من يحكم فعلاً: القانون أم السلطة؟ ولماذا تبدو الدولة العربية عاجزة عن إنفاذ قانونها؟ هل فشلت الحداثة القانونية في فهم المجتمع أم جرى تفريغها لتخدم الاستبداد بدلاً من العدالة؟
في الدولة العربية الهشة ما بعد الاستقلال، كانت المرجعيات القانونية للفكر القانوني وجماعته -الفقه والقضاة والمحامين- هي المستعارة من متون وأجهزة الدولة الاستعمارية المحتلة خصوصًا في مجال القانون الخاص -المدني والتجاري والمرافعات، والعقوبات والإجراءات الجنائية، وقوانين المرافعات… إلخ- وأيضًا في القانون العام الدستوري، والإداري، مع تعديلات في الأنظمة الدستورية بما يتلائم مع الشعبويات السلطوية، أو الاستبدادية والعائلية.
شكَّلت المرجعيات القانونية الوضعية الحداثية، العقل القانوني العربي،
من حيث النزعة النصوصية، والشكلانية، في المعرفة والإدراك والوعي القانوني، إلا أن ذلك تماس كثيرًا، ثم تماهى مع الدرس الدستوري الفرنسي حول الدولة، والسلطة دونما درس سوسيو- سياسي، ونظري، وتطبيقي للدولة العربية الناشئة وواقعها الاجتماعي ومكوناته الأساسية، ودراسة فلسفية للدولة، والسلطة ومفاهيم الحرية، والعدالة، والمساواة، وحقوق المواطنين، في عمق نظري، وتحليلي، وتطبيقي في النظم المقارنة وتطوراتها التاريخية والسياسية، من منظور نقدي، وربطها بأوضاع الليبراليات الرأسمالية الغربية، والفردانية، والفرد، وأثر عديد
المتغيرات عليها مثل ثقافة السوق، والاستهلاك، ودور الشركات الرأسمالية الكبرى، والمتعددة القوميات والجنسيات على الدولة والسلطة والقانون والفرد والأحزاب السياسية في المجتمعات الغربية.
من هنا كانت أغلب الكتابات في مجال القانون الدستوري وعلم السياسة ذات طبيعة وصفية مستمدة من عروض لبعض المؤلفات الأوروبية، والأمريكية الكلاسيكية، دون أصولها الفلسفية والنظرية في الدرس الأكاديمي الفلسفي، خصوصًا في الولايات المتحدة، وبريطانيا، وبعض أساتذة العلوم السياسية في فرنسا، وإيطاليا، وبلچيكا، وألمانيا.
هكذا غاب الخطاب الأكاديمي النقدي عن الدراسات القانونية، والسياسية جزئيًّا، في دراسة مفاهيم الدولة والسلطة، والحرية، والمساواة، والعدالة، عن الحياة السياسية المعتقلة في ظل نظم شعبوية سلطوية، واستبدادية سادت عالمنا العربي ما بعد الاستقلال عن الاستعمار الأوروبي.
لا شك أن الذهنية القانونية النصوصية، والشكلانية لعلماء القانون الوضعي وظفت سياسيًّا -والاستثناءات محدودة- في إطار الأنظمة السياسية السلطوية الشعبوية والملكية والأميرية والمشيخية، ووضعية دمج السلطات بين بعضها بعضًا، عند قمة مواقع القوة الأساسية
في النظام، ومن ثم هيمنت السلطة التنفيذية على بقية السلطات في وضع مشروعات القوانين، وتمريرها من البرلمانات الشكلية -التي تشكلها السلطة السياسية، وأجهزة الدولة المعنية- وإصدارها. كذلك ثمة إدراك سلطوي شاع عربيًّا أن تنظيم المجتمع، ومواجهة مشكلاته الموروثة، والمتراكمة، والمتفاقمة، لا يتم من خلال السياسة، والحريات والحوار بين مكونات المجتمع الانقسامي، ودراسة المشكلات في عمق وموضوعية، حتى يمكن إيجاد الحلول الملائمة لها. وسيطر إدراك لا سياسي، في وعي السلطات الحاكمة أن معالجة هذه المشكلات يتم من خلال القوانين،
وإدماج النزعة الجنائية والعقابية داخلها، لخلق حالة من الردع العام والخاص، وإشاعة الخوف من انتهاك القوانين.
هذه النزعة اللا سياسية الخارجة من موت السياسة الممتد، والشعبوية السلطوية، والإدراك النصوصي للقانون، تزايدت مع الانفجار المتتالي والمتسارع للمشكلات والأزمات، وهيمنة القمع السياسي، والأمني عربيًّا، فتفاقمت معها الانفجارات السكانية، والاختلالات في السياسات الاقتصادية، وتزايد المديونيات الخارجية، في ظل نظم الرأسماليات الوطنية ما بعد الاستقلال، ثم في التحول إلى سياسات الباب
المفتوح اقتصاديًّا، مع استمرارية إغلاق المجال العام السياسي وتبني الخصخصة والنيوليبرالية.
مرجع أزمات السياسات التشريعية في دول العسر العربية، وانفجاراتها السكانية، ناتج عن غياب تصورات سلطوية لنماذج التنمية الملائمة مع وضعية المجتمعات العربية الانقسامية داخليًّا، ومشكلات بناء الدولة ذاتها، التي اختلطت بالسلطة الحاكمة حول مواقع القمة والقوة داخلها!
ومن ناحية أخرى غياب دراسات حول القانون والتنمية، والعدالة والمواطنة في مجتمعات متخلفة تاريخيًّا، وكيف لم يسهم القانون بفعالية في أداء وظائفه