لم تكن قصائد جرترود ستاين مجرد تجريب لغوي غامض، بل مشروع هدم وإعادة بناء للغة نفسها. عندها لم تعد الكلمات تبحث عن المعنى بل تكشف هشاشته، وتحول الشعر إلى مساحة لعب حرة تعيد تشكيل وعينا بالعالم
منذ نحو مئة وخمسين عامًا مضت، وُلد الأدب الحداثي الأمريكي لإميليا ودانييل ستاين، في صورة ابنتهما جرترود، في الطابق الثاني من ٨٥٠ شارع بيتش. منزل متواضع لكن أنيق يعود إلى القرن التاسع عشر، من طوب مطلي بالأزرق، ونوافذ حمراء. في مدينة أليچيني بولاية بنسلڤانيا ستقيم جيرترود في ذاك المنزل لستة أشهر فقط، قبل أن تنتقل إلى بالتيمور، ثم إلى ڤيينا، لتستقر في نهاية المطاف في أوكلاند، كاليفورنيا.
لكن العنوان الأكثر ارتباطًا بجرترود، راعية بيكاسو وسيزان وماتيس، وصاحبة الصالون الذي استضاف عزرا باوند وفيتزچيرالد وهيمنجواي، والشاعرة
والكاتبة المسرحية وكاتبة المقالات والروائية التي نشرت أعمالاً راديكالية مثل "أزرار ناعمة" و"صناعة الأمريكيين"، كان ٢٧ شارع دي فلوروس في الدائرة السادسة من الضفة اليسرى لباريس.
كان منزل جرترود الضيق في أليچيني، المصبوغ بالأسود من جراء عوادم مصانع الصلب الكبريتية، وتفوح منه رائحة الخميرة بسبب مصانع البيرة القريبة، مختلفًا إلى حد ما عن مسكنها الباريسي، الذي وصفه همنجواي في "وليمة متحركة" يشبه "واحدة من أفضل الغرف في أرقى المتاحف، وباستثناء وجود مدفأة كبيرة، كان دافئًا ومريحًا،
حيث يقدم الطيب من الطعام والشاي والمشروبات الكحولية المقطرة الطبيعية المصنوعة من الخوخ الأرجواني أو الأصفر أو التوت البري". وهذا الوصف ليس مبالغة؛ فقد كانت جدران بيت جرترود مغطاة بلوحات ديلاكروا وجوجان ورينوار؛ من أسماهم الناقد الأمريكي هنري ماكبرايد مجموعة العباقرة، وهو ما كررته جرترود في صداقاتها وعلاقاتها الرومانسية بمفهومها الخاص.
حياة كوزموبوليتانية، ولكن مثلما روت أليس ب. توكلاس في سيرتها الذاتية عن نشأتها، من وجهة نظر رفيقتها "ظلت دائمًا هناك؛ في أليچيني".
لاحظت جرترود بحزن أن المدينة التي ولدت فيها قد اندمجت في جارتها الأكبر بيتسبرج، وكتبت أنها "لم ترها مرة أخرى، ولم يعد لها وجود الآن".
ليس مبالغة القول إن محوًا مماثلاً حدث لكتابات جرترود، رغم أن الكاتبة نفسها قد رأت مصيرها بالفعل، إذ ذكرت في كتاب "السيرة الذاتية للجميع": "لطالما أزعجني أن الجمهور الأمريكي كان مهتمًا بي شخصيًّا أكثر من اهتمامه بعملي". ومقارنةً بمن جعلت أعمالهم رائجة، أحيانًا بالدعم المالي، أو بالحوارات والمشورة والتحرير، غالبًا ما تُذكر جرترود على أنها مجرد راعية لهيمنجواي أو فيتزچيرالد.
جرترود ستاين في بيتها، ٢٧ شارع دي فلوروس، الذي اجتمع فيه كتاب وفنانو العصر
وبالإضافة إلى كتابَي "أزرار ناعمة" أو كتاب "صناعة الأمريكيين"، يستدعي اسم جرترود ستاين إلى الأذهان مناقشات حول التحليل النفسي مع تناول كوكتيل الأفسنتين وكوكتيل البوربون في حانة هاري مع همنجواي، أو الحديث عن التكعيبية والسوريالية والمستقبلية مع بيكاسو خلال الاستمتاع بطبق من سمك القاروص المسلوق البارد المزين بالكمأة [الكمأة نوع من الفطر] والبيض المسلوق، أو في أجواء منزلية مريحة مع رفيقتها مع قضم قطع من الحلوى (دوَّنت توكلاس وجباتهما بحب في كتب الطبخ الخاصة بها).
وإذا كانت الحداثة الأوروبية قد تأسست مع چيمس چويس أو ڤيرچينيا وولف، فإن الفرع الأمريكي من تلك الحركة متعددة الأصوات قد وُلدت مع الكوكتيلات في ٢٧ شارع دي فلوروس، حيث ستُحدث هذه المرأة المترفة التي كانت تعتبر نفسها مع ذلك أمريكية بارعة، ثورة في الأدب. ليس فقط من خلال توجيهاتها وذوقها الخاص، بل عبر كتاباتها هي أيضًا. ولا يزال من ساعدت على صعودهم ونجاحهم يملأون مناهج اللغة الإنجليزية. أما هي فقد اكتفت بالدور الذي لعبته الممثلة كاثي بيتس في فيلم "منتصف الليل في باريس" للمخرج وودي آلن.
اليوم، يكمن إرث جرترود ستاين في شخصيتها، أكثر مما في عملها الفعلي. لكن الحقيقة أنه من دون رعايتها ودعمها وعبقريتها في التحرير، لوصلتنا نسخًا ناقصة للغاية من سينكلير لويس وثورتون وايلدر وكارل ڤان فيشتن، ناهيك عن باوند وفيتزچيرالد وهيمنجواي. كانت جرترود أكبر بعدة عقود من العديد من تلاميذها (هي أول من أشار إليهم باسم "الجيل الضائع")، وغالبًا ما خبأت كتاباتها، الطليعية والتجريبية والكويرية، في سرد يجعلها مجرد لاعب تاريخي صغير، أو كأمٍ مربية لمجموعة من الذكور، أو "الأطفال الأشقياء".