تدريجيًّا تحولت المدينة العربية من مرآة للحضارة إلى ساحة للفوضى، فكيف تآكلت القيم القانونية والجمالية تحت ضغط العشوائيات والهجرة؟ ولماذا وكيف انفصلت الطبقات داخل فضاء واحد؟
تاريخ المدن هو أحد التعبيرات عن الحضارات القديمة، وصولاً إلى الحضارة الحديثة والمعاصرة. فمن خلال المدن تتجسد ثقافة الجماعة والمجتمع، ومدى تطوره التقني والمعماري والتخطيطي والجمالي. ومن خلال الطرز المعمارية تتجلى جماليات المعمار، وأخيلة البنائين والمعماريين. والأهم أن المدن كانت، ولا تزال، فضاءات تطبيق القوانين على السكان أيًّا كانت نماذج وأشكال الحكم التي عرفتها البشرية على تعددها، ومعها إمبراطورياتها، وحكامها وولاتها. وعليه تميزت المدن بأنماط سلوك اجتماعي تمايزت عن الأرياف والبوادي.
مثلت المدينة مرايا كل ثقافة وأديان
ومذاهب -أيًّا كانت مصادرها الماورائية والوضعية-كل بلدان عالمنا، ومراحلها التاريخية المختلفة، لأن الأديان وطبقة رجال الدين ركزوا -مع الحكام- على معمار القصور والمعابد والأديان وأماكن العبادة، ففخامة وضخامة القصور والمعابد والكنائس والأديرة، كانت جزءًا من الهيبة الروحية والسلطوية للملوك والأمراء ورجال الدين، ما نجد بعضًا من أثره حتى الآن في المدن الحديثة، التي لا تزال تحظى باهتمام خاص من الدول والحكومات والمؤسسات الدينية لهذه الأبنية الأثرية، بوصفها مكونة أساسيًّا من التراث المادي والتاريخي لكل دولة في المجتمعات الأوروبية وشمال العالم،
بل وفي دول جنوب العالم.
يشمل مفهوم التراث المادي بعض بقايا المدن القديمة من أبنية وتراث مادي، مع التراث اللا مادي، الذي بات موضع اهتمام دولي من اليونسكو، وأيضًا من الحكومات -أيًّا كانت-، وذلك من خلال الاتفاقيات، والبيانات الدولية. وقد لجأت الحكومات -باختلاف نظامها السياسي- إلى سياسة الحفاظ على التراث المادي، واللامادي، كجزء من الذاكرة التاريخية لكل مدينة، وامتد ذلك إلى الأرياف والبوادي. وباتت الذاكرة المدينية تتجسد في الأحياء والشوارع والأبنية التراثية، ومن هنا شكَّل الحفاظ عليها وترميمها جزءًا من السياسة
المعمارية والتخطيطية، والأهم جزءًا من هويات المدن والأمكنة وتطوراتها العمرانية، وباتت موضوعًا للحماية القانونية خصوصًا في البلدان المتقدمة. في عالمنا العربي، بخاصة في الدول والمجتمعات ذات التاريخ العريق القديم، تجاورت الآثار مع بقايا تشكلات المدن وتطوراتها وتآكلها وانهيارها، مع الغزوات والاحتلال الأجنبي، والاستعمار الغربي، ونشأة المدن الحديثة، وأنماط طرزها المعمارية المستعارة من المتون المعمارية الأوروبية مثل قاهرة القرن ١٩، بخاصة مع إسماعيل باشا، وما بعد، على نحو ما تجسد من طرز معمارية في القاهرة
والإسكندرية ومدن أخرى كالمنصورة وبورسعيد.
وقد أدت المدن الحديثة دورها في رفد وتشكيل الثقافة الكوزموبوليتانية، وتداخلت روافدها المتعددة مع الثقافات المتعددة والمتفاعلة لسكان هذه المدن، والأهم هو البروز الفاعل لقدرة الثقافة المصرية، على تمصير هذه الروافد الثقافية المتعددة، وأثرها على السلوك الاجتماعي، في ظل نظام قانوني وقضائي حداثي نظم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين الأفراد بعضهم بعضًا، وبينهم، وبين الدولة وسلطاتها وهيئاتها، وأجهزتها البيروقراطية.
كانت المدن الكوزموبوليتانية مرايا
دولة القانون والحريات العامة، والمجال العام السياسي المفتوح، وكان تطبيق القانون على جميع المخاطبين بأحكامه سمتًا غالبًا على السلوك الاجتماعي في فضاءات المدنية الحديثة، مع تجاوزات تعرفها المدن الحديثة وتخضع لسلطان القانون ومجالاته المتعددة. وكان تطورالقاهرة والإسكندرية معماريًّا انعكاسًا للنظام الاجتماعي، وطبقاته المختلفة؛ من أماكن وأحياء من القصور والڤيلات، والعمارات، التي يقطنها الباشوات والبكوات من الطبقة شبه
الرأسمالية، وملاك الأراضي الزاراعية، وكبار التجار... إلخ، وأماكن وأحياء يسكنها أبناء الطبقة الوسطى التي
تبلورت مع الانتفاضة الوطنية الكبرى عام ١٩١٩. وكان الانتقال من حي إلى آخر، تعبيرًا عن الحراك الاجتماعي لأعلى، والرغبة في التمايز الاجتماعي، والمكانة الاجتماعية، في كل مرحلة تاريخية.
لم تكن القاهرة والإسكندرية قاصرتين فقط على الأحياء الحديثة، والأنماط المعمارية المستعارة من التقاليد والطرز المعمارية الأوروبية -الإيطالية والفرنسية والبريطانية- بل كانت هناك أحياء شعبية يسكنها "أبناء البلد"، من الطبقات الشعبية العمالية، وصغار الموظفين، والبروليتاريا الرثة. مع الانفجار السكاني المتتالي، تمددت