حين يجف النهر في الذاكرة قبل الأرض، وتتعثر الخطى في مدن بلا أسماء، تولد الحكاية كعواء داخلي. ويتجلى الفقد، والخراب، والبحث العبثي عن ماء يعيد للروح شكلها الأول.
لأن الذئاب تعوي في رأسي، ظننت أن النيل اختفى فعلاً.
أمشي في مدينتي التي تعرف خطواتي، أطوي الأرض، وأطير العصافير، أشاغب الضوء.وكان لي بيتان، وفي كل بيت نبت لي جناحان. وكانت لي شرفة كبيرة، تطل على النيل وشجرة تين عملاقة.
أقف في الشرفة مع طلوع الشمس، أملأ أقداحًا من خمرها العتيق، وأشرب حد الامتلاء، وآكل من بين يدي. وفي جوف الليل، أرفع رأسي إلى السماء، وأغفو على نفسي من التعب. ثم كان ذلك اليوم، الذي اهتزت فيه الأرض من وقع خطاهم. بنعال حديدية، طافوا بيوتنا، هدموها على رؤوسنا، وألقوا
بالأجساد في النهر. أخطو على شاطئها، وإذا بمياه النيل الخضراء تتضاءل شيئًا فشيئًا. تنحسر عن الشاطئ. تهيج الأسماك وتبتعد، تموت وهي تلهث. تلعق بلسانها الطين. تطفح الجثث على صفحته. أحياءً كانوا أو أمواتًا، لا أتبين. يغطيهم الطين، ويتدلى من أعناقهم الحبال. عيونهم الجاحظة تكشف عن سواد مرعب. وأحشائهم الطافحة تنذر بالجحيم. ترتفع الصيحات في الجو الساخن. تلتهب الشمس في كبد السماء. تغلي حِمامها في الرؤوس. يهب الجميع بالفرار. فزعة أدنو منهم، أصرخ فيهم، استيقظوا، لا تذهبوا. فزعة أدنو منهم، أصرخ فيهم، استيقظوا، لا تذهبوا.
أمد يدي بوهن، انتشل قطعة لحم متخثرة الدماء. يخرج الدود من أفواههم. ويغزون فمي. أقضمهم بشراهة، أهرس أجسادهم الرخوة بين أسناني. ثملى، أرفع صوتي، من حبس النهر، وقيَّد أرجلكم؟ أحمل رأسًا دامية بين يدي وأرفعها إلى أعلى، لترَ، تراني. هؤلاء عبادك، انظرنا. أحمل مقلتي على مقدمة رأسي، أعلقها على جبهتي، أتمعن في المدينة حولي، بينما تتلون السماء بالأصفر والبرتقالي. أرى طفلاً مذبوحًا في كل زاوية. تتعفن الأجنة في بطون أمهاتهم. يقابلون ملائكة الموت يبشرونهم بالجنة ونعيمها. تمسك الملائكة بكف الطفل الصغير،
وتضغط برفق على أصابعه، تربت على كتفيه، وتُلمس على قلبه، وتمنحه خلاصًا نهائيًّا. يحمله الملاك على جناحيه الكبيرين، ويذهب عنه روع الحياة، ووحشة المكان، ويرفع روحه إلى السماء السابعة. يحكي له حكاية عن عالم ينجو فيه الأطفال من أيادي القتلة، حكاية لا يموت فيها طفل أو يقتل بدم بارد، لأن الأشرار يكرهونه. يحكي له عن أطفال يحلمون، يكبرون، ويصيرون رجالاً أشداء، عن عالم تصير في الأحلام حقيقة، والأرض مقبرة للأوغاد.
يبكي الطفل لأنه يشتاق إلى أمه، ويعرف أن ذراعيه القصيرتين لن تقويا على العناق. تلمع شرارة في الأفق، بينما
أدقق في الشفاه المتدلية، والدموع التي تترقرق في المقل.. أخشى الدمامل والنمل الذي يترسب في المسام.
مليًّا أهجر مدينتي، وأزور أخرى. أفتت قلبي إلى فتافيت صغيرة أخبئها في جفني وأرحل. لا تتبعوا خطاي، أقول لهم: لا تهجروا المدينة، أحذرهم.
سيأتي آخرون، يعلقون الجلود على المذابح، وينحرون الأعناق، ويذهبون. وفي كل مدينة أبحث عن النيل ولا أجده، أبحث وحدي حتى تتشقق أقدامي، وينحل عودي.
وأحيانًا أمشي بصحبة آخرين غرباء. أمشي في أثرهم، أتوسل إليهم أن يدلوني عليه، أسألهم مكلومة، ألا تشعرون مثلي
باليُتم لضياعه، ألا يملأكم الرعب؟
ألا تفجعن لاختفاء النيل؟
أدون خطواتهم على عروق يدي، وأرسم خرائط مدنهم على ظهري، وأنظر فيهم مرارًا. أنكش شعري، وأفرد خصلاته، وأمشي مع غريب بينما يمتد النيل على مرمى البصر. أتراني أحلم؟
تسقط الجثث على رأسي، أدفعها عن وجهي الدامي. أصوب بُندقية على جمجمتي، وأطلق رصاصة فارغة. واهنة أتبع خطواته ونذهب في طريق واسع، معبد الجانبين، مهيب بشكل فج. يقشعر بدني، وتلتصق يدي بيده، نخطو على البلاط الرخامي، خائفة متوجسة
أمد قدمي. يضع طوقًا من الياسمين
على رأسي. أتلعثم في النطق، أسأله: لماذا؟ تقف الكلمات على طرف لساني، وتتدحرج، فتخرج مموجة ومايعة. لا أعرف إلى أي بلاد يأخذني.. أصدق خطواته، وأجحدها. هل سنرى الفيض السماوي مرة أخرى؟ أ تعيدني إلى نفسي؟ أتدرك بلادي؟ أتعود البلاد بلادنا بلا ناسها؟ أتعود البلاد بلادنا بلا نيلها؟ يخبرني بجفاء أننا إذا مشينا هنا، من طريق المقابر المُعبدة، سوف نرى النيل.. أخشى المقابر، أقول لنفسي. مع كل خطوة، تجرحنا الصقور، وتزحف على أجسامنا الثعابين. يخضر جلدي ويزرق، تنمو منه نباتات وتذبل. أنا هنا، يخرج كلام مبهم من خلاي،