحداثة القانونية