من المؤكد أنه لا يوجد عقل سياسي عربي موحد، لكن كيف يفكر الحاكم العربي حين تشتعل الحروب وتتفكك الدول؟ لماذا تتكرر الهشاشة في كل النظم؟ وإلى متى تبقى البراجماتية المضطربة بديلاً للرؤية السياسية؟
وسط الصراعات والمشكلات والأزمات والاضطرابات الجيوسياسية وعدم الاستقرار السياسي، يبدو درس وتحليل العقل السياسي العربي غائبًا، وقليلة هي الدراسات الفلسفية والسياسية التي حاولت تحليل بنية هذا العقل وتفكيكها وآليات عمله من منظور سياسي وسوسيولوچي. وأزمات الدولة العربية الهشة ومجتمعاتها المفككة والانقسامية كاشفة عن هذا العقل السياسي وتكوينه ومحدداته وإدراكاته للمتغيرات، وجذور مشكلات الواقع الدولي والإقليمي والداخلي.
يبدو العقل السياسي الغربي والآسيوي متمايزًا لاختلاف التجارب والتقاليد
السياسية والخبرات، في ظل ثقافات مختلفة ومتعددة، وأيضًا لرسوخ تقاليد الدولة وإدارة النظم السياسية أيًّا كانت طبيعتها من الليبرالية التمثيلية إلى النظم الشمولية والتسلطية.
لا يؤدي التعميم بين العقل الغربي والآسيوي والعربي إلى فهم أكثر واقعية لبنية العقل السياسي العربي الحاكم، على اختلاف نظمه التقليدية الملكية والأميرية والمشيخية والتسلطية، مثلما يظهر في التحالفات والاستثمارات مع الولايات المتحدة وبريطانيا والدول الأوروبية ومع الهند وروسيا والصين كجزء من المناورات غير الفعالة. في مقاربة السياسة الخارجية وصنع
السياسات والقرارات في العالم العربي، كان المدخل الملائم هو دراسة البنية الإدراكية للحاكم -أيًّا كان- ونظامه العقدي في أثناء الحرب الباردة، لأن مقارباته وفق تحليل العقل السياسي الغربي في إطار نظريات العلوم السياسية والعلاقات الدولية تختلف عن وضعية العقل السياسي الحاكم عربيًّا، ولا تؤدي إلى فهم سياساته وقراراته، خصوصًا في ظل غلبة الطابع "الفرداني" والشخصاني للسلطة وقراراتها. وثمة ملاحظات عديدة مستمدة من متابعة بعض قرارات الحاكم العربي -أيًّا كان- إزاء الأزمات الإقليمية والدولية، وذلك من منظور واقعي بعيدًا عن المواقف
الآيديولوچية والسياسية المسبقة من الباحث السياسي باختلاف انتماءاته وتحيزاته، وإنما بتحليل السياسات والقرارات والأفعال السياسية من منظور واقعي، ومن خلال مواطن قوة أو ضعف الحاكم -أيًّا كان- في دول ومجتمعات يسودها الاستبداد السياسي والتسلطية السياسية وأزمات في نظام الشرعية السياسية ترتكز على الغلبة أو الانقلابات العسكرية والقمع وتقييد الحريات العامة والفردية. ومن هنا تأتي أهمية دراسة العقول السياسية -وليس عقلاً سياسيًّا عربيًّا واحدًا- عند قمة النظام والسلطة السياسية، وخصوصًا ما بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على
إيران والاضطراب النسبي في منطقة الخليج والمشرق العربي.
وهكذا يبدو بعض العقل السياسي العربي يعاني من أزمات بنيوية عديدة في تكوينه، وفي قدراته على مراكمة رأس مال خبراتي دولتي، وأيضًا في معرفته بمعنى الدولة والنظام والسلطة السياسية والإدارة. وهو ما يبدو في التحولات السياسية كافة في عديد من دول الإقليم، وما يتجلى في إدارة الأزمات الإقليمية والدولية والسياسات الخارجية، ويرجع ذلك إلى عدة اعتبارات ومن بينها:
1- لا بد من التمييز النسبي بين العقل السياسي السلطوي التقليدي لا سيما في
الدول العربية النفطية الثرية، وبين العقل السياسي في الدول المعسورة، لأن خبرات ومصادر وآليات الوصول إلى الحكم مختلفة في هذه الدول الثرية عن غيرها في الدولة المعسورة.
2- في الدول العربية الملكية والأميرية والمشيخية، الوصول إلى سدة الحكم يرتكز على آليات نظام الوراثة وفق كل بلد على حدة، ومع ذلك يشهد تاريخ هذه البلدان قبل الاستقلال وبعده خروجًا على هذه القواعد في بعض الأزمات. مثلاً، تنازل الملك سعود لصالح أخيه الملك فيصل بن عبد العزيز في المملكة العربية السعودية. وقبل استقلال الإمارات، استبعد الشيخ
شخبوط لصالح الشيخ زايد آل نهيان. وفي الشارقة حدثت عدة انقلابات داخل البيت القاسمي. وقد اعتمد العقل السياسي الوراثي قبل الاستقلال وبعده على خبرات الملك داخل مجتمع تقليدي قبلي وعائلي وديني ومذهبي، وأيضًا على أهل الخبرة من داخل العائلة، أو على حكمة بعض مشايخ القبائل الكبرى الموالين للحكم، أو بعض المستشارين البريطانيين والعرب ثم الأمريكيين في مجالات بناء الدولة وأجهزتها وسياساتها العمرانية، وفي مجال النفط والأمن والاستخبارات وتأسيس الجيوش وصفقات السلاح.
3- في الملكيات الراسخة مثل الملكية