جولة في الملاعب المخطوفة

حين تلتهم الرأسمالية متعة الفقراء

جولة في الملاعب المخطوفة

  • أسبوعي
  • ملفات
  • كتابة

متى تحول الملعب من بيت للجماهير إلى مشروع استثماري؟ ومن يملك مصير المكان: مشجع خلق ذاكرته أم مستثمر يريد الربح؟ وهل ما يحدث في الملاعب اليوم عملية منظمة لانتزاع الفقراء من آخر مساحاتهم؟

في أحد ألبومات عودته الفنية المتعددة، غنى فرانك سيناترا بصوت يملؤه الحنين والأسى أغنية كتبها چو رابوسو بعنوان "كان هناك ملعب" There used to be a ballpark here. كانت الأغنية تكريمًا مؤثرًا لفريق البيسبول القديم بروكلين دودچرز ولملعبهم التاريخي إبيتس فيلد في بروكلين بنيويورك. استحضرت الأغنية، في نبراتها الدافئة، أصوات الجماهير، وروائح العشب، وصخب أيام الصيف المشمسة في هذا المعلم الرياضي.
لكن هذا الوجود الحميمي انتهى فجأة عام ١٩٥٨، عندما قرر مالك الفريق نقل النادي إلى الطرف الآخر من الولايات

المتحدة، ليصبح اسمه لوس أنچلوس دودچرز بحثًا عن المزيد من الأرباح المادية، وبعد عامين فقط هدم ملعب إبيتس فيلد وتحول إلى ركام.
تكشف قصة سيناترا والمسار المأساوي لملعب بروكلين كيف نخلق، كبشر، روابط عاطفية وثقافية وشعبية عميقة مع المناظر الطبيعية والمساحات الترفيهية، وفي المقابل، تؤكد القصة ذاتها كيف تحولت الملاعب في المجتمعات الرأسمالية إلى كيانات تجارية بحتة، تملك فيها القوة المالية سلطة سحق المشاعر وتهجير المجتمعات المحلية. 
من هذه الحادثة، ينفتح الباب واسعًا لقراءة الصراع المرير بين تغول رأس المال

مع تغول النيوليبرالية أدركت الرأسمالية أن الملعب بشكله التقليدي لم يعد يدر الأرباح، فخضع الفضاء الرياضي لعملية إعادة هندسة جذرية

الذي يعيد هندسة الملاعب لتلائم المستهلك، وبين هوية المشجعين الذين يستميتون للدفاع عن مساحاتهم المقدسة، وهو صراع تتجلى أبعاده بوضوح في تحولات العمارة الرياضية، ويبلغ ذروته في حناجر الجماهير في المنطقة العربية التي حولت المدرجات إلى معاقل أخيرة للمقاومة وإثبات الذات. 
عمارة الاغتراب: ملاعب فقدت دفئها
لم تكن التحولات التي طرأت على هندسة الملاعب الرياضية مجرد تطور عمراني بريء، بل كانت انعكاسًا دقيقًا لتغير موازين القوى الاقتصادية والسياسية.

في فترة الحداثة، تزامنًا مع انتشار كرة القدم في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حين اعتمدت الدول على المدرسة البنائية في تشييد ملاعبها. تميزت تلك الحقبة بالتصميم العقلاني الصارم، والتنميط، والاستخدام المكثف للحديد والإسمنت، وكانت الغاية الأساسية هي استعراض قوة الدولة القومية وقدرتها على التنظيم والحشد الشامل.
مع تغول النيوليبرالية ودخول الرياضة عصر ما بعد الحداثة، أدركت الرأسمالية أن الملعب بشكله التقليدي لم يعد يدر الأرباح الكافية. وهنا، خضع الفضاء الرياضي لعملية إعادة هندسة جذرية

ملعب إبيتس فيلد الذي لم يعد موجودًا، وتذكرنا صورته بقدرة رأس المال على هدم الذاكرة

ملعب إبيتس فيلد الذي لم يعد موجودًا، وتذكرنا صورته بقدرة رأس المال على هدم الذاكرة

استهدفت تحويله من فضاء شعبي للتجمع إلى مسرح استهلاكي عملاق. لم يعد التصميم الهندسي يهتم بتوفير مساحات واسعة لوقوف الجماهير الشغوفة، بل توجه نحو خلق فضاءات أخرى بتعبير الفيلسوف ميشيل فوكو، أو هيتيروتوبيا Heterotopia تعزل المشجع عن واقعه وتدخله في تجربة حسية باذخة.
 أفرزت هذه الرأسمالية الاستعراضية ملاعب مغلفة بواجهات زجاجية مبهرة، ومحاطة بمراكز التسوق، ومزودة بمقصورات كبار الشخصيات التي تكرس الفرز الطبقي. لقد مارست المؤسسات
المالية ما يمكن تسميته بالتسكين المفرط

للمكان، إذ سعت إلى طرد المشجع التقليدي المليء بالصخب والعاطفة، واستبداله بمستهلك هادئ يشتري التذاكر المرتفعة الثمن، ويقتني البضائع، ويستهلك المشهد بصمت.
هذا التحول المعماري الذي مُوِّل غالبا من جيوب دافعي الضرائب لبناء صروح رياضية لشركات خاصة، خلق حالة من الاغتراب العميق؛ فالمكان الذي طالما مثَّل بيتًا للجماهير، بات الآن كيانًا تجاريًّا باردًا يلفظ أبناءه الأصليين. 
المدرجات ملاذًا أخيرًا للمقاومة

في مواجهة هذا الزحف الرأسمالي الذي يسعى لمحو ذاكرة المكان، تبرز قوة مضادة تستمد صلابتها من مفهوم

سوسيولوچي أصيل هو عشق المكان؛ أو التوبوفيليا Topophilia كما صاغه
الجغرافي يي-فو توان وطوره چون بيل. بالنسبة للمشجعين، الملعب ليس مجرد هيكل وظيفي، هو فضاء مقدس، وموطن دافئ، ومصدر للفخر المحلي. الجماهير تمنح الملعب روحه من خلال الزنجار، وهو تلك البصمات التاريخية التي يتركونها عبر الأجيال، من مقاعد بالية إلى جداريات تعج بالرسائل. 
وعندما ضيقت الرأسمالية الخناق على الجماهير، وسعت الأنظمة الرسمية إلى تدجين الفضاء العام، حدث تحول استراتيچي في سلوك المشجعين، وتحديدًا في المنطقة المعروفة بالمنحنى أو الفيراچ

اقرأ أيضاً

ما تفرقه السياسة تجمعه الكرة

ما تفرقه السياسة تجمعه الكرة

الذكورية الكروية والحضور الأنثوي

الذكورية الكروية والحضور الأنثوي

جغرافيا المشاعر في المونديال

جغرافيا المشاعر في المونديال

تسعون دقيقة خارج النظام العالمي

تسعون دقيقة خارج النظام العالمي

سحر الكرة يتحدى المخاوف

سحر الكرة يتحدى المخاوف

مَّن يملك الشارع؟

مَّن يملك الشارع؟