من الحمامات الشعبية للكافيه، كتبت النساء تاريخهن الخفي في هامش المدينة. لماذا يثير جلوس النساء على القهوة الريبة؟ وكيف تحولت زيارة المقابر لحيلة لانتزاع فضاء خاص بعيدًا عن عيون الرجال؟
تنظر فئة من الرجال في القاهرة اليوم بشيء من الريبة والاستياء إلى جلوس النساء في القهوة البلدي. فهذه الأماكن ترسخت في الخيال الشعبي باعتبارها مجالاً رجاليًّا صرفًا، ما يجعل حضور المرأة فيها يبدو، اقتحامًا لخصوصية اعتادوا احتكارها. ومن ثم يستقبل أحيانًا برد فعل عقابي، كأن الجلوس على كرسي القهوة يهبط بصاحبته إلى مرتبة اجتماعية أدنى لمجرد كسرها العرف السائد.
بهذا المعنى صارت القهوة حيزًا للتمييز الچندري، مع أنها في الأصل فضاء للتجاور والتواصل. هذا التوتر ليس وليد اللحظة، إذ يعكس تاريخًا ممتدًا
من سعي نساء القاهرة إلى العثور على حيز في المدينة يلتقين فيها بحرية، يتبادلن الأحاديث والأخبار، في مقابل نزوع ذكوري إلى تضييق هذا الهامش ومحاصرته داخل حدود البيت.
ومع التحولات العمرانية والاجتماعية، أتاح الكافيه المودرن -المغلق غالبًا والمنظم على نحو مختلف- متنفسًا لم يكن متاحًا في القهوة التقليدية. فمنذ انتشاره مع بدايات الألفية الجديدة، وتعزز حضوره بعد التحولات التي أعقبت ثورة يناير ٢٠١١، اتسعت إمكانات وجود النساء في الفضاء العام، وأصبح بإمكانهن الاجتماع بالصديقات والأصدقاء وتمضية الوقت خارج إطار
الزيارات المنزلية التي ظلت طويلًا الخيار شبه الوحيد لمقابلة الصديقات والأصدقاء. ويمكن تتبع محاولات السعي لاقتناص فضاء مفتوح يسمح بتقبل حضور المرأة، ولو كان هذا المكان خلف أبواب الحمامات الشعبية، أو حتى في أحضان المقابر وشواهد الأضرحة!
متنزهات خلفية
تأسست القاهرة في عام ٣٥٨ه - ٩٦٩م، كمدينة عسكرية للجيش الفاطمي بقيادة جوهر الصقلبي. ولأن أفراد الجيش جلبوا معهم زوجاتهم وذويهم، واحتكر الخليفة وحاشيته، بما تضم من نساء وجوار، المساحات المخصصة
للتنزه، التي كانت مساحات مغلقة خلف الأسوار، ألقى الطابع الذكوري بظله على المدينة الناشئة.
مبكرًا بدأ سعي المرأة القاهرية للبحث عن فضاء تلتقي فيه بنات جنسها، بعيدًا عن أعين الرجال المسيطرين على حركة المدينة. ولما كان هدف النساء الأول في القاهرة -كما في سابقتها مدينة الفسطاط- هو البحث عن مساحة خاصة، اخترن الحمامات مقصدًا. وقد جرت العادة ألا تحوي المباني في المدينة حمامات، إلا في قصور الخلفاء والسلاطين وعلية القوم. لذلك كان الإقبال على الحمامات الشعبية العامة ظاهرة شائعة في مدن ما قبل العصر
صورة "زانجاكي" للقهوة أو قهوة خانة التي كانت حيزًا مقصورًا على الرجال فقط. طباعة ألبومين،١٨٨٠م
- أرشيف مدينة الرقمي
الحديث، حتى تحولت إلى منتديات اجتماعية، فضلاً عن دورها الأساسي كمنشآت صحية.
خصصت حمامات للرجال وأخرى للنساء، وعملت بعض الحمامات بنظام الفترتين؛ الصباحية للرجال والمسائية للنساء أو العكس. كما استخدمت لإعداد العروس ليوم دخلتها. حينها يشهد الحمام تظاهرة احتفالية نسائية فيها الغناء واستخدام الطبول والدفوف، وبالطبع طقوس إزالة الشعر الزائد من الجسد. فكان مكانًا تجتمع فيه الماشطة والبلانة والخاطبة مع نساء المدينة، ليتحول الحمام إلى مركز اجتماعي لبث الأخبار.
ويذكر سعيد عبد الفتاح عاشور في كتابه "المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك": "وفي الحمام اعتادت أن تجتمع النساء والصديقات قيتناقلن أخبار الناس، ويقصصن على بعضهن كثيرًا من أخبارهن وحياتهن المنزلية". لكن نجاح نساء القاهرة في خلق مساحة آمنة لم يمر مرور الكرام، إذ انتبهت السلطة الذكورية، وأبدت امتعاضها على استخدام النساء للحمامات بصورة تخرج عن القواعد الصارمة لحركة الأفراد داخل المجتمع، فشن الفقهاء حملة شعواء استهدفت تردد النساء على الحمامات، ورأينا فقهاء يطالبون بمنع النساء من التردد
في لوحات المستشرقين ظهرت محاولات نساء القاهرة اقتناص حيز خاص عن هيمنة الرجال على فضاء المدينة