ذات مرة رأى معمر القذافي شعبه ولم يتعرف عليه فسأل: من أنتم؟ متى تتحول السلطة لمرآة لا تعكس إلا صاحبها؟ هل النرجسية قدر الزعيم الفرد أم نتاج فراغ الدولة؟ كيف يصير الوطن مسرحًا لهذيان الديكتاتور؟
يخرج سيف الإسلام القذافي في خطاب متلفز يوم ٢١ فبراير ٢٠١١ بعد ٤ أيام من تحول التحركات المحدودة في طبرق إلى حالة احتجاجية واسعة في مختلف أنحاء ليبيا. أتى خروجه المتعجل نسبيًّا ومحاولته للتحدث مع الليبيين في سيناريوهات مختلفة لتدارك الارتباك والتردد الذي استغرق أيامًا في تجربتي تونس ومصر، ولكن الوريث الذي أخذت أوراق السلطة في ليبيا تجتمع في يديه قبل سنوات لم يتمكن من التودد إلى الشعب على طريقة حسني مبارك، العكس تمامًا هو ما حدث، خاصة أن القذافي الصغير أفرط في توجيه إصبع السبابة في كلتا يديه في أثناء حديثه،
ويقال إن الثوار قطعوا أصابع يديه لاحقًا، مع وجود رواية أن الأصابع بترت نتيجة الغرغرينا التي لحقت بها بعد الإصابة في إحدى الغارات، ويبدو أن الرواية الثانية جرى تسويقها في مرحلة لاحقة في محاولة لإعادة إنتاجه من جديد مرشحًا رئاسيًا في ٢٠٢١!
في اليوم التالي لحديث سيف الإسلام يظهر والده العقيد معمر القذافي ليلقي خطابًا انفعاليًّا يليق بشخصيته، يتساءل خلاله مستكملاً مسيرته مع الانفصال عن الواقع والاستغراق في الذات حول هوية المحتجين الذين تحتشد بهم الميادين: من أنتم؟
الليبيون الذين عايشوا نوبات جنون
العظمة التي سكنت العقيد على امتداد سنوات حكمه الطويلة، لم يطرحوا السؤال المقابل: من أنت؟ وكيف استطعت أن تختطف البلاد لأكثر من أربعين سنة؟ لم يحصل الليبيون على إجابة من رئيسهم. العراقيون تمكنوا من الاستماع لصدام حسين في محاكمة طويلة ومتلفزة بكل لحظاتها الدرامية، أما الليبيون فالمشهد كان مروعًا وهو يستجدي الثوار الذين عثروا عليه في ٢٠ أكتوبر ٢٠١١، وكان يستجديهم: حرام عليكم! ويخاطبهم: أولادي، أولادي!
بمجرد سقوط دولة القذافي صاحب أطول اسم بين دول العالم: الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية
العظمى، عادت ليبيا للتوزع في إقليمين: شرقي وغربي، تتركز فيه بنغازي مقابل طرابلس، وكلاهما ينظران جنوبًا إلى فزان التي تشكل صحراء غامضة وغير مكتشفة بالكامل، تحاول طرابلس أن تحقق من خلاله التوازن مع برقة، وتسعى الأخرى لتطويق طرابلس من خلاله.
أحكمت بريطانيا وفرنسا سيطرتهما على مصر وتونس قبل أن ينقضي القرن التاسع عشر، وبقيت ليبيا الممتدة بينهما ولاية عثمانية، مع أنه كان كافيًا أن تتقدم أي من القوتين الاستعماريتين التقليديتين لتقاسم المنطقة، وضمهما إلى نفوذهما، إلا أن ليبيا بقيت مستقلة
ظهر سيف الإسلام القذافي على التليفزيون بعد الحراك للثوري بأيام لإنقاذ الدولة المتداعية بلا جدوى
شكلية وتابعة للسلطنة العثمانية التي يبدو أن وجودها في ليبيا كان أضعف من أن يشكل خطرًا على المستعمرات الأوروبية المتاخمة. ولا يعني ذلك أن ليبيا كانت منيعة على الزحف الاستعماري، فهي طبوغرافيًّا أراضٍ منبسطة ومفتوحة، ولكن هذه الأرض خالية تقريبًا من أي ثروات يمكن أن تمول المنظومة الاستعمارية بما تحتاجه من تمويل للانتشار العسكري والأمني والمؤسسات الإدارية.
الإيطاليون الذين أنجزوا وحدتهم الوطنية متأخرًا كانوا يبحثون عن إعلان وجود معنوي من خلال دخول متأخر في السباق الاستعماري، ولكنهم
ولكنهم حاولوا بدايةً مع القرن الأفريقي وأثيوبيا، لأن ليبيا كانت تعني دخولاً مبكرًا بين قوى استعمارية مكرسة لها رؤيتها، وكلتا الدولتين كانتا تتعاملان مع الملف العثماني الضروري أحيانًا في توازنات حرجة وحساسة مع الإمبراطورية الروسية.
يأتي انقلاب ١٩٠٩ ليخلع السلطان عبد الحميد الثاني ويلقي إسطنبول في مرحلة من الفوضى والصراع بين باشاوات المدينة وقادة حركة الاتحاد والترقي، ولأن كلاً من البريطانيين والفرنسيين لم يفكروا في التمدد تجاه الأراضي الليبية، وجد الإيطاليون الفرصة مناسبة، الفرنسيون يجدونهم جوارًا أضعف من
كان القذافي يرى نفسه أكبر من البلاد، وأعمته الرغبة في استكمال مشروع الضباط الأحرار في نسخته الليبية