الحكام السريون للعالم

كيف سرق وادي السليكون لغة التمرد؟

الحكام السريون للعالم

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

هذه محاولة أولى للتعرف على أمراء الحرب الرقمية الذين لا نراهم، رغم أنهم يحضرون في كل تفصيلة من خطة التدمير في الحروب وتكوين الدول وحتى شكل الحياة المنزلية. 

في يناير ٢٠٢٥، اعتلى إيلون ماسك منصة حفل تنصيب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، بصفته أكبر ممول فردي لحملة انتخابية في التاريخ الأمريكي، وصانع إمبراطورية تقنية ورأسمالية عابرة للقارات، وهو بالطبع أبرز قادة الجيل الحديث في "وادي السليكون".
قبل عقود قليلة، قدم وادي السليكون نفسه موطنًا للابتكار الذي يتجاوز السياسة ويعد بمزيد من الحرية والانفتاح، وتأسيس مجال رحب لتجاوز البيروقراطية الثقيلة، وبناء أدوات تمنح الأفراد قدرة أكبر على الفعل والتواصل والاستقلال.

كانت صورة التكنولوچيا قد ترسخت باعتبارها قوة تدفع المجتمعات نحو الانفتاح، وتخفيف سطوة المؤسسات القديمة على الحياة العامة.
ولكن كيف انتهى بنا الحال في وادي السليكون؟
لا تبدأ الإجابة من ترامب وماسك. فمنذ التسعينيات، لم تكتفِ البيئة الثقافية المحيطة بالتكنولوچيا بتقديم الأدوات الرقمية كوسائل نافعة، بل أحاطتها بخيال كامل يقول إن الابتكار أقدر من السياسة، وإن السوق أذكى من المؤسسات العامة، وإن رائد الأعمال أصلح من الجماعة في تعريف المصلحة العامة؛ فتشكل خليط فكري صيغ نقديًّا

ظهر ترامب كسياسي شعبوي وصار وعاءً لتحالف بين المنصة ورأس المال والخيال التنفيذي والتكنولوچيا؛ تشكلت خيوطه في وادي السليكون

في مقال شهير كتبه ريتشارد باربروك وآندي كاميرون ليكون "الآيديولوچية الكاليفورنية"، هذا الخليط يجمع بين لغة تحررية خرجت من إرث الثقافة المضادة، وإيمان راسخ بالسوق الحرة والمبادرة الفردية وتخفيف القيود على رأس المال. وصار هذا التصور قاعدة نظر إلى الدولة على أنها مطلوبة حين تمول البحث العلمي وتحمي التفوق الأمريكي وتفتح العقود الدفاعية، ومرفوضة حين تطلب ضرائب أو تفرض رقابة أو تسن حقوقًا اجتماعية أو قيودًا على الاحتكار. ثم حين انتقل الإنترنت من أفق اللامركزية إلى واقع المنصات العملاقة، ومن خطاب المشاركة إلى واقع

الاحتكار، خرجت من قلب هذا العالم نزعة أكثر عداءً للديموقراطية نفسها، وأكثر استعدادًا للبحث عن صيغة سياسية تجمع بين الدولة القوية حين تخدم رأس المال، ودولة الحد الأدنى حين يطلب منها تهذيبه. وظهر ترامب كسياسي شعبوي استفاد من غضب قائم، وصار وعاءً لتحالف بين المنصة ورأس المال والخيال التنفيذي والتكنولوچيا؛ تحالف بدأت خيوطه تتشكل قبل ترامب بكثير، من قلب وادي السليكون نفسه.
صياغة المخيال السياسي للتكنولوچيا
في تسعينيات القرن الماضي حين كان الإنترنت التجاري لا يزال في سنواته

روج مقال "الآيديولوچية الكاليفورنية" لفكرة أن التكنولوجيا الرقمية التي تعادي التدخل الحكومي ستحقق الحرية والرخاء، ورأت مستقبل البشرية في الريادة التقنية والرأسمالية

روج مقال "الآيديولوچية الكاليفورنية" لفكرة أن التكنولوجيا الرقمية التي تعادي التدخل الحكومي ستحقق الحرية والرخاء، ورأت مستقبل البشرية في الريادة التقنية والرأسمالية

الأولى، ووادي السليكون يتلمس هوية لم تتبلور بعد، كان تصور وتشكل صعود الشبكة قد رسخ نظرة القطاع التكنولوچي إلى نفسه كحامل لتغير تاريخي جديد. راجت داخل تلك البيئة قناعة بأن الأدوات الرقمية توسّع الحرية الفردية، وتمنح المبتكرين قدرة أكبر على تجاوز بطء المؤسسات التقليدية، وتفتح الطريق أمام مجتمع أكثر مرونة وانفتاحًا.
في عام ١٩٩٥، نشر الباحثان البريطانيان ريتشارد باربروك وآندي كاميرون مقالاً نقديًّا يفكك المنطق الداخلي لـ"الآيديولوچية الكاليفورنية"، رصدا فيه تركيبًا خاصًا جمع بين ميراث الستينيات

والثقافة المضادة -بما حملته من نزعة تحررية وشك في السلطة المركزية- وبين إيمان متصاعد بالسوق الحرة وريادة الأعمال. كان المقال يقول شيئًا بسيطًا؛ ربما ورث هؤلاء الناس لغة التمرد، لكنهم وظفوها في خدمة رأس المال. 
قام هذا التصور على اقتناع بأن الحاسوب والشبكات والخدمات الرقمية تملك قدرة أعلى على معالجة أزمات المجتمع مقارنة بأدوات السياسة الجماعية التي عرفها القرن العشرين، كالأحزاب والنقابات وسياسات إعادة التوزيع والتنظيم العام. احتل الفرد المبدع في هذا التصور موقعًا مركزيًّا كالفاعل الأهم في التاريخ.

ومُنحت السوق وظيفة شبه طبيعية في فرز الأفكار والفرص وتحديد ما يستحق البقاء. وظهرت التكنولوچيا كأكثر الأدوات قدرة على توسيع الإمكانات الإنسانية وفتح المستقبل. وأهمية ما التقطه باربروك وكاميرون مبكرًا أنهما لم يوجها نقدهما إلى نزعة تكنولوچية متفائلة فحسب. بل إلى مستوى أعمق من ذلك؛ وهو عملية نقل للحرية من الشارع إلى الشاشة، ومن التنظيم الجماعي إلى تطبيق على هاتف. وغدت الشبكة والمنصة والاستثمار أدوات يُنتظر منها أن تؤدي وظائف ارتبطت سابقًا بالفعل الجماعي والصراع الاجتماعي والتنظيم الديموقراطي.

اقرأ أيضاً

كارلو جينسبرج: تأملات في رابطة العار

كارلو جينسبرج: تأملات في رابطة العار

الحرب في مجتمعات هشة

الحرب في مجتمعات هشة

الهاني رمزية ..حل للفكاك

الهاني رمزية ..حل للفكاك

الشرط الغائب في تجديد الفكر الديني

الشرط الغائب في تجديد الفكر الديني

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

صراع الشريعة والقانون الحديث

صراع الشريعة والقانون الحديث