مسافة كبيرة بين انطباع أولي يخلفه يوسف إدريس فيمن يلتقيه، وانطباع تكوَّن على مهل عن كاتب رأى نفسه نجمًا في غير عصره!
في أول لقاء مع يوسف إدريس فقدت نصف حبي له. ربما كان اللقاء الوحيد؛ طالب بالجامعة يسعى إلى أديب وكاتب مشهور، بعد أن طلبت منه على التليفون حوارًا لمجلة (أصدرنا منها عددًا واحدًا في كلية علوم المنصورة، وكان الحوار للعدد الثاني الذي لم يصدر). وافق بعد مجهود ليس قليلاً. وقابلناه في مكتبه بالأهرام. وهناك كانت الصدمة الأولى: نظرت إلى أصابع يوسف إدريس فوجدتها غليظة، ووجدته يرتدي بذلة كاملة. وهذه هزيمة للصورة الموجودة في خيالي المثالي. خيال مراهقين يرسمون صورًا للكتاب والفنانين عن بعد. أقرب إلى الفرسان في قصص الطفولة أو للرسوم التوضيحية في
كتب المدرسة. أضحك الآن على صدمتي في أصابع يوسف إدريس. فأنا الآن ضد الصور الجاهزة والكليشيهات، ولا أحب وضع الأدباء والفنانين ولا أي شخص في إطار يقيده ويخرجه من إنسانيته، بمعنى آخر ضد تحويل شخص إلى أسطورة ومحاسبته على أساسها. أصبحت منحازًا لمحبة بلا شروط ولا قيود مسبقة. تجاوزت الأولى، لكن الصدمة الثانية لم أغفرها ليوسف إدريس حتى الآن. كان الموعد في وقت معركته مع الشيخ متولي الشعراوي. كتب في كتابه “فقر الفكر وفكر الفقر” مقالة طويلة عنه وصفه فيها بأنه “راسبوتين الإسلام”. أحببت الوصف ووجدته مناسبًا لموقفي من شيخ
حوله التليفزيون إلى “صورة مقدسة” لا يناقشه أحد في أفكاره ولو كانت خرافات تنتمي إلى عصور الانحطاط في الفكر الإسلامي (روَّج لحديث الذبابة الذي يقول فيه إن الرسول قال إذا سقطت ذبابة في وعاء أحدكم بجناحها فليغمر جناحها الثاني ففيه دواء للسم الموجود بالجناح الأول).
المهم بدأت معركة ضد يوسف إدريس من مقال محمد عبد القدوس في الأخبار. تبعها جوقة كاملة من كهنة الشيخ المقدس. كنا وقتها في منتصف الثمانينات والتيارات الدينية والمحافظة في شراستها الأولى. ويوسف إدريس مجروح بعد معركة “البحث عن السادات”.
والحكومة تدلل شيوخها وأتباعهم. تريدهم معها في معركتها ضد الجماعات الإسلامية المسلحة. واضطر يوسف إدريس إلى الاعتذار. وعندما سألناه قال: “كانت غلطة مطبعية”. تعجبنا، فالمقال على ست صفحات. كما أنه لم يكن باديًا علينا أننا من السائرين في موجة التعصب الديني أو من المغرمين بالشيخ التليفزيوني.
لكن يوسف إدريس كان يشعر أنه نجم في غير عصره، ولم يكن يهمه أن يصبح بطلاً في تصريحات أمام شباب في أول العشرين مادام الكتاب سيظل في متناولهم. لم أتخلص من صدمتي الثانية. لكنني مع السنوات والمعرفة الأكثر اكتشفت أن محبتي ليوسف إدريس
كان يوسف إدريس نجمًا في عصره لكنه كان يشعر بالعكس!
زادت. لم تعد الأخطاء مزعجة بل جزءًا من المحبة، أنتقدها لكن لا تقلل قدر تعلقي بكتابته ولا بأسلوبه في الحياة والأدب.
قارنت كثيرًا بينه وبين نجيب محفوظ. أحببت البناء المنظم عند نجيب محفوظ، لكنني أشعر بقرب أكثر من شهوة يوسف إدريس في الاحتراق والعبور كالقذيفة في الزمن الراكد. وأحب أخيرًا تلك الحكاية التي حكاها على سرير سفري صغير لفتحي غانم “كنت طبيب امتياز في الاستقبال بقصر العيني، وذات ليلة جاءوا بفتاة في شبه غيبوبة. كانت مدمنة. وكان لا بد أن أحقنها. وما كادت ترى الحقنة في يدي حتى هجمت عليَّ.. انتزعتها.. فسقطت
الأنبوبة على الأرض وتهشم زجاجها. أتدري ماذا فعلت. ارتمت على الأرض وهجمت على الزجاج المتناثر تلعقه بلسانها، لا يهمها أن تجرح لسانها أو تسيل دماؤها، لا يهمها سوى أن تلعق السائل على الأرض.
لحظة كاملة من التركيز على ما تريده حتى لو كان ثمنها الموت”. حتى إعجابي بفكرة الاشتعال لم تعد بقوتها الأولى. أدركت بالتجربة أن هناك كتابة على مهل، لديها قدرة علي اختراق الطبقات والأنسجة العميقة وتمنح قوتها بطريقة التعتيق. والروتين له مكانه في إتاحة الفوضي المطلوبة للكتابة. وعلى عكس التوقعات الكبيرة دفع يوسف إدريس ثمن اشتعاله، لأنه ارتبط مع زمنه