كيف تحولت مذكرات مغنية لوثيقة تكشف تناقضات الطبقة العليا المصرية بعد ثورة 1919؟ وهل كانت مجلة المسرح منبرًا للحقيقة أم مجرد أداة في معركة الفضائح؟ هل فاطمة سري ضحية أم رائدة نسوية دافعت عن حقها؟
أثناء البحث عن فاطمة سري لاحظت أوصافًا عديدة تسبق اسمها: الصعلوكة، مطربة من الدرجة الثانية، مطربة نص لبة، هامشية، غانية، الخبيرة بألاعيب الرجال. لكن صحافة تلك الفترة لم تكن تعتبر فاطمة سري مطربة هامشية أو من الدرجة الثانية، بل على العكس، مثلاً في مقال بعنوان "مطرباتنا في المرآة.. فاطمة سري"، منشور في مجلة الكواكب بتوقيع "خبير"، يوليو 1932: "يقول الفنيون إنها وإن كانت تعتبر من مطربات الدرجة الأولى فليست بالفنانة الممتازة. ولكن سل (شباك التذاكر) يخبرك الخبر اليقين أنها عندما تغني وتطرب تفيض بالربح على متعهد الليلة، وعندما تسأله يجيبك
(فيها سر والسلام)".
مع أنها كانت مطربة معروفة، تظهر على أغلفة المجلات، ولديها معجبون، لكنها بالنسبة لجمهور المجلات؛ شخصية غامضة، المعلومات المتاحة عنها قليلة، حتى إنها في مذكراتها لم تهتم بأن تذكر مَن هي قبل أن تعرف محمد شعراوي كما أن تاريخ ميلادها ما يزال إشكاليًّا.
سيدة شرقية تنشر مذكراتها
منذ البداية، حرصت مجلة المسرح على طرح هذه المذكرات كوثيقة تتضمن الحقيقة، حقيقة ما جرى بين محمد شعراوي وفاطمة سري، بعد قرابة عام من تداول أخبار هذه العلاقة على صفحات الصحف والمجلات،
واتهمت الصحف على اختلافها بأنها "تكتب ما يعن لها. وما قد لا يكون له أساس من الصحة"، لذا تنشر المسرح رواية فاطمة سري باعتبارها رواية تصحح كل الأكاذيب وتضع الحقائق في نصابها، وليست مجرد وجهة نظر طرف من أطراف القضية. ويبدو أن مجلة المسرح قد نجحت من خلال إتاحة المساحة لإسماع صوت فاطمة في جعل روايتها الوثيقة الوحيدة المتاحة عما حدث، مستغلة إن الطرف الآخر، جبهة شعراوي، ظلت متكتمة، مستخدمة أساليب الضغط على الأطراف الفاعلة في الكواليس لكي لا تظهر علنًا؛ ربما لشعورها بالإحراج أو تحقيرًا من فاطمة وقضيتها!
من ناحيتها، استهلت فاطمة سري مذكراتها، التي رُويت على لسانها كأنها توجه دفاعها في قاعة محكم بعبارة "نشر هذه المذكرات الغرض منه عرض أمري على محكمة الرأي العام لكيلا تصدر حكمها ضدي اعتباطًا كما تصدره على كل امرأة في مثل ظروفي وظروف محمد شعراوي..". وتلاها ملاحظتين، الأولى أنها تقدم الحقيقة، على خلاف ما يعرفه الناس، والثانية بأنها تدرك أن خطوتها هذه "جرأة"، وقد يراها البعض "غرابة"؛ لأن "مصر لم تر إلى هذه اللحظة سيدة شرقية نشرت مذكراتها على أية حادثة من الحوادث التي صادمتها في الحياة"، وربما يكون ذلك صحيحًا، سواء أدركته بنفسها، أو كان
من وحي محرر المذكرات(المجهول).
ترجح نهاد صليحة في دراستها المهمة "المرأة بين الفن والعشق والزواج"، أن مذكرات فاطمة هي "أول وثيقة تطرح صراحة موضوع الزواج العرفي من وجهة نظر امرأة". وقد يعني اختيار مطربة مشهورة أن تتحدث في شؤون الحب والزواج علانية سقوط عصر الحريم، بلجوء النساء إلى إدارة صراعاتهن مع الرجال، عبر الصحف دون اختيار الشكوى بأسماء مستعارة، أو عبر وسطاء رجال. كانت فاطمة سري تشكل أبرز عضو في الجبهة المضادة لفريق شعراوي، جبهة الأفندية، ولجوئها إلى مجلة المسرح لكتابة مذكراتها إحدى وسائلها للضغط،
وإدارة صراع تكسير العظام مع آل شعراوي، في لحظة ربما لم تكن موازين القوى في صالح فاطمة وخصوصًا أن نفوذ هدى شعراوي-في الكواليس- كان أقوى وأكثر تأثيرًا!
تطرح نهاد صليحة في بحثها، أسباب أخرى للجوء فاطمة سري لنشر مذكراتها في مجلة مهتمة بالفن في مصر، فتقول إنها جاءت ضمن "حملة إعلامية"، سبقتها صورًا وأخبارًا وتقارير، بالإضافة إلى إعلانات وحوارات صحفية، تمهيدًا لعودة فاطمة إلى الغناء من جديد، بعد عامين من الاعتزال الإجباري، الذي أعقب زواجها من محمد شعراوي وحملها، ثم انفصالها عنه بالطلاق. وهو ما نجحت فيه المجلة،
فأصبحت فاطمة سري بفعل رواج أخبار قضيتها في الصحف وأمام ساحات القضاء، مطلوبة من جديد في المسارح والصالات. كانت الصحف الفنية في تلك الفترة تعد فاطمة سري -من حيث المكانة- بعد منيرة المهدية، أم كلثوم، وفتحية أحمد.
انتقلت عدوى الدعاية لفاطمة سري إلى مجلة المصور، التي نشرت إعلانًا من شركة أوديون للتسجيلات عن أسطوانات "المطربة المحبوبة السيدة فاطمة سري" (نوفمبر 1927). وعندما توقفت مجلة المسرح عن الصدور، عقب وفاة رئيس تحريرها، وصدرت في نسخة جديدة، ظلت فاطمة سري تظهر على أغلفتها، ومن خلال إعلانات