محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

أشباح وجروح ومسرح اعترافات وقاعة مرايا

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

  • أسبوعي
  • ملفات
  • كتابة

هذا ليس نصًّا عن يوسف شاهين بل اقتراب حذر من متاهته، ومدخل لملف  طويل يبدأ من مئويته. لا نروي سيرته، بل نبحث عن أشباحه ومراياه المكسورة في رحلة بحثه عن صورته المستحيلة، فهل أمسك بها؟

لا تتبع كل التعليمات الواردة في هذه المحاولة. اخترع طريقتك للدخول إلى المتاهة. وقبلها ابحث عن باب الخروج. هذه ليست مجرد نصيحة مجرب… ستدرك مع كل شذرة مكتوبة أننا لم نحاول الإفلات من التناقضات. ولا من رسم صورة ثم تدميرها. ولا من الجمع بين الإعجاب والغضب… والأفضل ألا تقرأ هذه المقدمة قبل السير وراء الشذرات الآتية… وإذا وقعت في الفخ وقرأتها عُد إليها من جديد لعلها تفيد.
1
شبح هاملت

بكى يوسف شاهين حين انتهى من تصوير مشهد "هاملت" في فيلم

"إسكندرية نيويورك". لم يكن البكاء احتفالاً، بل اعترافًا متأخرًا. هاملت لم يكن دورًا لم يكتمل، بل صورته الغائبة في المرآة تلاحق يوسف شاهين من فيلم إلى فيلم. كما يلاحق الشخص ملامحه في ضوء باهت. منذ "إسكندرية ليه"، كان الحلم واضحًا: إخراج فيلم عن أمير الدانمارك المتردد، الممزق بين العائلة والسلطة، بين الرغبة والفعل، بين أن يعرف… وأن يصمت. هاملت هنا لم يكن مجرد بطل شكسبيري الملامح، بل سيرة قلق شخصي، مصير يتكوَّن وسط حروب وخيانات، وبيوت لا تشبه أصحابها. تحول الفيلم إلى الباب الأول في السيرة الذاتية ليوسف شاهين، لكن

في المدرسة شاهين لم يمتلك بدلة مناسبة، ولا حذاء أبيض، امتلك خفة الدم، ومهارة الرقص مع البنات في كوكتيلات الطبقة العليا، أي القدرة على جذب الانتباه

الشبح لم يدخل ليخرج، بل استقر ليصبح الظل الناقص في حكاية يوسف. قالت له ممثلة مسرحية "هاملت دا هيجننك"، وكانت محقة. تسلل هاملت إلى "الاختيار" و"حدوتة مصرية" و"عودة الابن الضال"، وفي "إسكندرية نيويورك" بلغت المواجهة ذروتها،  مرة في المشهد الأول بين يوسف شاهين وعبد الحي أديب مؤلف فيلم "باب الحديد" في حلم كل منهما بهاملت، ومرة بوضوح أكثر حين يقف يوسف وجهاً لوجه مع نفسه: بين صورته في الشباب (أحمد يحيى) وصورته في الشيخوخة (محمود حميدة) يلعبان على خشبة المسرح القومي هاملت معًا.

هاملت عند يوسف شاهين ليس مأساة وجودية مجردة، بل شبح نرجسي، يبحث عن ذاته الغارقة بين أطلال مشاريع كبرى خاسرة، وبين فقر ينازع الأحلام.
كان يوسف يخجل من حذائه المقطوع، هو الفقير بين أرستقراطية الإسكندرية في "ڤيكتوريا كولدچ" التي لم تكن مجرد مدرسة، بل مسرحًا صغيرًا للطبقة العليا، حيث تتقاطع السلطة بالمال والهيبة. كان هناك نصف خواجة، بربع إمكانات مالية، ودماغ متقد، وجسد لم يتأقلم بعد مع قواعد اللعبة. أمامه ملوك المستقبل، تجار كبار، وأسماء ستصبح أيقونات في السياسة والثقافة والفن،

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

مثل هاملت كان يوسف شاهين ممزقًا بين المرايا والصور في خبايا متاهته الشخصية- أرشيف مدينة الرقمي

من الملك حسين إلى إدوارد سعيد وعمر الشريف. وكانت المدرسة مختبرًا للطبقات، وللشخصية. شاهين لم يمتلك بدلة مناسبة، ولا حذاء أبيض، امتلك أدوات أخرى: خفة دم، مهارة الرقص مع البنات في كوكتيلات الطبقة العليا، أو بمعنى أكثر تحديدًا اكتشف أنه سيستمر ما دام يملك قدرة على جذب الانتباه وسط أجواء لا تشبهه؛ حيث العالم يحكم بالصورة أولاً، ثم بالكلمة. والأداء يمكن أن يكون سلاحًا شخصيًّا للبقاء والاعتراف بالوجود. وكان هذا اختباره الأول للعالم، حيث يجب أن تقاوم الظروف لتخلق نفسك.
لم يكن الفشل مقبولاً، وكل حركة صغيرة

أمام الصف كانت إما فرصة أو تهديدًا. هنا أيضًا بدأ هوس المرآة والممثل: ذات يوم، رفض حضور حفلة لعدم توفر بدلة مناسبة. لكنه لم ييأس، بل عاد إلى الصف ووقف أمام فصل من ثلاثين تلميذًا، وألقى مونولوج الملك ريتشارد الثاني، متقمصًا شخصية لا تملك شيئًا سوى قدراتها الذهنية، وحوَّل الإحباط لأداء مسرحي أذهل الجميع، وجعلهم يتفاعلون معه بدموع وتصفيق. وكان هذا أول درس حقيقي في التمثيل والتمرد والهوية: كيف تصنع صورة عن نفسك عندما لا توفر لك الظروف الصورة.
في هذه المرحلة، ولدت بذور هاملت:

اقرأ أيضاً

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

صراع الشريعة والقانون الحديث

صراع الشريعة والقانون الحديث

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

تشوهات الحداثة القانونية 

تشوهات الحداثة القانونية 

وسط البلد:تمشية في أرض العدو

وسط البلد:تمشية في أرض العدو