مَّن يملك الشارع؟

الصراع على الفضاء العام في القاهرة1

مَّن يملك الشارع؟

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

من يملك المدينة حقًا؟ سؤال نبدأ به البحث في الصراع حول الفضاء العام في القاهرة.وموقع الهوية والذاكرة، من مساحات يبحث فيها المواطن عن الأمان وتبحث فيها الدولة ورأس المال عن أشياء أخرى.

في القاهرة حيث يتزاحم الناس والسيارات والمحلات والإعلانات في مشهد يومي لا يهدأ، يدور صراع صامت لكنه عميق الأثر على هوية المدينة ومستقبلها. لا يدور الصراع حول قطعة أرض أو مبنى بعينه، بل حول من يملك حق تحديد معنى الشارع نفسه، ومن له سلطة القرار في تشكيل الفضاء الذي يعيش فيه ملايين البشر يوميًّا ويتنفسون من خلاله، ويبنون عبره علاقاتهم الاجتماعية وهويتهم الثقافية وإحساسهم بالانتماء إلى مكان بعينه. 
لم يعد الفضاء العام في القاهرة مجرد مساحة فيزيائية محايدة، بل تحول إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح متعددة

ومتضاربة تتوزع بين سلطة الدولة التي تمتلك أدوات التخطيط والتشريع ورأس المال الخاص الذي يسعى إلى تعظيم العائد الاستثماري من كل متر مربع متاح، والمواطن العادي الذي يجد نفسه الطرف الأضعف في هذه المعادلة رغم أنه المستخدم الأول والأخير لهذا الفضاء. من يرسم ملامح القاهرة؟
تمارس الدولة سيطرتها على الفضاء العام في القاهرة بمنظومة متكاملة من الأدوات القانونية والإدارية، تبدأ باللوائح التنظيمية التي تحدد ما يجوز وما لا يجوز من أنشطة في الشارع، وتمر عبر سلطة محافظة القاهرة وأجهزة الإدارة المحلية في إصدار التراخيص

يشهد الفضاء العام في القاهرة موجة متصاعدة من الخصخصة وتدفق رأس المال الخاص نحو كل بقعة مفتوحة يمكن تحويلها إلى مصدر ربح

ومنحها أو سحبها، وتنتهي عند مشروعات إعادة التخطيط الحضري
الكبرى التي تعيد رسم ملامح المدينة بالكامل دون أن يكون للمواطن العادي صوت حقيقي في تحديد ملامح المكان الذي يعيش فيه، وقد بات واضحًا في السنوات الأخيرة أن أولوية الدولة التخطيطية تنحاز باطراد إلى منطق جذب الاستثمار والمظهر الحضاري الموجه بالأساس للمستثمر الأجنبي والسائح، أكثر من انحيازها إلى احتياجات الساكن المحلي اليومية، ما يتجلى بوضوح في مشروعات الواجهات النيلية والميادين الكبرى التي أعيد تصميمها لتبدو لائقة في الصور أكثر من

كونها صالحة للعيش والحركة اليومية الفعلية للناس. 
بموازاة سيطرة الدولة على القرار التخطيطي، يشهد الفضاء العام في القاهرة موجة متصاعدة من الخصخصة وتدفق رأس المال الخاص نحو كل بقعة مفتوحة يمكن تحويلها إلى مصدر ربح، وقد طال هذا التحول مناطق عريقة ذات قيمة تاريخية ومعمارية كبيرة، فتحولت شوارع كاملة كانت تنبض بالحياة إلى مساحات خاضعة لإدارة شركات خاصة تفرض شروطها الخاصة على من يدخلها وما يمكن أن يمارسه فيها من أنشطة، وغالبًا ما يصاحب هذا التحول هدم منهجي أو إهمال متعمد

للمباني الأثرية والتراثية التي تحمل ذاكرة المدينة وطبقاتها التاريخية المتراكمة عبر قرون، لتحل محلها واجهات حديثة لامعة تخدم منطقًا استثماريًّا سياحيًّا صرفًا، لا يأبه بالقيمة الرمزية والوجدانية التي يحملها المكان لساكنيه الأصليين. وكأن المدينة تعاد كتابتها من جديد وفق سردية جديدة موجهة بالأساس لعين الزائر الخارجي لا لذاكرة المقيم الداخلي.
رئة المدينة تباع بالمتر التجاري

من أكثر مظاهر هذا التحول إيلامًا للوجدان الشعبي ما يجري من قطع منهجي للأشجار، ومحو متدرج للمساحات الخضراء الحضرية التي

تتحول المساحات من فضاء للجميع، إلى فضاء للقادرين فقط، وهو ما يكرس عمليًّا تقسيمًا طبقيًّا جديدًا للمدينة، ويجد الفقراء أنفسهم مستبعدين تدريجيًّا

كانت تشكل رئة المدينة ومتنفسها الوحيد في ظل الزحام الخانق والتلوث المتصاعد؛ إذ تحولت حدائق عامة بأكملها وأرصفة ظليلة كانت تؤوي العائلات في عصاري الجمعة وأمسيات الصيف إلى مساحات إسفلتية جرداء أو إلى محلات تجارية صغيرة تدر إيرادًا فوريًّا على الجهة المسؤولة. وكأن قيمة الشجرة لم تعد تقاس بظلها وهوائها النقي وأثرها على الصحة النفسية للسكان، بل بمقدار ما يمكن أن يدره موقعها من عائد مادي مباشر إذا ما أزيلت وحل محلها كشك أو محل أو موقف سيارات. وهذا التحول وإن بدا في ظاهره تفصيلاً عمرانيًّا بسيطًا،

فإنه يحمل في جوهره إعادة تعريف كاملة لمعنى الفضاء العام، من كونه حقَّا جماعيًّا مجانيًّا للجميع، إلى كونه أصلاً اقتصاديًّا قابلاً للاستثمار والتسييل. حين يصبح الدخول امتيازًا لاحقًا أصبحت المراكز التجارية الضخمة، بما تحمله من بريق وتكييف هواء ونظافة ظاهرية، بديلاً متناميًا عن الساحات والميادين المفتوحة في مخيلة شريحة واسعة من سكان القاهرة، إذ يلجأ إليها الناس هربًا من حرارة الشارع وضوضائه وفوضاه الظاهرية. لكن هذا البديل، رغم جاذبيته العملية، ليس فضاءً عامًا حقيقيًّا بأي معنى من المعاني، بل مساحة خاصة بامتياز تخضع لقواعد

اقرأ أيضاً

سحر الكرة يتحدى المخاوف

سحر الكرة يتحدى المخاوف

كرة القدم: الطقس الكوني الأخير

كرة القدم: الطقس الكوني الأخير

التبشير الأيديولوجي في زمن التريند

التبشير الأيديولوجي في زمن التريند

نخنوخ: مدير العالم السفلي

نخنوخ: مدير العالم السفلي

بريق الغول

بريق الغول

ليبرالية عربية في عصر هيمنة الصور

ليبرالية عربية في عصر هيمنة الصور