مسافة طويلة قطعها العامل منذ كان أسير آلة تضبط إيقاعه، لآلة تعمل بأكواد وبيانات. والآن بعد صار العمل من البيت كيف تطورت السيطرة من خلال التقنية؟ ومن يملك تعريف الكفاءة والجدارة وحدود الاستحقاق؟
في المشهد الأشهر من فيلم الأزمنة الحديثة Modern Times، يركض شارلي شابلن خلف خط التجميع حتى تبتلعه الآلة، وتتحول يداه إلى امتداد ميكانيكي لحركة لا يملك التحكم بها وحده. الفيلم قدم تلخيصًا مكثفًا لفكرة المصنع الذي يقوم على أن التقنية (الآلة) أداة سيطرة. وهو ما تطور إلى مستوى أكثر عمقًا وسرية مما رأيناه في مشهد سينمائي. الآلة الآن تفرض إيقاعها عبر قواعد بيانات ونماذج تنبؤية وأنظمة تصنيف تراقب السلوك وتقدر المخاطر وتقرر من يستحق التحقيق أو المنفعة أو الاستبعاد. لم تعد السلطة تحتاج دائمًا إلى شرطي أو مفتش يواجه
الفرد مباشرة؛ يكفي أن يصنَّف داخل ملف خطر، وتدمج بياناته في نموذج يتنبأ بالأفعال وردود الأفعال من خلال تحليل السلوك، ثم تترجم العملية إلى قرار يمنع حقًا أو يفتح باب اشتباه أو يحجب منفعة. وهنا يتحول السؤال عن التكنولوچيا إلى سؤال عن السلطة من يملك تحديد السلوك الطبيعي والعمل الكافي والمخاطرة المقبولة، ومن يفرض هذا التعريف عبر أنظمة تبدو تقنية أكثر مما تبدو سياسية. وهذا لم يبدأ مع الذكاء الاصطناعي، بل حين دخل العمل إلى المصنع وخرج من المنزل والورشة.
تبلور نظام المصنع في بريطانيا خلال القرن ١٨، عندما تركزت الصناعة في
منشآت مرتبطة بالطاقة المائية ثم البخارية، ونُقل تحديد ساعات العمل وشروطه من الحرفي الذي يملك أدواته إلى صاحب العمل الذي يملك المكان والآلة والمواد الخام. وقد بدلت هذه النقلة معنى الزمن نفسه، وتحول الوقت من إطار ينجز فيه العمل إلى مادة قابلة للتنظيم والاستخراج والمحاسبة.
من تفكيك الحركة إلى ترقيم السكان
ما حدث في أواخر القرن ١٩ وبدايات العشرين عمق منطق المحاسبة. فقد غيرت دراسات الزمن التي أدخلها فريدريك تايلور في مصنع صلب عام ١٨٨١ شكل السيطرة التي كانت تعني
فقط إلزام العامل بالحضور والانضباط داخل المصنع، وصارت تعني إعادة تصميم العمل نفسه. فالمهمة التي كان العامل يؤديها اعتمادًا على خبرته جرى تقسيمها إلى حركات صغيرة، ثم قياسها، ثم ترتيبها في تسلسل تعده الإدارة أكثر كفاءة. وفصلت المعرفة العملية تدريجيًّا عن العامل وأُعيد تركيبها في جداول ومخططات وتعليمات. وما كان خبرة فردية متراكمة صار معرفة تمتلكها الإدارة وتعيد توزيعها من أعلى.
لقد حملت التايلورية إذن وعدًا بالكفاءة عبر إعادة ترتيب حادة لعلاقات القوة داخل العمل.
ثم جاء خط التجميع الذي أدخله هنري
عمال في خط تجميع المغناطيسات لسيارات فورد موديل T، مصنع هايلاند بارك، ١٩١٣
فورد عام ١٩١٣ ليدفع هذا المنطق إلى حافة مادية أبعد، فانخفض زمن تجميع هيكل السيارة في مصنعه من ١٢ ساعة ونصف إلى نحو ٩٣ دقيقة في منتصف ١٩١٤. أما الأثر الأعمق فيتجلى في أن وتيرة الآلة صارت المعيار الذي تضبط عليه حركة البشر، وانتقلت السيطرة من الأمر المباشر الذي يصدره مشرف العمال إلى تصميم العملية ذاتها؛ كل عامل يقف أمام جزء محدود من العمل، في مكان ثابت، وتحت إيقاع لا يحدده بنفسه. وقد قدم الخطاب الصناعي ذلك كتقدم عقلاني في التنظيم، لكن الواقع الاجتماعي قدم مزيدًا من القدرة على المقارنة والاستبدال، ومجالاً
أضيق للتفاوض على معنى الأداء وحدوده. وهذا يجعل تاريخ التكنولوچيا الحديثة مرتبطًا بتاريخ اتساع سلطة القياس. والمسألة تتعلق باتساع الأشياء القابلة للتحويل إلى وحدات حسابية أكثر مما تتعلق بتعقيد الماكينات.
في المصنع كان القياس يطال الحضور والسرعة والحركة والإنتاجية، لكن مع توسع الشركات والإدارات العامة دخلت عناصر أخرى إلى الحقل نفسه مثل السجلات والمعيار والتقييم والمؤشرات. تدريجيًّا انتقل الضبط من مراقبة العامل بجسده أمام مشرفه إلى مراقبته من خلال ما تكتبه المؤسسة عنه، بداية
من تقارير الأداء والملفات الإدارية، وحتى قواعد البيانات الرقمية التي وسعت هذه القدرة وسرعتها. وصار القرار يبنى أكثر فأكثر على هذه الصورة الإدارية، لا على ما يفعله الفرد فعلاً. وأصبح الحكم على الناس أسهل وأسرع لأن ملفاتهم وسجلاتهم باتت، أكثر حضورًا من تجربتهم الفعلية المعقدة. وهذا الانتقال من ضبط الجسد في المصنع إلى ضبطه عبر ما تكتبه المؤسسات عن الأفراد -كيف تصنفهم، وبأي معايير تقيس أداءهم، وماذا تسجل عنهم في ملفاتها- لم يحدث لأن الإدارة اكتشفت فضائل التجريد، بل لأن حاجات مادية فرضته، بعد ما أصبحت