كواليس المونديال مسرح تتقاطع فيه الهويات والاقتصاد والمشاعر الجمعية، وتتصارع خطابات الحركة والاجتماع، وتتحول المواهب إلى رأسمال في سوق عالمية كبرى، أما المدرجات فتتحول إلى مرآة لوجوه العالم المتناقضة.
تبدو مباريات كأس العالم كفضاءات للحرية متعددة الأبعاد، إذ تعبر الشعوب الفقيرة والمتوسطة عن أصواتها التي تبدو بعضها خرساء في عالم مفتوح، لكن عبر بواباته النيوليبرالية، ومراكز القوى عند قمة النظام الرأسمالي الرقمي النيوليبرالي، الممتدة حتى شبكات اللعبة والفرق والمراهنات وشركات إنتاج الملابس وأدوات التدريب والإعلانات واللاعبين، والمدربين وإنتاج السلع الرياضية وتحويلها إلى سلع في الأسواق الرياضية الكونية.
تبدو الفرق القادمة من الجنوب، وكأنها تحاول التحرر من نسيان العالم الأكثر تقدمًا في الشمال. ويحاول بعض اللاعبين
إبراز مواهبهم وكفاءاتهم في سياق المنافسات للظهور والشراء للانضمام للفرق الأوروبية الكبرى. ويمكن إيجاز بعض الملاحظات السوسيو-نفسية والمشهدية للمباريات حتى دور الثمانية فيما يلي:
1- الكرة الساحرة، كطقس مشهدي، وفضاء للحرية للجمهور وتعبير الجموع الغفيرة عن مشاعرهم في الملاعب، ووراء شاشات التليفزيون، والألواح الرقمية، والهواتف المحمولة، بالهتافات الصاخبة والتشجيع، والرقص والموسيقى، في أداءات وعفوية رهينة زمن المباراة حينًا، ومسرحية ومنظمة أحيانًا؛ فقد تطور تشجيع الفرق القومية في
المسابقات الإقليمية والقارية والكونية من العفوية إلى التنظيم، وجماعات الألتراس في بعض الفرق في عديد بلدان العالم.
2- حالة كرنڤالية كونية، من أعلام الدول والفرق والأناشيد والرقصات القومية والعلامات والرموز الجامعة للطبقات والفئات الاجتماعية، في لحظة تعبير هوياتية جامعة، تتجاوز تصدع وانهيار السرديات الكبرى وتقلصات ما بعدها، والحروب الهوياتية القاتلة -بتعبير أمين معلوف- خصوصًا في المجتمعات الانقسامية، فتبدو وكأنها محاولة لتماسك هوياتي لحظي
وجماعي، في ظل تفككات طالت حتى
الروابط الاجتماعية -كالأسرة والصداقة في الدول الأكثر تقدمًا في شمال العالم- وهي لحظات تحاول خلالها جماهير كل دولة وفريق قومي مشارك تناسي الفجوات الطبقية، ومشكلات الحياة اليومية وهمومها.
3- يبدو الطقس الكروي الكوني، مجالاً لتفريغ الغضب الاجتماعي، والمعاناة من هموم وضغوط تفاصيل الحياة اليومية في عديد بلدان دول الجنوب، بل في مواجهة حالة البطالة كما في حال بريطانيا في بعض المراحل في عقود نهاية القرن الماضي من خلال طقس التشجيع، وتناول المسكرات، بل والعنف في الملاعب بعض الجمهور يبدو عنصريًّا
كما لدي بعض الأرچنتينيين تجاه
الأفارقة والمصريين -بعد فوزهم على الفريق المصري في دور الـ ١٦- وغير الأوروبيين، مثلهم مثل بعض المتطرفين من اليمين الأوروبي، مثلما في خطاب السياسية الباراجوانية -عضوة مجلس الشيوخ الباراجوانية السيدة سيليست أماريا- حين تحدثت بعنصرية عن المهاجم الفرنسي كيليان مبابي، ووصفته في تغريدة على موقع إكس X بأنه: "كاميروني نتاج الاستعمار، يحاول يأسًا التظاهر بأنه فرنسي، ناقم، حديث الثراء، قبيح… وكان متوترًا ومرعوبًا طوال المباراة، تمامًا مثل فريقه بأكمله، لم يتمكنوا حتى من تسجيل
هدف واحد، وفازوا بضربة حظ!". وفي تغريدة على الموقع نفسه رد كيليان مبابي"السيدة سيليست أماريا، أنتِ امرأة حقيرة وغير جديرة بمنصبك. أنت لا تمثلين الباراجواي، البلد الذي أظهر شغفًا وشرفا طوال البطولة... بسبب تهورك وعنصريتك الصارخة نسي العالم بأسره المسيرة والجهد التاريخي الذي بذله لاعبوك خلال هذه البطولة، ولم يتبق سوى امرأة غير كفؤه تسئ إلي سمعة بلدها… لن أسمح أبدًا لأمثالك بنشر كراهيتهم وعنصريتهم في جميع أنحاء العالم". كذلك عبرت ماريا فيراري وزيرة الرياضة الفرنسية عن استيائها الشديد من تصريحات أماريا ووصفتها
بأنها "عنصرية وبغيضة". (سكاي نيوز عربية دوت كوم في ٧/٧/٢٠٢٦).
لا شك أن هذه التصريحات العنصرية من النائبة البرلمانية في الباراجواي ليست سوى بعض من نزعة عنصرية عرقية تجاه التعدديات العرقية والحضور الأفريقي الأسود والعربي في تشكيل بعض المنتخبات القومية الأوروبية وفي أمريكا الشمالية، وتداخل السياسة في الطقس الكروي الكوني، ما يشير إلى تراجع مستويات غالب سياسيي ما بعد الحرب الباردة، من حيث مستويات خطاباتهم السياسية وغلبة السمت اليميني على توجهاتهم، والعنصرية العرقية لدى بعضهم، والمثير