في هذا المقال نستكمل ملف محو غزة..والتي كانت نموذجاً مكبراً للإبادة الحضرية وبروفة حروب المستقبل حيث لا تكتفي آلة الدمار بضحاياها من المدنيين والبيوت..لكنها تعمل وفق مشروع لمحو الذاكرة والمكان.
تخبرنا حرب غزة الأخيرة كثيرًا عما سيؤول إليه مستقبل الحرب. فالحروب القادمة ستكون هجينة تقاتل فيها المليشيات والمرتزقة وشركات الأمن إلى جانب الجيوش، وتهيمن على أدواتها تقنيات الأتمتة والذكاء الاصطناعي، كما ستكون حالة إعلامية نشاهد فيها القتل والتدمير وممارسات العنف بالبث المباشر. كما أن هذه الحروب ستخاض بالأساس في المدن، ستكون حروبًا حضرية. كان هذا الحال في غزة على مدار عامين، ففضلاً عن الإبادة البشرية التي نتج عنها استشهاد ما يزيد عن ٧٠ ألف إنسان، وجرج عشرات الألوف، دارت رحى الحرب والقتل المعزز
بأنظمة الذكاء الاصطناعي تدميرًا ممنهجًا للبيئة الحضرية، وتفكيكًا متعمدًا للمدنية، وهوما يشار إليه حاليًا بالإبادة الحضرية. على أن هذه الإبادة المزدوجة لم تتوقف فقط عند انتهاء القتال، أو بالأحرى القتل، بالهدنة الهشة في شرم الشيخ، فربما تستمر الإبادة الحضرية بأشكال أخرى مع السعي نحو إعادة إعمار غزة من خلال تدفق رؤوس الأموال العالمية على أنقاض مدن القطاع وتراثه، وعلى حساب سكانه.
من حروب المدن إلى الإبادة الحضرية
على مدار العقود الأخيرة شهدت العمليات العسكرية تحولاً بانتقالها من الساحات المفتوحة، في الأرياف
والصحاري، لتكون في قلب المدن. شهدت بهذا تحولاً حضريًّا. يذكر المفكر الاستراتيچي الخبير في دراسات مكافحة التمرد ديڤيد كلكولن في كتابه "من الجبال إلى السفوح: عصر حروب العصابات الحضرية" أن هذا التحول في ساحات الحرب وطرقها مرتبط بأن العالم يصبح أكثر حضرية؛ فبحلول منتصف القرن الحالي سيعيش ٦٨٪ من سكان العالم في المدن، وسيكون أغلبها في المناطق الساحلية المطلة على طرق التجارة وتدفق السلع والبشر.
ومع تآكل سلطة الدولة المركزية لصالح الشركات ونخب العالم الأكثر ثراء ستصبح المدن مرتعًا للتمردات المسلحة
بالضبط مثلما كانت الأرياف والجبال والمناطق النائية حتى منتصف القرن العشرين. وبهذا، ستكون جغرافيا الصراعات متمثلة في ساحات مأهولة بالسكان، وتشكلها البنية التحتية والطرق والشوارع والمنازل والمباني التاريخية، وشبكات من الأسلاك والخرسانة.
بناء على هذه الحقيقة، تطور الجيوش عقائد قتالية تعرف بـ"العمليات العسكرية في الساحات الحضرية" (MOUT) لتدريب وحداتها على شن أشكال مختلفة من العنف المنظم بهدف القضاء على التمرد، أو مكافحة الجريمة المنظمة أو حتى غزو المدن
النقاط الحمراء في الخريطة تشير إلى المناطق المدمرة وتصنع من خريطة غزة بحيرة من الدماء
الأخرى على الأرض وتحتها.
غالبًا ما ينتج عن مثل هذه العمليات تدمير واسع النطاق للمساحات الحضرية والبنية التحتية أو استشراء مظاهر العنف السياسي وانعكاسها على الحياة اليومية، وهو ما يحول المراكز الحضرية الكبرى إلى "مدن وحشية" تغيب عنها أدنى متطلبات الأمن والسلامة. في هذه الحالة، ترى الجيوش وقوات الأمن أن مثل هذا التدمير هو مجرد عرض جانبي لمحاولة فرض الأمن والسيطرة على الأحياء المتمردة أو المناطق العصية على السيطرة. بالنسبة لبعض العسكريين، قد يكون هذا التدمير ضرورة تفرضها تكتيكات القتال،
ومنطق العمليات. ربما علينا أن ننظر فقط إلى ما آلت إليه القتال في مدن مثل بيروت (١٩٧٥-١٩٩٠) ومقديشيو (١٩٩٣)، وجروزني (١٩٩٩-٢٠٠٠)، والفلوجة (٢٠٠٤) وحلب (٢٠١٢) والموصل (٢٠١٦-٢٠١٧)، والرقة (٢٠١٧) وماراوي- الفيليبين (٢٠١٧) وماريوبول (٢٠٢٢) والخرطوم (٢٠٢٣ حتى يومنا هذا) حتى نرى التكلفة الباهظة لتلك العمليات.
غالبًا ما كان تدمير المدن في هذه الحالات خاضعًا للجدل السياسي، وروايات المهزومين والمنتصرين، لتحديد ما إذا كان متعمدًا أم عرضًا جانبيًّا للعنف الممارس من الجميع.
إلا أن الحرب الأخيرة التي شنتها