من سؤال شكيب أرسلان القديم وحتى سجالات مواقع التواصل اليوم، تستمر محاولات تفسير أسباب التقدم والتخلف، فكيف أسهمت الآيديولوچيات السلطوية والثقافة الرقمية في إنتاج وعي عاجز عن فهم أزماته التاريخية؟
لماذا تقدموا، ولماذا تخلفنا؟ لا يزال سؤال شكيب أرسلان التاريخي راهنًا ومصاحبًا لبعض من العقل العربي في توجهاته السياسية والفكرية كافة، ودالاً على أزماته البنيوية وتشكلاته، أيًّا كان حداثيًّا أو شبه حداثي، أو فقهيًّا نقليًّا، أو لاهوتيًّا. ولا يزال بعض هذه العقول العربية يعيد إنتاج إجاباته العامة والنمطية والسائلة والغائمة.
مع كل صدمات الهزائم الكبرى، لا يزال السؤال الأساسي على بساطته قائمًا ومعه إجاباته، وبعض من السرود الانطباعية المرسلة والمواقف التي تنطوي على تحيزات مسبقة، على نحو ما حدث، ولا يزال، حول انهيار المرحلة شبه الليبرالية،
وهزيمة ٥ يونيو ١٩٦٧، أو انهيار مشروع التنمية في أعقاب حرب أكتوبر ١٩٧٣، أو هشاشة بناء دولة ما بعد الاستقلال في غالب دول العالم العربي، مع الاستثناء المصري والمغربي!
لا شك أن صدمات التطورات العلمية والتكنولوچية مع الثورة الصناعية الثالثة والرابعة، كاشفة عن حالة من التكيف الدولتي والسلطوي العربي مع التخلف التاريخي المتراكم، وكبح أية محاولات للعقل النقدي الحر من أن يتناول بالبحث والتفكيك والتحليل لماذا نتكيَّف مع التخلف وعوامله وأسبابه منذ صدمة الحداثة مع مدافع نابليون، وحتى الآن؟
نعيش مرحلة السجالات السياسية السنوية حول بعض من تاريخنا المعاصر محمولة على الحدة والأحكام القيمية البسيطة واحيانا الساذجة، واللغة العنيفة، والأوصاف الاتهامية في تناول المراحل المختلفة لنظام يوليو ١٩٥٢، من الناصرية وهزيمة يونيو ١٩٦٧، وانهيار مشروع التنمية، وسنوات التحول الاشتراكي -وفقًا لتقرير علي صبري عن الخطة الخمسية الأولى والأخيرة- والتظاهرات الجماهيرية بعد استقالة جمال عبد الناصر، وإعادة بناء القوات المسلحة بقيادة الفريق أول محمد فوزي، وحرب الاستنزاف، حتى حرب أكتوبر ١٩٧٣، وما بعدها، واغتيال
السادات، حتي مرحلة الركود، واستمرارية موت السياسة، حتى انتفاضة يناير المجهضة، وصعود الإخوان والسلفيين، وما بعد!
سجالات سطحية في غالبها، ومحدودة الدراسات العلمية حول هذه التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والثقافية، وللنظام السياسي السلطوي. ومن الملاحظ أن طوفان العنف والسطحية في اللغة وإطلاق الأحكام العامة هو نتاج لتدهور مستويات التعليم والثقافة والمعرفة والوعي التاريخي، ومحاولة بعضهم صياغة هويات قومية فرعية، في مواجهة الهوية القومية المصرية الواحدة الموحدة،
وميراثها التاريخي في تطور الحركة القومية الدستورية، ونضالاتها تجاه المستعمر البريطاني، والقصر وأحزاب الأقلية، وتطورها مع دور مصر في حركة التحرر الوطني في العالم الثالث والعربي. بعضهم يوظف هوياته المتخيلة والمصطنعة في مواجهة مفهوم الانتماء العروبي لمصر، وكراهية لنظام يوليو، وروحهم التابعة للغرب والولايات المتحدة، ودعم التوجه الساداتي السياسي إزاء المسألة الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، وتسوياته المختلة مع إسرائيل.
هي سجالات سطحية، ولغو سياسي يعكس أزمات كبرى، تعبيرًا عن إحساس
ووعي شبه جمعي بأزمات طاحنة وحالة، وعجز عن مواجهة حالة التردي العام، ومن ثم يتم اللجوء إلى وقائع تاريخية، في محاولة للتعبير عن الآراء المرسلة في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي المأزوم مصريًّا وعربيًّا!
ومن الملاحظ أن مستوى النقاشات والسجالات العنيفة والسطحية الراهنة، لا يمكن قط مقارنتها بالجدل الذي ثار بين كبار المثقفين العرب بعد هزيمة الخامس من يونيو ١٩٦٧، وكان مستواها يتجاوز في العمق التحليلي ما كتبه بعض المثقفين والصحفيين المصريين آنذاك، والاستثناءات محدودة، ومرجع ذلك أنها تمت في ظل موت السياسة،
والقيود على حريات الصحافة والتعبير والبحث الأكاديمي، بينما كانت الكتابة في الصحافة ودور النشر اللبنانية مفتوحة للنقاش العام ونشر الكتب دونما قيود.
شمل الجدل العربي العام حول الهزيمة وأسبابها أجيالاً متعددة من المثقفين العرب، ومن عديد الاتجاهات الماركسية، والقوميين العرب وبعض البعثيين، والليبراليين، والاتجاه الإسلامي، وحدث تفاعل وسجال بين آرائهم جميعًا، أو مع بعضهم بعضًا، كل حسب
مقاربته لكارثة الهزيمة وأسبابها البنيوية مصريًّا وعربيًّا. وكانت الجدالات في جزء منها تعبيرًا عن هول الأزمة، وفي بعضها