ولدت كرة القدم الحديثة في المصانع والمدارس والأحياء الإنجليزية، وتجاوزت حدودها لتصبح الرياضة الأكثر جماهيرية، فلم تعد مجرد منافسة على الفوز والخسارة، بقدر ما هي ظاهرة اجتماعية تعكس تحولات العالم نفسه.
مع انطلاق كأس العالم ٢٠٢٦ في الولايات المتحدة، يبرز إلى الواجهة مشهد سياسي معقد يتجاوز حدود الملاعب الخضراء. تعيدنا التضييقيات، ومحاولات تطويع هذا الحدث العالمي لخدمة أچندات قومية وقرارات سيادية (سياسات الحدود والهجرة)، بقوة إلى المربع والنقاش الأول: هل الرياضة حقًا مساحة محايدة وموحدة للشعوب؟ أم أنها مجرد أداة في يد الأنظمة السياسية ورأس المال لإعادة إنتاج التفاوت وتقسيم العالم؟
عندما نعود للتاريخ لفهم الجذور الحقيقية للمؤسسة الرياضية الحديثة، نجد أنفسنا أمام مشهد بالغ التعقيد
يبتعد كثيرًا عن الرومانسية التي تُسوَّق لنا اليوم. وهي شعارات رفعت بعدم جواز الخلط بين الرياضة والسياسة. كانت أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر تعيش على إيقاع تحولات صناعية وسياسية عنيفة، وفي هذا السياق المضطرب، ظهر نجل الأرستقراطية الباريسية بيير دي كوبرتان ليطرح فكرة إحياء الألعاب الأوليمبية.
لم تكن هذه المبادرة مجرد حنين بريء إلى أمجاد اليونان القديمة، ولا محاولة رومانسية لاستعادة تماثيل أثينا وأسبرطة، بل كانت مشروعًا آيديولوچيًّا وهندسيًّا بامتياز يهدف إلى إعادة تشكيل المجتمعات الأوروبية.
كان دي كوبرتان يرى في الرياضة أداة حيوية لإنقاذ الشباب من حالة الترهل التي أصابتهم، لكن نظره كان موجهًا بالأساس نحو النخب البرچوازية التي يجب إعدادها بدنيًّا ونفسيًّا لقيادة المستقبل وإدارة الصراعات العالمية القادمة. ولفهم هذا التوجه، ينبغي أن نتتبع الخطوات الفكرية لكوبرتان التي قادته إلى عبور القناة الإنجليزية ودراسة النموذج التربوي في بريطانيا، وتحديدًا إعجابه الشديد بتجربة المدارس العامة/ الداخلية الإنجليزية التي أرساها المربي توماس أرنولد، ففي تلك المدارس المخصصة لأبناء الطبقة الثرية، لم تكن الرياضة مجرد نشاط
ترفيهي لتمضية الوقت، بل تقنية صارمة لبناء الشخصية القيادية، وغرس الانضباط، وتعزيز روح الولاء والطاعة.
أدرك كوبرتان أن الإمبراطورية البريطانية لم تُبن فقط في أروقة السياسة والمصانع، بل تشكلت وتصلبت في ملاعب الرجبي وكرة القدم داخل تلك المدارس. كان الهدف الاستراتيچي هو خلق جيل من القادة الأقوياء، وتجهيز أطفال البرچوازية الأوروبية لخوض النضال الدولي من أجل البقاء والهيمنة، في عالم تتسابق فيه القوى الاستعمارية نحو التوسع. ورغم أن الخطاب المعلن الذي رافق تأسيس الحركة الأولمبية كان مغلفًا بشعارات طوباوية براقة تتحدث
بيير دي كوبرتان صاحب فكرة إحياء الألعاب الأوليمبية بهدف إعادة تشكيل المجتمعات الأوروبية
عن الأممية كحائط صد منيع ضد الشوفينية القومية والحروب المدمرة، وعن الرياضة كجسر للاندماج الاجتماعي والسلام العالمي، إلا أن مأسسة الرياضة على أرض الواقع كانت تؤدي وظائف اقتصادية وسياسية براجماتية جدًا. ففي ذروة الثورة الصناعية، أدركت الأنظمة الحاكمة وأرباب العمل أن استمرارية عجلة الإنتاج تتطلب هندسة جسدية جديدة.
كانت هناك حاجة ماسة لإنتاج طبقة عاملة تتمتع بصحة جيدة ولياقة بدنية تمكنها من تحمل ساعات العمل الطويلة والقاسية داخل المصانع
الخانقة.
وبدلاً من ترك العمال فريسة للإنهاك أو للأفكار الراديكالية والتمرد السياسي في أوقات فراغهم القليلة، استخدمت الرياضة كصمام أمان لتفريغ الشحنات الغاضبة، ووسيلة فعالة لتحقيق الاستقرار الاجتماعي وترويض الجسد العامل ليصبح أكثر إنتاجية وأقل تمردًا. في مهدها الأول، كانت ممارسة الرياضة المنظمة حكرًا على فئة محددة جدًا، إذ تشكلت الأندية الأولى ككيانات مغلقة ومحصورة في دوائر النخبة. ما كان يوصف حينها بالروح الديموقراطية داخل هذه الأندية لم يكن في الحقيقة سوى مساواة أرستقراطية محضة، أشبه بشيوعية طوباوية مصغرة يعيشها
مجتمع من الأقران الذين ينتمون إلى نفس الطبقة الاجتماعية.
كان هؤلاء الأثرياء يمتلكون الميزتين الأكثر ندرة في ذلك العصر الصناعي الكثيف، وهما المساحات الخضراء الواسعة ووقت الفراغ الفائض. وفي داخل أسوار هذه الأندية، كان الأعضاء يتنافسون بندية وتآخٍ، متوهمين أنهم يمارسون سلوكًا مساواتيًّا، متجاهلين تمامًا أن مجرد قدرتهم على الوجود في ذلك الملعب هي امتياز طبقي صارخ يقصي الغالبية الساحقة من المجتمع التي تكدح من أجل لقمة العيش. ولكن مع مرور الوقت وتوسع المد الحضري، لم يعد بالإمكان حصر الرياضة خلف