نخنوخ: مدير العالم السفلي

ماذا يخبرنا "المعلم" عن مدينتنا (1من2)

نخنوخ: مدير العالم السفلي

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

وسط أخبار القبض على صبري نخنوخ لا بد أن نعرف أن القصة لم تبدأ الآن، وأن نعود إلى أصلها بين طوفان الحكايات الخرافية لنرى كيف تشكلت صورته في العالم السفلي بالمال والسلاح والأساطير

"أنا رئيس جمهورية"...
قالها صبري نخنوخ في التحقيقات، وكان يعنيها. هو ابن عصر تقسيم الدولة إلى جمهوريات أو إقطاعيات. كل جمهورية يديرها "كبير" موثوق به... تترك له السلطة والثروة والسلاح ليسيطر على "جمهوريته" ويضمن الولاء للريس الكبير… بالتأكيد كان نخنوخ سيصبح وزيرًا للداخلية أو للاستثمار؛ إذا ما عاد مبارك أو عائلته أو المافيا المولودة برعايته، فهو أمير، كما سمته الصحافة، لكنها أخطأت حينما استسهلت وحصرت إمارته في البلطجة.
لا يفصل وعي نخنوخ بين "المافيا" و"الدولة"؛ كلاهما بالنسبة له كيان

واحد يحقق الاستقرار للبلد، الكيان يتماهى مع مصر "أرض النعم" وفرصة تضخيم الثروة واقتناء القصور وملاعب المتع الفاخرة، وبناء سلطة معنوية على البشر، لا تشبه سلطة الفتوات، وليس فيها مسحة من عالم "روبن هوود" الرومانتيكي الذي تم تمصيره في أكثر من نسخة، أشهرها "علي الزيبق" و"أدهم الشرقاوي".
 المعلم صبري لا يسرق من الأغنياء ليوزع على الفقراء، بل يضع نفسه وسط الأقوياء، ببضاعة لايملكونها ويسمي ما يفعل "الجدعنة" وتسميه الصحافة والنميمة والسلطة حين تغضب "البلطجة"، وهي من زاوية ما

الإعلام جعل نخنوخ "رمزًا للبلطجة"، وبعدما تحول من صائد خفي للحكومة لصيد ثمين طبقت عليه الأدبيات الحكومية قواعدها

يمكن توصيفها بأنها محاولة لفرض قانون غير مكتوب، أو تحويل "الحماية" إلى سلعة سرية تضرب فكرة "احتكار العنف" الذي يميز الدولة الحديثة. وهذه السلعة في وعي نخنوخ تباع من أجل تثبيت الوضع القائم ما دام قائمًا، وهذا ما يحوله إلى"قوة ضاربة" في يد من يسمون "الكبار"، وهم طائفة لا يجب أن تظهر لها أياد ولا أصابع، ويحتاجون إلى مستثمر في هذا النوع من الخدمات دون مقابل مالي.
قال نخنوخ في حوار تليفزيوني بعد القبض عليه "احنا مش بلطجيه.. البلطجي بيتأجر.. واحنا مبنتأجرش احنا بنقف مع الحق".

1
الحارس الأمين

لا أعرف بالضبط ما الذي يجذبني إلى الكلام عن صبري نخنوخ. أعود إلى حكايته على فترات لأتأملها، مع أنه أكثر أبطال الحكايات قابلية للاختصار، فالإعلام جعله "رمزًا للبلطجة" في مصر، وبعدما تحول من صائد خفي للحكومة إلى صيد ثمين طبقت عليه الأدبيات الحكومية قواعدها نفسها، فنسجت أساطير وعالمًا خرافيًّا، سيصعب معه مهما كنت محترفًا في الغطس كشف الحقيقي من الخرافي.
قبل العفو الرئاسي الذي أنقذه من مصير ربع قرن في الزنازين، قال أحد

الأصدقاء في جلستنا اليومية "المشهد ينقصه نخنوخ". ربما كان يقولها على سبيل السخرية أو استدعاء حكايات مثيرة في ظل الملل الذي سيطر على انتخابات رئاسة ٢٠١٨ بعد هدم السيرك بإبعاد الفريق شفيق والفريق عنان، لكن في صباح اليوم التالي انتصبت كالوحوش الخرافية لافتة ضخمة في أحد الميادين الكبيرة تؤيد، طبعًا، الرئيس السيسي، وفي ذيل اللافتة تحيات "سعيد وصبري نخنوخ"... المعلم صبري يرسل التحيات والتماسي ويشارك في "الحدث الكبير" للجمهورية التي تركها وحيدة، ويشارك في "المشوار اللي مشيناه وها نكمله معاه". 

هو الذراع القوية التي تتحرك بخفة في الخفاء بعيدًا عن تعقيدات القانون، لتحسم الخلافات وتفرض حضور القادر على دفع تكاليفها

حتى في السجن، لم تفارق نخنوح نفسية ووعي الحارس الأمين لاستقرار الأوضاع على ما يعتبره "الطبيعي" ويعتبره الناس "ابتلاء من الله". ويلتقي نخنوخ (الحارس) والناس غالبًا في أن هذا الوضع القدري لا بد من "التعامل" معه لا مقاومته، والتعامل يعني توزيع الحصص والغنائم بما تراه السلطة عدلاً. نخنوخ يحمي البنية التحتية للسلطة؛ ستراه وتحتاجه في "موضوع شخصي" وتشعر به وربما يقتلك من أجل "مصلحة مصر" إذا خرجت عن "شفرة الحكم" المسجلة في "صناديق سوداء" محفوظة في غرف وسراديب معتمة. كان اعتقال صبري نخنوخ إحدى

علامات سقوط أو اهتزاز قبضة نظام مبارك، وانتصار الإخوان المسلمين، لهذا لم يكن اسمه غريبًا في قائمة العفو الرئاسي (مايو ٢٠١٨)، بل ربما على العكس أقرب للواقعية، فقد أعدت القائمة كلها كي لا يصدر قرار العفو لشخص واحد فقط. 
2
"وزير داخليتنا"...

نخنوخ ليس مجرد "شخص"، ولا مجرد واحد عابر يمكن استبداله بآخر يقوم بالمهمة. إنه الذراع القوية التي تتحرك بخفة في الخفاء بعيدًا عن تعقيدات القانون لتحسم الخلافات وتفرض حضور القادر على دفع تكاليفها.

اقرأ أيضاً

بريق الغول

بريق الغول

ليبرالية عربية في عصر هيمنة الصور

ليبرالية عربية في عصر هيمنة الصور

الموت البطيء للعبودية في مصر

الموت البطيء للعبودية في مصر

عماد أبو غازي يفتح أرشيف العائلة

عماد أبو غازي يفتح أرشيف العائلة

قوة وضعف العقل البيروقراطي

قوة وضعف العقل البيروقراطي

أدوات السيطرة من المصنع إلى المنصة

أدوات السيطرة من المصنع إلى المنصة