لماذا لا يشعر الناس بالسعادة؟

ما بعد مجتمع الانضباط

لماذا لا يشعر الناس بالسعادة؟

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

لماذا نشعر أن التهديد الذي نتعرض له اليوم لم يعد يأتينا من الخارج، بل من الداخل، بمعنى أنه متأصل في بنية نسيج مجتمعنا المعاصر؟

في هذا الكتاب الصغير، والفاتن، والمحكم البناء، يلقي الفيلسوف الألماني ذو الأصول الكورية بيونج شول هان نظرة نقدية شاملة على المجتمع المعاصر، في محاولة للإجابة على سؤال مُلح: لماذا لا يشعر الكثير والكثير من البشر في المجتمع المعاصر، رغم كل ما يتسم به من تطور ورفاهية، بالسعادة والرضا عن حياتهم؟
هذا الكتاب الذي صدر في عام 2010، وفيه يتناول هان هذه التيمة بالتفصيل. ويستهله بطرح فكرة مجتمع يقوم على مفهوم المناعة، حيث تدور الحياة فيه حول ثنائيات الذات والآخر، والمألوف والغريب. وهكذا، يتصرف كل من

المجتمع والأفراد كما تتصرف أجسادنا حين ترصد مصدرًا محتملًا للعدوى، إذ تبادر بعزل مصدر التهديد والقضاء عليه. وهكذا، فكل ما لا يشكل جزءً من الكل، يُعد، تلقائيًا، جزءً من هذا التهديد.
ونلاحظ في هذا القسم من الكتاب أن المؤلف يستخدم الفعل الماضي، لأنه يعتقد أن هذا المفهوم ينتمي إلى القرن العشرين وأننا قد تجاوزناه بالفعل. ومن ثم، فإن الفكرة المركزية في هذا الكتاب هي أن القرن الواحد والعشرين جلب معه إشكالية مختلفة كل الاختلاف.
فالتهديد الذي نتعرض له اليوم لم يعد 

لماذا لا يشعر الكثير من البشر في المجتمع المعاصر بالسعادة، رغم كل الرفاهية؟

يأتينا من الخارج، بل من الداخل، بمعنى أنه متأصل في بنية نسيج مجتمعنا المعاصر. فبينما كان التركيز في الماضي على “لا يمكنك” و”ينبغي أن”، فإننا نعيش اليوم في عصر “تستطيع”. واختفت مفاهيم “التحريم، والوصايا، والشرع”، وحلت محلها مفاهيم “المشروع، والمبادرة، والتحفيز”.
بيد أن المشكلة، أن هذا التغير الذي يبدو في ظاهره محملًا بوعود التغيير والانعتاق، لا يعدو في حقيقة الأمر أنه ينقل مركز التحكم والسيطرة من الخارج إلى الداخل.
وهذا يعني أننا حين نعجز عن الوفاء بواجب التطوير المستمر للذات 

والارتقاء بها، تخور قوانا وتنطفئ. وإذ يأتينا الدمار من داخلنا، فإن أجهزتنا المناعية لا تجد شيئًا تهاجمه.. ربما كان هذا التوصيف قاسيًا بعض الشيء، لكن أي إنسان اختبر العمل يومًا في أحد تلك الأماكن ذات الإيقاع اللاهث والضغوط التي لا تنتهي، يعرف جيدًا هذا الشعور الأشبه بالركض على آلة الجري بلا توقف وبلا نهاية تلوح في الأفق وحيث السبيل الوحيد لالتقاط الأنفاس هو الانهيار والسقوط أرضًا من فرط الإعياء.
ما بعد مجتمع الانضباط: لماذا لا يشعر الناس بالسعادة!

لم يعد مجتمع اليوم هو عالم فوكو الانضباطي، عالم المستشفيات،  

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

بيونج-شول هان

ومصحات الأمراض العقلية، والسجون، والثكنات، والمصانع. فقد حل محله منذ وقت طويل نسق آخر، هو مجتمع ستديوهات اللياقة البدنية، وأبراج المكاتب، والمصارف، والمطارات، ومعامل الهندسة الوراثية.
ذلك أن مجتمع القرن الواحد والعشرين لم يعد مجتمع الانضباط، بل بالأحرى مجتمع الإنجاز. كذلك، لم يعد أبناؤه ذوات-امتثال، بل ذوات-إنجاز، يستثمرون في أنفسهم. وتبدو اليوم جدران مؤسسات الانضباط، التي تفصل بين الطبيعي وغير الطبيعي، شيئًا عفا عليه الزمن.
ومن ثم لم يعد بمقدور تحليلات فوكو 

للقوة أن تفسر التغيرات النفسية والطوبولوجية التي حدثت مع تحول مجتمع الانضباط إلى مجتمع الإنجاز. كما أن مفهوم “مجتمع السيطرة”، المستخدم على نطاق واسع، لا يفي هذا التغير حقه، كونه، بدوره، متخمًا بالسلب. 
إن مجتمع الانضباط هو مجتمع سلب، يتحدد بما يتسم به التحريم من سلب. وصيغة النفي التي تحكمه هي “لا يمكنك.” وعلى المنوال نفسه، ثمة تلازم بين ما يتسم به “الإكراه” من سلب وبين الفعل “يجب.” فمجتمع الإنجاز منخرط على نحو متزايد في عملية تهدف إلى استبعاد كل سلب، في حين 

اقرأ أيضاً

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

صراع الشريعة والقانون الحديث

صراع الشريعة والقانون الحديث

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

تشوهات الحداثة القانونية 

تشوهات الحداثة القانونية