في مشهد سيطرت فيه الثقافة الرقمية وهيمنت سلطة الصور على كل شيء حتى السياسة، نحاول معرفة أصول أزمة الأحزاب الليبرالية العربية، خاصة بعد تفشي الأفكار السائلة على السياسة.
الأحزاب السياسية المعارضة، والسلطوية العربية في غالبها تبدو وكأنها في حالة من العطالة السياسية. لم تعد لديها ما تقدمه سوى نشر البيانات السياسية بين الحين والآخر على الفضاء الافتراضي، أو بعض من التظاهرات المسموح بها أمنيًّا في تونس والمغرب، وبعض الوقفات الاحتجاجية الرمزية في بعض المدن كبيروت وغيرها، في مشاهد تدفع بين الحين والآخر إلى التساؤل عن سر هذا التراجع المستمر للأحزاب في المجال العام. ولامبالاة بعض الأجيال الشابة بها وبأفكارها السياسية.
المشكلات ليست جديدة، وبعضها السلطوية الحاكمة والمعارضات
السياسية العربية -أيًّا كانت آيديولوچياتها الأرثوذكسية وسراطاتها ومعاييرها المستقيمة- قديمة ومتراكمة تاريخيًّا وبعضها جديدة. وهي ترجع في بعض هذه الأحزاب شبه الليبرالية، والجماعات الإسلامية الأصولية السياسية إلى مرحلة الاحتلال الاستعماري الأوروبي، وامتد بعضها إلى ما بعد الاستقلال، وتجلت أزماتها آنذاك بسمت بنيوي في أنسجة خطاباتها المؤدلچة، ذات النزعة الشعاراتية، وفي بنائها التنظيمي الداخلي -باستثناء تنظيم الإخوان المسلمين وبعض الأحزاب الشيوعية، واستراتيجيات التجنيد داخلها، وضوابطه الصارمة- كما تجلت
الأزمة الاتصالية للأحزاب مع الفئات الاجتماعية الشعبية العريضة، إذ سيطرت آنذاك اللغة السياسية والدينية الخشبية، التي تستخدمها بعض الأحزاب شبه الليبرالية في خطاباتها العامة السائلة، باستثناء مطالبها بالاستقلال، أو نقد الإسلاميين للتغريب في عمومياته وشعاراته. وذلك في ظل غياب دراسات للواقع الموضوعي، والتحولات الاجتماعية والثقافية قبل وبعد الاستقلال. بعض الأحزاب السياسية شبه الليبرالية تمددت قاعديًّا نسبيًّا في أثناء الاحتلال، مثل حزب الوفد المصري نظرًا إلى تنامي الشعور الوطني وفوائضه الجمعية، وتشكل القومية
المصرية، والمطالب الجماعية بالاستقلال، والحكم الدستوري والقيم السياسية الليبرالية في عمومياتها، وبعضها اكتسب حضوره من الشعور الجمعي الجارف ضد الاستعمار، دونما تركيز على البنى الآيديولوچية والتنظيمية، ودوران قواعد هذه الأحزاب حول قائدها أو بعض قياداتها.
كان مفهوم الاستقلال الوطني والسيادة هو الطاغي في لغة الخطاب الحزبي شبه الليبرالي، بينما مفهوم الحرية عام وغائم في طروحاتها، ولم تكن مسألة العدالة الاجتماعية حاضرة إلا على نحو ثانوي، ولدى بعض النخبة، كما ظهرت في حوارات جمعية الغد في مصر، ومن
بعض النواب في البرلمان وأولهم محمد خطاب عضو مجلس الشيوخ، وثانيهم إبراهيم شكري عضو مجلس النواب، وثالثهم د. أحمد حسين وزير الشؤون الاجتماعية في وزارة الوفد الأخيرة، ومثقفين مثل ميريت غالي، ومحمد زكي عبد القادر وآخرين، ولم تجد صدي واسعًا.
كان الفكر شبه الليبرالي مطروحًا في عمومياته السائلة، وغير متواشج ومتداخل مع أصوله الفلسفية وتطوراتها في ظل التطورات في بنية الرأسمالية الغربية، وأنظمتها السياسية. كان الاستثناء المصري مثلاً متمثلاً في بعض شخصيات سياسية مثقفة في حزب
الأحرار الدستوريين، وبعض الوفديين، والأهم في إطار الجماعة القانونية -من القضاة وأساتذة القانون وبعض المحامين- وذلك لأن الجماعة القانونية كانت تتلقى دراساتها في مدرسة الحقوق الفرنسية ثم كلية الحقوق، وحركة البعثات إلى فرنسا.
وقد تراجعت أدوار هذه الأحزاب شبه الليبرالية بعد الاستقلال لعديد الأسباب البنيوية، لأن ثمة جذور في بنياتها التكوينية لهذه الأزمات. ومن ثم يمكننا إبداء بعض الملاحظات على الأحزاب شبه الليبرالية لا سيما مصريًّا فيما يلي: الأحزاب شبه الليبرالية بين أزمة الفكر والميوعة الاجتماعية في تركيبة قواعدها.
فقد واجهت الأحزاب السياسية المعارضة منذ الاستقلال، ولا تزال، مشكلات معقدة، بعضها هيكلي في بنائها التنظيمي وعلاقاتها الهيراركية، وأخرى مرتبطة بطبيعة النظم السلطوية الشعبوية، ومحاصرة ومطاردة المعارضات أمنيًّا، وقانونيا في ظل ظاهرة موت السياسة عربيًّا، وأزمات نظم الشرعية السياسية، ونفي التعددية السياسية، والآيديولوچية لصالح الأحزاب السلطوية الواحدية، ذات الأدوار التعبوية، وتأميم الصراعات الاجتماعية لصالح مفهوم تحالف القوى والطبقات الاجتماعية –المستمد من التقاليد السالزارية في البرتغال،