كيف نشأت دولة الإنجازات؟

الإدارة الثقافية في مصر بعد ثورة يوليو

كيف نشأت دولة الإنجازات؟

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

كيف تبنى صورة الدولة في الوعي العام: بالوقائع أم بالصور والدعاية؟ ولماذا غابت الهزيمة عن سردية الإنجاز؟ ومن يصنع "الدولة": القادة أم الموظفون؟ وكيف تتحول الإنجازات إلى خطاب مهيمن؟

في مقدمة الأطلس الإحصائي للجمهورية العربية المتحدة المنشور في يوليو عام ١٩٦٧، يقدم اللواء جمال عسكر مدير الهيئة العامة للتعبئة والإحصاء أبرز أعمال الدولة المصرية خلال السنة الجارية باستخدام الحقائق والأرقام التي تنتجها الهيئة، ويفترض أن تعكس تطور البلاد في مجالات الصناعة والزراعة والتجارة والمواصلات والتعليم والسياحة والثقافة، وشتى القطاعات الرسمية للدولة. لفتا انتباهي شيئان في مقدمة اللواء عسكر: أولاً، لم يذكر بتاتًا الهزيمة الأليمة التي تلقتها مصر على يد العدوان الصهيوني في الأسابيع القليلة قبل نشر الأطلس، مما أثر بلا شك على

قدرات تميز هذا الأطلس دونًا عن منشورات هيئة الإحصاء الأخرى برسوم في غاية الإتقان على كل صفحة منه، تعبر كل واحدة منها عن مجال ما من عمل الدولة. في أول الكتاب، تصور هذه الترويسة جميع إنجازات الدولة في سنة ١٩٦٧، باستخدام رموز بصرية منتشرة في العهد الناصري. نرى طيارة حربية تعبر عن الجيش والصناعات الحربية، وهرم سقارة يعبر عن السياحة والآثار، وتحتهم مأذنة تعبر عن أهمية الأوقاف للدولة، وكتاب يعبر عن دور التعليم والثقافة، وقطارًا وسفينة يعبران عن دور المواصلات، وماكينات زراعية وصناعية تعبر عن التطور الصناعي،

لإعادة تشكيل الدولة الملكية القديمة في صورة دولة جمهورية حديثة، اعتمد المسؤولون والموظفون على خطاب وممارسات تتمحور حول فكرة "الإنجاز"

والكثير من التفاصيل الأخرى التي تعبر عن دور الدولة رمزيًّا. 
المهم أن هذه الصورة الشاملة للدولة بوصفها مجمل إنجازاتها هي التعبير البصري الخالص عن تصور المسؤولين والموظفين عن فكرة "دولة يوليو" في العهد الناصري، وهي نتاج آيديولوچيا معينة عن دور الدولة في المجتمع، ودور الثقافة والإعلام في تشكيل صورة ما عن الدولة. باختصار، تقول لنا الدولة إنها تنجز لنا كل هذه الأشياء بشكل سريع وتصاعدي وتراكمي ومكتف بذاته، بغض النظر عن رغباتنا السياسية والاقتصادية، وعن الصراعات الداخلية بين مؤسسات الدولة وبعضها.

الدولة وأعمالها؛ وثانيًا، لم يعلق على الترويسة الصغيرة المصاحبة لمقدمته، وتعكس كذلك صورة شاملة ومهندمة عن أعمال الدولة. 
يطرح كتاب "دولة الإنجازات" هذا التصور النظري عن دولة يوليو من خلال دراسة تاريخية للمؤسسات الثقافية والإعلامية الرسمية بعد ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، بالتركيز على فترة صعود جمال عبد الناصر للحكم سنة ١٩٥٤ حتى وفاته سنة ١٩٧٠، كما يشير إلى بعض تداعيات العصر الناصري في فترة السادات ومبارك وبعد ثورة ٢٥ يناير. يقع تركيز النص على مؤسستين داخل وزارة الثقافة والإرشاد القومي،

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

تحت شمس أو ربما ترس، تتراص تفاصيل ما تقدمه الدولة على غلاف الأطلس الإحصائي لمجمل "إنجازات" عام ١٩٦٧ 

وهما مصلحة الاستعلامات - صارت الهيئة العامة للاستعلامات بعد عام ١٩٦٧- ومؤسسة الثقافة الجماهيرية -صارت الهيئة العامة لقصور الثقافة بعد عام ١٩٨٩.
لا يسرد الكتاب قصة هذه المؤسسات بشكل خطي وموحد، بل يطرح تصورًا نظريًّا أساسيًّا، وهي أن المؤسسات الثقافية والإعلامية نجحت في تكوين فكرة موحدة عن "الدولة" بعد ثورة يوليو بوصفها ماكينة للإنجازات. 
في إطار إعادة تشكيل الدولة الملكية القديمة في صورة دولة جمهورية حديثة، اعتمد المسؤولون والموظفون على خطاب وممارسات تتمحور حول فكرة

"الإنجاز" لتوحيد هذا الكيان الجديد، بمعنى أفعال حكومية سريعة وتصاعدية وتراكمية ومكتفية بذاتها كي تثبت تأثير الحكومة الإيجابي على الواقع المصري. في هذا الإطار، لم يكن تأثير الإنجاز الواقعي مهمًا، بل الأهم هو تسجيل ونشر الإنجاز في صورة دعائية.
لا يتناول الكتاب إذن مفهوم الإنجازات بالشكل السطحي المنتشر في الإعلام الرسمي، كمجموع من الأشياء المبهرة التي حققتها الحكومة "عشان خاطر الناس"، وإنما يتناول هذا المفهوم بشكل نقدي، بمعنى أنه يسائل متى أصبح مفهوم "الإنجازات" منتشرًا في الدعاية الرسمية، وكيف تجلى على جميع

اقرأ أيضاً

كيف تفكر بيوت السلطة العربية؟

كيف تفكر بيوت السلطة العربية؟

العودة إلى سرديات الحرب الدينية

العودة إلى سرديات الحرب الدينية

الحكام السريون للعالم

الحكام السريون للعالم

كارلو جينسبرج: تأملات في رابطة العار

كارلو جينسبرج: تأملات في رابطة العار

الحرب في مجتمعات هشة

الحرب في مجتمعات هشة

الهاني رمزية ..حل للفكاك

الهاني رمزية ..حل للفكاك